لاشك ان استشهاد المرجع الديني ومفجر الوعي الاسلامي في العراق، وقائد التحرك الميداني ضد دكتاتورية السلطة والحزب العفلقي الفاشي، الامام السيد محمد باقر الصدر"قدس سره" في نيسان عام 1980م قد ترك فراغا كبيرا في قيادة الحركة الميدانية والسياسية للساحة الاسلامية العراقية، وهذا هو الذي كان يستهدفه النظام الدموي – المقبور- نظام صدام حين اقدم على تصفيته... من هنا كان ينبغي التحرك بسرعة لملئ الفراغ الذي ازداد الاحساس به بسبب تطورات الاحداث، وتصاعد وتيرة التصفيات لرموز التحرك الاسلامي من علماء دين ومثقفين رساليين ومجاهدين مخلصين، واشتداد هجمة النظام لتصفية بؤر المعارضة، وتوالي التداعيات الاخرى التي ادت الى توتر الاوضاع السياسية والداخلية والاقليمية، حيث كان ذلك احد اسباب نشوب الحرب التي فرضها صدام على ايران الاسلامية بأمر من اسياده وانطلاقا من نزعته العدوانية ومن منهجه في نقل مشكلاته الداخلية الى الخارج.
وفي هذا الظرف الحساس تنادى المجاهدون العراقيون من علماء وحركات ورموز اسلامية في حركة جادة ومتواصلة لايجاد بديل قيادي للساحة الاسلامية العراقية بمستوى الاهداف والطموحات، وشهدت ساحة المعارضة الاسلامية في خارج العراق بعد ان تعذّر وجود البديل في الداخل بسبب القمع وبعد استشهاد المرجع السيد الصدر (رض) ؛ حركة دؤوبة لايجاد البديل القيادي، فمن تشكيل مجلس العلماء للثورة الاسلامية الى تأسيس الجيش الثوري الاسلامي لتحرير العراق، الى تشكيل جماعة العلماء المجاهدين في العراق، ثم ايجاد مكتب الثورة الاسلامية في العراق.. الا ان هذه التشكيلات جميعا كانت تواجه مشكلات عديدة، من اهمها انها كانت دون طموح الساحة، ولهذا اصبح من الواجب انبثاق كيان اكمل واشمل ويحضى بالشرعية، يتحمل جميع المنضوين فيه مسؤولية التصدي لمثل هذه المهمة التأريخية.
وبعد ابحاث متعددة، ومداولات مستمرة بين جميع اطراف الساحة السياسية والعلمية العراقية، تم في النهاية تبني تشكيل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق في شهر شوال 1402. وفي الاول من صفر 1403

(17تشرين الثاني 1982) اعلن آية الله الشهيد السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) في مؤتمر صحفي موسع تشكيل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، ليكون كيانا قياديا لادارة الثورة الاسلامية في العراق، يستمر في تحمل مسؤولياته حتى الاطاحة بالنظام الدكتاتوري الصدامي، ثم يترك الامر بعد ذلك للشعب العراقي في اختيار نظامه السياسي المناسب له من خلال الانتخاب الحر المباشر.
ومنذ انطلاقته، واصل المجلس الاعلى مسيرته المباركة مستعينا بالله تعالى، ومستندا الى ارادة الشعب العراقي من اجل جمع الطاقات بأتجاه العمل المشترك في مشروع سياسي للتغيير في العراق، ضمن تعهّد واتفاق الاطراف الداخلة فيه للعمل المشترك. وفي هذه المسيرة اجتاز مراحل عمل، قدّم فيها جهودا مشهودة على كافة المستويات، وحقق في هذا الصعيد اعترافا دوليا واقليميا متميزا، واصبح رقما اساسيا في الساحة السياسية للمعارضة العراقية، اذ تمكن ولله الحمد، في مرحلة عمل المعارضة العراقية ضد النظام الدكتاتوري من تأسيس قوة عسكرية مجربة وكفوءة ومتميزة ومنظمة متمثلة في فيلق بدر الظافر... وبعد اسقاط النظام المقبور انتهت مهمته العسكرية بوصوله الى هدفه، وتحول الى منظمة مدنية لحفظ الامن والدفاع عن مكاسب الشعب وتطويرها نحو الهدف النهائي بتحقيق الحرية والعدالة والاستقلال للعراق.

 الهوية :

يتساءل الكثير من المهتمين بالتعرف على تشكيلات الساحة السياسية العراقية والاسلامية منها خصوصاً عن طبيعة تشكيل المجلس الاعلى الاسلامي العراقي في العراق وهل هو حزب حسب الصيغ المعروفة، ام تنظيم على شكل اخر، ام مؤسسة واطار اتحادي. والنظام الداخلي للمجلس الاعلى اوضح الهوية والتعريف بالنص على ان: " المجلس الاعلى الاسلامي العراقي في العراق: كيان سياسي عراقي اسلامي مستقل، يضع نفسه بمثابة الاطار الذي ينفتح على كافة الاحزاب والتنظيمات والشرائح العراقية (الاسلامية خاصةً)، ويعمل في ظل المرجعية الدينية السياسية المتصدية للشأن العراقي بأتجاه الاهداف الدائمية والمرحلية "وشعار المجلس الاعلى هو الحرية والاستقلال والعدالة للعراق".. وبهذا التعريف لا يكون المجلس الاعلى حالة ائتلافية او جبهوية او بديل عن القوى الاسلامية.