بيادر عبد السلام

 تتسم العلاقة بين السياسي والمثقف في أغلب البلدان بنوع من التوتر والتضاد أحيانا، و في الأنظمة الديمقراطية تنفتح هذه العلاقة على نمط من الإشكاليات التي تفرزها حرية التعبير، ولعل السياسي كرجل واقعي عملي و المثقف كعقل حالم يجدان أنفسهما أمام عقبة كأداء في التواصل و التفاهم تنتج نأيا متبادلا وحذرا من ولوج أحدهما منطقة الآخر والتفاعل معه. وفي العراق فإن هذه العلاقة أخذت طابعا فاترا بعد التغيير ثم تعمقت الهوة لتصل في بعض حالاتها إلى القطيعة و التناقض. وفي الظروف المتأزمة التي تلمّ بالمجتمعات وحالة عدم الاستقرار ينحاز المثقف غالبا إلى مطالب شعبية سواء كان ضمن الموجة المعترضة على الواقع أو راكبا لها، وهنا تبقى المبادرات مفقودة بالنسبة للساسة في الاقتراب من الوسط الثقافي وربما يتعالى الكثير من الساسة على المثقف وأطروحاته وآرائه بحجة أنها تعبر عن أفكار مثالية أو تعزف على أوتار تناغم مزاجا سياسيا مناوئا. ليبقى الحل معقودا على طبيعة رد فعل السياسي ووعيه لأهمية وتأثير النخبة المثقفة وضرورة الاستماع إليها، بل ومدى وعيه لطبيعة الأزمات التي يعاني منها البلد.
تأتي زيارة السيد عمار الحكيم  لشارع المتنبي ولقائه بنخبة من المثقفين والأدباء والصحفيين وسط أجواء أمنية مرتبكة كبادرة بدت عزيزة في العراق اليوم على وقع الصراع السياسي وانشغال القوى السياسية بخلافاتها. ولا نبالغ إن قلنا إنها كسرت جزءا من حالة القطيعة والجمود بين السياسي والمثقف، فهي مثلت مدخلا مهما للتواصل بين الطرفين ورفع الحواجز النفسية لتفتح مجالا واسعا للتفاعل بينهما بغية حل المشكلات و التحديات التي تواجه بناء العراق اليوم. فالنخب المفكرة والمثقفة من الأدباء و أصحاب الرأي و الصحفيين يمثلون شريحة فاعلة يمكن أن تمارس دورها إن أتيحت لها الفرصة المناسبة للإسهام في حل الكثير من العقد المستعصية عبر الفكر و الإبداع الأدبي و الثقافي، كون المشكلة الواقعية في العراق، كما قال سماحة السيد عمار في زيارته تلك، مشكلة ذات جذور وخلفيات ثقافية وفكرية. وبالتالي فإن مهمة النهوض بالتماس الحلول الناجعة و الحقيقية لن تخرج عن يد المثقف و المفكر، و تبقى رهنا بقدرته على تفكيك الحالة ودراستها ووضع الحلول المناسبة لها، ليقوم بطرحها وعرضها كي يستفاد منها السياسيون في عملهم وتعاطيهم من الأزمات التي تشهدها البلاد عبر جدولة الأولويات وترتيبها وتوظيف الإمكانيات المتاحة. كذلك بوسع المثقف استثمار تواصل الشخصية السياسية معه لأجل الوقوف على الكثير من المسائل التي ربما يكتنفها الغموض بالنسبة إليه.
ولعل المميز في زيارة السيد عمار وحضوره الملتقيات الثقافية وبشكل خاص حضوره في مقهى الشابندر الشهير لدى المثقفين العراقيين هو أنها جاءت من شخصية سياسية إسلامية لتطيح بتلك النظرة غير الواقعية وغير الموضوعية من أن السياسي الإسلامي لا يسعه التفاعل مع الوسط الثقافي الذي يغلب عليه الطابع الليبرالي، و الولوج إليه حاملا وعيا هاضما لقيمة العلاقة التفاعلية بين السياسة والثقافة بصرف النظر عن الخلفيات و التقاطعات النظرية وحتى الأيدلوجية. إيمانا بأن الجميع يمتلك القدرة على الإسهام في إنجاح تجربة العراق الجديد، ولا يمكن أن تنحصر هذه المهمة بطرف أو فئة أو حزب سياسي أو كيان معين. والأمل معقود على أن تشجع هذه المبادرات من قبل سماحة السيد الحكيم باقي الشخصيات السياسية للتواصل مع الأدباء والمفكرين والمثقفين من شتى مشاربهم، فنهوض الأمم والمجتمعات لا يتم إلا بتآزر القوى الخيرة جميعها و تعاضد الإمكانيات و على رأسها الإمكانية العلمية والفكرية.