بسم الله الرحمن الرحيم

سيادة رئيس مجلس النواب العراقي المحترم

اصحاب السيادة والمعالي والسعادة ... السيدات والسادة  

الضيوف الكرام ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ....

يطيب لي اولا ان ارحب بكم في مؤتمركم هذا متمنياً النجاح لاعمال المؤتمر والخروج بنتائج مثمرة تصب في خدمة بلداننا وشعوبنا وتعزيز الامن والاستقرار فيها .

اسمحوا لي ان اجدد العزاء لأبناء شعبنا العراقي الوفي ولا سيما ابناء الموصل الحدباء وعوائل الضحايا بفاجعة العبارة واجدد المطالبة بمحاسبة المقصرين وتعويض اسر الضحايا واتخاذ الاجراءات اللازمة للمنع من وقوع هذه الكوارث في المستقبل .

 وان هذا المؤتمر في بغداد وبهذا الحضور المهم لقيادات من القارة الافريقية يعبر عن ارادة عراقية في الانفتاح على القارة السمراء وتعزيز التعاون وتبادل المصالح ضمن المشتركات الكبيرة التي تخصنا .

 ان العالم شهد ومنذ اكثر من عقدين موجة جديدة مختلفة من التحديات والتهديدات الامنية والفكرية، كان ورائها طيف واسع من المجموعات والتنظيمات والتوجهات التي تبنت العنف والارهاب لتحقيق اهدافها ، ووفرت لها البيئة العالمية الجديدة ادوات مضافة لزيادة فاعليتها وقدرتها على تهديد امن وسلم المجتمعات والدول ، فظهرت لدينا تهديدات من نوع مختلف، منها من يستخدم التكنولوجيا والفضاء الذي خلقته ، ومنها من استغل ظروف الانفتاح الاقتصادي وحرية التنقل ، ومنها من استغل الخلافات والنزاعات الداخلية وظروف عدم الاستقرار في كثير من الدول، وغير ذلك، لايقاع الضرر بالارواح والممتلكات والبنى التحتية، واللعب على اوتار الانقسامات الدينية والمذهبية والقومية والسياسية لتعميق تلك الخلافات.

ان تلك التهديدات كونها تختلف في مضمونها واداوتها عن السابق, فانها تتطلب اجراءات وقائية وأخرى اعلامية، نقول وقاية لان استباق حصول التهديد الامني هو الهدف الاساس وياتي بعده العلاج في حال وقوع الاعتداء الارهابي في سرعة التعامل مع الحدث ومحاسبة مرتكبيه وتطويق الاثار والتداعيات الناتجة عنه ، وفي هذا الصدد وباستباق التهديدات يبرز لدينا التعامل مع الفكر والمنهج المؤدي الى الارهاب ليصبح هو الاولوية القصوى, فالارهاب لن يصل الى مبتغاه الا عندما يكون هناك من يدعم منطلقاته الفكرية والايديولوجية المتطرفة، ويؤمن الملاذ الامن لخلاياه ويغطي افعاله سياسياً او اعلامياً او اجتماعياً ... الخ .

ولطالما عانت المناهج الفكرية المختلفة ، سيما المعتقدات الدينية من وجود اتجاهات متطرفة في داخلها، تعمل على تبرير العنف والاذى غير الشرعي، لتاطير افعالها واهدافها، ومن الخطا الجسيم ان يحسب ذلك التطرف على دين او مذهب او منهج فكري واحد، فالتطرف آفة تعمل على تدمير تلك المناهج من الداخل اولاً، وتلحق الاذى باتباع تلك المناهج قبل غيرهم. والادلة كثيرة من مختلف انحاء العالم.

ولعل من أبرزها الحادث الأرهابي الأخير في نيوزلندا حين استهدف المسلمون الأبرياء عند تجمعهم لأقامة صلاة الجمعة في مساجدهم . وهو يؤكد ان التطرف داء تبتلي به جميع الدول والثقافات و لا علاقة له بالدين او العقيدة وقد تحمل الأسلام والمسلمون اتهامات باطلة لوجود متطرفين يدّعون ألانتماء لهذه الشريعة السمحاء.

ان التطرف يجد بيئته الخصبة في ظروف عدم الاستقرار السياسي، وفشل جهود التنمية وتقديم الخدمات، وانتشار مظاهر الجهل والبطالة، وغياب الدور الفاعل لمؤسسات التنشئة الاجتماعية وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية ، لذا قد لا نبالغ اذا قلنا ان الهدف السامي الذي تسعى اليه الانسانية في مختلف اتجاهاتها الدينية والفكرية، هو بناء الانسان الصالح في المجتمع الصالح، وهو المدخل الاساس لمكافحة الفكر المتطرف ، وهذا الهدف ليس هدفاً مرتبطاً بدولة او مجتمع محدد، وانما هو هدف انساني، فكما ان تهديد التطرف هو تهديد للانسانية، فان بناء الانسان هو في مصلحة الانسانية ككل، ويستلزم تحقيق هذا الهدف تعاوناً وتنسيقاً على مستوى عالمي بعيداً عن التوجهات والمصالح الضيقة، فما من بلد او مجتمع بمنأى عن تهديد التطرف والارهاب.

ولربما نجد ان منطقتنا العربية والافريقية ، هي من اكثر مناطق العالم التي اكتوت بنار التطرف والارهاب، ولاغرابة في ذلك، فهي منطقة التقاء كافة الاديان والمذاهب والمشارب الفكرية، وهي منطقة تقاطع المصالح والاجندات الدولية، وهي المنطقة التي عانت على مدار عقود من ظروف عدم الاستقرار، واختلالات عملية التنمية، وانعكاساتها على مجتمعات بلدان هذه المنطقة.

ان الخروج من دوامة التطرف والعنف وعدم الاستقرار يستلزم ان تتظافر جهود بلدان هذه المنطقة ومجتمعاتها ومؤسساتها المختلفة السياسية والاجتماعية والدينية والاعلامية والتعليمية، ضمن منهج واحد يقود الى بناء الانسان ومواجهة مسببات التطرف ، وتحقيق الاستقرار ، فنحن في مركب واحد وطبيعة التهديدات التي تواجهنا واحدة، في مصادرها وحواضنها واهدافها ونتائجها، لذا فانني ادعو الى ان يكون هذا المؤتمر منطلقاً لعمل اكبر تنخرط فيه كافة المؤسسات التي ذكرتها ضمن مسار يحقق تلك الغاية.

ان حواراً صادقاً بين الأديان والمذاهب يتلمس نقاط الأشتراك والألتقاء، واستثمار القوى المجتمعية والعشائرية ومنظمات المجتمع المدني وتأثيرها في ترسيخ الوئام المجتمعي وإشاعة ثقافة التعايش والقبول بالآخر المختلف دينياً او مذهبياً او قومياً او سياسياً، والأهتمام بتنشئة الجيل الجديد والشباب والمرأة والطفولة، والحفاظ على حقوق المكونات والأقليات، ووضع المحددات المنطقية في التعاطي مع السوشيل ميديا، واحترام سيادة البلدان واستقلالها السياسي وتعميق هويتها الوطنية بعيداً عن الأحتلال والهيمنة الأجنبية والتدخل في شؤونها الداخلية، تمثل مداخل مهمة لمعالجة وتطويق الفكر المتطرف وآثاره الهدامة على مستوى الأمن والبناء الاجتماعي .    

ان العراق عانى لفترة طويلة، سيما بعد سقوط النظام الديكتاتوري، عام 2003، من ارهاب وتطرف غير مسبوق، غذته مصالح واجندات مختلفة كانت شرارته الاولى في تفجير مقر الامم المتحدة في بغداد، وفي استهداف شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) حيث دخل العراق بعدها في نفق مظلم كان تفجير مرقد الامامين العسكريين عليهما السلام في سامراء، احد اهم مفترقاته الخطيرة، حيث شهدت بغداد احداثاً غير مسبوقة، ففي اليوم الواحد كان هناك بين 25-30 انفجار لسيارات مفخخة، والعشرات، وربما المئات من العمليات الاخرى في كافة انحاء العراق، وكان الهدف الواضح والجلي لتلك الاعمال هو ممارسة الابادة الجماعية ضد الشعب العراقي، ودق اسفين الفرقة والتناحر بين ابناء الوطن الواحد، الا ان جهود الحكومات العراقية المتعاقبة، وحرص القوى السياسية العراقية على التعاطي بمسؤولية مع تحدي الارهاب، والخطاب الديني المعتدل لمعظم القيادات الدينية، وفي مقدمتها المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف المتمثلة بالامام السيد السيستاني ( دام ظله الوارف ) ، وقبل ذلك كله تماسك ووطنية ابناء شعبنا العراقي، افضت بالنتيجة الى كسر شوكة الارهاب، وقادت الى تحقيق الانتصار الحاسم بتحرير ارضنا من الاحتلال الداعشي البغيض، فبقدر التحدي كانت استجابة ابناء شعبنا وقواه الوطنية الحية لذلك التهديد الكبير.

ان التجربة التي عاشها العراق تمثل تجربة كبيرة في مضامينها، والخبرات التي اكتسبتها الاجهزة العراقية المختلفة، وكذلك الادوار التي لعبتها مؤسسات الدولة والمؤسسات السياسية والاجتماعية في التصدي للارهاب، هذه التجربة يمكن ان تكون في خدمة البلدان الاخرى للاستفادة منها ، اننا في العراق ندرك جيداً ان تحدي الفكر المتطرف ومخلفات داعش، فيما تضمنته المناهج التعليمية في المناطق المحررة، ومئات من الاطفال الذين تاثروا بالفكر الداعشي، والظروف الامنية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها تلك المناطق في ظل الاحتلال الداعشي، كل ذلك يمثل تحديات اساسية تحتاج منا كعراقيين وبمساندة اشقائنا واصدقائنا، ان نتعامل معها لكي لا تتحول مستقبلا الى ارهاب باشكال جديدة، ونذكر هنا ان الاستقرار المستدام في العراق يمثل ركيزة اسياسية لاستقرار منطقة الشرق الاوسط، وهو ما اصبحت دول العالم تدركه وتتعامل على اساسه، فمتى ما استقر العراق فان الشرق الاوسط سيستقر، ومتى ما استقر الشرق الاوسط فان محيطه في اوربا واسيا وافريقيا سيكون اكثر استقراراً.

تمنياتي لمؤتمركم بالنجاح وان يؤسس قاعدة متينة للتعاون والتنسيق لمكافحة الفكر المتطرف ونتائجه وشكري وتقديري للقائمين على هذا المؤتمر والاتحاد الافريقي وجامعة الدول العربية ولضيوفنا الاكارم جميعاً .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.