احمد الصافي

 إذا كانت استقالة المسؤول غالبا ما تكون لأسباب متعلقة بإخفاقه في تأدية مهامه ومسؤولياته، أو كرد فعل تقتضيه أخلاقيات العمل السياسي إثر فضيحة أو تهمة والتي ما زالت نادرة في عرف السياسة العراقية، فإن تقديم الأستاذ عادل عبد المهدي استقالته من منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية جاءت لأسباب أخرى تتعلق بظروف و ملابسات يعيشها العراق حاليا، وحاملة في الوقت ذاته دلالات لا تنفك عن سجال الساحة السياسة. فبعد تشكيل الحكومة التي جاءت بمناصب عديدة استحدثت رآها المواطن العراقي هدرا لأموال الدولة و نوعا من الفساد المقنع، تعالت الأصوات في الشارع الجماهيري الرافضة والمطالبة بعدم الاستمرار في لعبة استحداث المناصب التي ترهق خزينة الدولة و تصيب المؤسسات بالترهل والثقل والروتين في تأدية مهامها وتقديم الخدمات للمواطنين. وكان موقف المرجعية العليا واضحا في هذا الصدد، حيث طالبت بضرورة ترشيق الحكومة و وضع حد لقضية المناصب الفائضة عن حاجة الشعب.
و رغم ما للتوافقات السياسية من سلطان فقد رفضت كتلة شهيد المحراب التصويت في البرلمان على نواب رئيس الجمهورية وهو القرار الذي كان انعكاسا مباشرا لما صرح به السيد عمار الحكيم مرارا وتكرارا من أهمية عدم إيجاد مناصب غير ضرورية ولا تخدم مصالح الموطنين. من هنا فقد جاءت استقالة الأستاذ عادل عبد المهدي كنموذج من التعبير عن الاستقالة المسؤولة التي تكشف عن أمرين مهمين، الأول إنه لا يمكن بحال من الأحوال لأي متصدٍ للسياسة أن يتعالى على رغبات وإرادة الجماهير ، بل يجب عليه أن يمثل تلك الإرادة خير تمثيل وألا يتجاهلها تحت أية مسوغات أو حجج طالما كان النظام الديمقراطي و دستوره مبنيين على أساس كون الشعب مصدر السلطة وهو المبدأ الأساسي الواجب أن يتم احترامه بشكل تام. والأمر الثاني الذي تعكسه الاستقالة هو أنها تمثل الصورة التي يجب أن تجتهد القوى السياسية في تقديمها عن نفسها للشارع والرأي العام العراقي والتي قدمها اليوم المجلس الأعلى، باعتبار أن المناصب لا تعد غاية في نفسها و لا تستوجب التدافع عليها كغنائم وحصص. فالحس الوطني إنما يتجلى بصورته الصادقة عبر العمل الجاد من أي موقع كان لخدمة أبناء الشعب و الإسهام الجدي عبر الأفعال لا الأقوال في تقديم تلك الخدمة والنهوض بالتكليف الوطني الذي لا يقتضي بالضرورة منصبا معينا لتأديته.
لعل هذه الاستقالة التي تقدم بها نائب الرئيس تعطي حافزا قويا في حال توفرت النوايا الصادقة لأجل ترشيق الحكومة والاستغناء عن المناصب غير المهمة وغير المبررة إلا عبر بوابة المحاصصة، و تنمية ثقافة الزهد السياسي بالمناصب التي بات المواطنون يرونها غاية السياسي الوحيدة لما تدره من امتيازات ومصالح. وهذه الاستقالة لنائب رئيس الجمهورية الأستاذ عادل عبد المهدي والتي جاءت بعد أن درس المجلس الأعلى أمرها فقرر إمضاءها لرئيس الجمهورية يراهن عليها الشارع الشعبي بأن تكون بقوة المبادرة السياسية الخلاقة التي تفتح المجال أمام استقالات أخرى لتحقيق المطالب الشعبية المتصاعدة و دعوات المرجعية الدينية الرشيدة المتكررة لإلغاء مناصب النيابة و بعض الوزارات غير الضرورية و ترشيق الحكومة ككل لتتمكن من القيام بواجباتها و تنفيذ تعهداتها و وعودها، وهو ما ستكشف عنه الأيام المقبلة على ضوء هذه البادرة التي يُرجى أن تكون واعدة في تحقيق شيء من ذلك لدى القوى السياسية الوطنية الأخرى.