كوثر رحاب

 تركت الحروب و جرائم النظام البائد و العمليات الإرهابية و الحوادث المختلفة في ظل واقع تردي مستويات الخدمات العامة أعدادا كبيرة من المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة يخوضون في متاهات المعاناة اليومية مقاومين أشكالا مختلفة وأوجها متعددة من المشاكل والضغوطات العصيبة. وتبدو هذه الشريحة الواسعة، التي تسوق بعض المنظمات الإنسانية لهم أعدادا مخيفة تصل من ثلاثة إلى خمسة ملايين معاق، من بين أبرز الشرائح المهملة التي لا تتمتع بالرعاية المطلوبة خاصة في ظل تعهد دستوري جاءت به المادة الثانية والثلاثين التي نصت على أن الدولة ترعى المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، وتكفل تأهيلهم بغية دمجهم في المجتمع. لكن هذه المادة لم يتم تفعيلها بالشكل الذي يخدم هذه الشريحة من الشعب العراقي، و لهذا بقيت ترزح تحت وطأة المعاناة ذاتها التي استمرت ولا تزال مستمرة دون أن يشعر هؤلاء المعاقون باهتمام يناسب احتياجاتهم و ما تتطلبه ظروفهم الصحية والحياتية البالغة الصعوبة في ظل تدهور عام للخدمات المقدمة للمواطنين وفي ظل سوء الأوضاع الاقتصادية وارتباكها بشكل عام، ولا شك أنهم في طليعة من يتحملون تبعات هذه الأوضاع. و مع هذه الأحوال المزرية والتحديات الصعبة يبقى هؤلاء المعاقون يمارسون حياتهم و بعضهم يجتهد في أن يكون له دوره البناء والفعال في المجتمع. لهذا فهم يستحقون تلك الصفة التي أطلقها سماحة السيد عمار الحكيم من أنهم ( أبطال الحياة).
إن التأمل في ما ألزم به الدستور العراقي الحكومة و مؤسساتها من واجبات رعاية المعاقين و تأهيلهم يفضي إلى أنه لم يتحقق على الأرض سوى نزر يسير من تلك الرعاية فيما تتخلف البنية التأهيلية عن استيعاب أعدادهم من جهة، والعجز عن تقديم الخدمات التأهيلية بشكل يضاهي ما عليه الحال في الدول الأخرى. فطوال السنوات الماضية لم يتم القيام بأية إجراءات مهمة لتحقيق عنصري الرعاية والدمج المجتمعي للمعاقين و ذوي الاحتياجات الخاصة. فلم تُسن قوانين وتشريعات بصدد كفالة حقوق المعاق العراقي، و لم توضع دراسات وافية وحقيقية تطرح للتنفيذ تأخذ بنظر الاعتبار أهمية احترام الفوارق الجسدية بشكل يتجاوز عملية التمييز ضد هذه الشريحة ومساواتهم بغيرهم كما تنص عليه المواثيق والاتفاقيات الدولية. بل يتفشى التمييز على صعيد التعليم والعمل بشكل واضح، يوازي ذلك غياب الممثل النشط للتعبير عنهم وإيصال همومهم وعرضها على الرأي العام و على الجهات الحكومية المعنية. و إزاء هذا الواقع المرير فإن قضية المعاقين ليست بحاجة إلى حلول مجتزأة و ترقيعية بل إلى وضع خطة إستراتيجية شاملة للنهوض بواقع ما يتم تقديمه إليهم برعاية مباشرة من الدولة التي تفتقر إلى إستراتيجيات تنظم عملها على صعيد تقديم الرعاية الاجتماعية لمختلف الفئات والشرائح، و بمساندة الجميع و بذل الجهود الوطنية والإنسانية والشرعية التي يمكن أن تسهم في انتشال لاسيما ذوي الاحتياجات الخاصة من مآزقهم الراهنة.
إن كل صوت وكل دعوة مخلصة تنطلق من هنا وهناك في سبيل التنبيه إلى حقوق هذه الشريحة و ضرورة رعايتها تعتبر أمرا يصب في مجراه الوطني والإنساني الواجب، وقد أطلق السيد عمار الحكيم دعوته للجميع بضرورة دعم شريحة المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة مهيبا بكل السادة المسؤولين الحكوميين والسادة النواب في البرلمان القيام بالخطوات المطلوبة والتشريعات اللازمة والدعم المطلوب لهذه الشريحة الكريمة ، وكذلك منظمات المجتمع المدني وكل ميسوري الحال والمحسنين الذين بإمكانهم أن يقدموا الدعم والإسناد لهؤلاء الأبطال لتجاوز محنتهم في حياتهم اليومية.
و ستبقى عيون المعاقين ترنو إلى المستقبل بكثير من التخوف ما لم يتم طمأنة تلك المخاوف عبر سلسلة من القرارات والإجراءات الفاعلة للحد من معاناتهم ومعالجة مشاكلهم التي لا تجد اليوم وللأسف الشديد أي اهتمام يمكن أن يتلمسه المعاقون في ظلام هذا الواقع الذي يكافحون لأجل البقاء في خضمه برغم قسوته ومراراته التي لا تنتهي.