كان حديثنا في الملتقيات السابقة عن النظرية الإسلامية في القيادة والإدارة ، وذكرنا إن عهد أمير المؤمنين (ع) لمالك الاشتر يمثل اختزالاً لهذه النظرية وقد استعرضنا خلال الاشهر الماضية العديد من الدروس التي قدمها الامام علي (ع) في الحكم والادراة والقيادة وكنا نتحدث في لقاءات سابقة عن هذه العبارة الكريمة العميقة في مداليلها بالرغم من قصرها قوله (ع)  (( ولا تقولن اني مؤمر آمر فأطاع ) يامسؤول لاتأخذك النرجسية وتصاب بداء الاستعلاء والاستكبار لتقول انا اصدر التعليمات والاوامر وعلى الناس الاطاعة والالتزام (( فأن ذلك ادغال في القلب )) مثل هذه الاخلاقية والنفس حينما يصاب به المسؤول هذا افساد للقلب ، (( ومنهكة للدين )) أي مضيعة للدين (( وتقرب من الغير )) وهذه السلوكية تقرب المسؤول من التغيير وتعرضه للسخط الشعبي الذي يؤدي به وبنظامه الى الهاوية ، تحدثا في الاضاءة الاولى عن ظاهرة الاستبداد والنرجسية والاعتداد بالرأي وان كان لكل من هذه المفردات مدلول قد يختلف عن الاخر في مستوياته ولكن يشير الى توجه معين.
" لا يمكن للمسؤول ان يجد لنفسه الفرص في ان يعرف لنفسه الحقوق ولا يعرف على نفسه الواجبات"

المسؤول لايرى الا نفسه وموقفه ولا يصحح الا رؤيته وهذه الحالة حينما يصاب به المسؤول فهي اكبر داء يتعرض له الانسان حينما يكون في مواقع الخدمة وتحدثنا في الاضاءة الثانية بتفصيل عن طبيعة المنطلقات القيادية في الرؤية الاسلامية وقلنا انها يجب ان تعتمد على امرين العلاقة الانسانية بين المسؤول وبين من هو مسؤول عنهم علاقة محبة وآلفة وليس تكبر وهيمنة وفرض وليس تسلط على الاخرين وليس ترويع واغراء وشراء للذمم وضمائر الآخرين بل علاقة مودة وثقة ومحبة وعلاقة احترام متبادل حتى تكون نصرة متبادلة في انجاز المهمة هذا الجانب الأول والجانب الثاني هي الحقوق المتبادلة العلاقة بين الحاكم وبين الشعب بين القيادة وبين التابعين ليس علاقة من طرف واحد فلا يمكن للمسؤول ان يجد لنفسه الفرص في ان يعرف لنفسه الحقوق ولا يعرف على نفسه واجبات ، هناك حق للناس على المسؤول وهناك حق للمسؤول على الناس وقد شرحنا هذه العلاقة .
الإضاءة الثالثة : ان هذا الاستبداد وهذه النرجسية تترك اثار وتخلف تبعات في سلوك الانسان ووجوده واستعرض الأمير ثلاث من هذه التبعات والعوارض الاساسية لظاهرة الاستبداد والاستعلاء ولاستكبار والهيمنة والنرجسية التي يصاب بها المسؤول:

1 ـ عارض ذاتي فردي حيث جاء في قلوله (ع) (( ادغال للقلب )) أي افساد للقلب وهذه قضية شخصية يصاب بها المسؤول ويفقد الفرصة في الحفاظ على انسانيته .

2 ـ هذا الاثر عقيدي (( ومنهكة للدين )) أي مضيعة للدين  يامسؤول دينك سوف يضيع ودين الناس يضيع من ورائك لأن الناس على دين ملوكهم وهذا ما سيأتي الحديث عنه ، دين الناس يتعرض للمخاطرة حينما يقع المسؤول في شراك حالة الاعتداد في الذات الى حد كبير .

3 ـ العارض الاجتماعي والسياسي ان مثل هذا الاستعلاء والاستبداد يؤدي الى مزيد من الافعال والسخط الشعبي الذي يدفع بأتجاه التغيير ويهز عرش المسؤول حينما يمارس مثل هذه المنهجية.
على المستوى الفردي كما قلنا حالة الهيمنة والاستعلاء تجعل قلب الانسان قلب مظلم تغيب عنه المشاعر والأحاسيس وتغيب عنه الفرصة في تحسس آلام الناس يصبح الانسان كدود القز يعيش في عالمه الخاص وينقطع عن آلام وهموم المجتمع ولا يفكر الا بنفسه وهمومه وقضاياه تنكسر الحواجز النفسية والمعنوية واذا انكسرت فيجد الانسان نفسه بؤرة للأنحراف والضلال ومستعد ان يقوم بكل شيء من اجل الحفاظ على عرشه وكرسيه وموقعه ويضحي بكل شيء ويهتك كل حرمة من اجل الحفاظ على موقعه. 

" احذر يامسؤول ان تحيط بك بطانة السوء التي لاتفر الا بمصالحها وكل مايهمهم كيف ينتفخوا ويبالغوا في الاستفادة من الفرص"

اذن القيم الانسانية تضيع الحالة المبدئية تغيب وهذه مشكلة ومعضلة كبرى يصاب بها الفرد المسؤول حينما يكون في مثل اجواء النرجسية العالية والاستبداد ، لاحضوا ماذا يقول امير المؤمنين في الخطبة 192 المعروفة بالقاصعة أي المحقرة التي تحقر الجبابرة لما ورد فيها من التركيز على هذا الجانب يقول علي (ع) في هذه الخطبة (( فأحذروا عباد الله عدوا الله ( في اشارة الى الشيطان ) ان يؤديكم بدائه )) وداء الشيطان هو الاستكبار (( واذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجوا الا ابليس ابا واستكبر )) وهذه مشكلة الشيطان في الجوهر امير المؤمنين يحذرنا من هذا العدو (( ان يعديكم بدائه )) وهذا فايروس خطير (( وان يستفزكم بندائه وان يجلب عليكم بخيله ورجله)) وان لايستنهضكم بأتجاه الاخلاق التي يمتلكها ابليس وسيرته السيئة ويخيفكم بجيوشه في اشارة الى اعوان السوء  ، احذر يامسؤول ان تحيط بك بطانة السوء التي لاتفر الا بمصالحها وكل مايهمهم كيف ينتفخوا ويبالغوا في الاستفادة من الفرص من الامكانات فيحرضوا المسؤول حتى يتزلفوا لك ويظهروا لك المودة ليس حباً بك ولا خشية من مكروهك بل هم يبحثون عن فرص ومواقع وادوار وامتيازات ، (( فلعمري فلقد فوق لكم سهم الوعيد )) الفوق موضع الوتر من السهم (( واغرق اليكم بالنزع الشديد )) أي القوس حينما يسحب بشدة في اشارة الى استعداد انطلاق السهم ، (( ورماكم من مكان قريب )) لأن الشيطان قريب منك وقد سحب السهم الى اقصاه وموجه الى صدرك وقلبك هذا هو حال الشيطان وموقف الشيطان من المسؤول حينما يكون في موقع المسؤولية (( فقال ربي بما اغويتني لأزينن لهم في الارض ولأغوينهم اجمعين )) وهذا قسم للشيطان اقسم به امام الله سبحانه وتعالى حينما عرف ان لامكان له في المقامات العالية في الجنة ، ولما كان الانسان في موقع المسؤولية اكثر كان تركيز الشيطان عليه اكثر واكبر ، هذا الاثر الفردي والنفسي الذي يصاب به المسؤول فيا مسؤول لا تفرح في الامتيازات التي تحصل عليها.
بل عليك وانت في موقع المسؤولية التفكير في مثل هذه الأخطار التي تتربص بك الدوائر من عدو لدود موقعه قريب منك وقد شهر سيفه وسهامه نحوك  وفي اهبة الاستعداد ليستهدف صدرك وقلبك.
لايمكن ان يجتمع الخضوع والخشوع لله مع حالة الاستعلاء والتجبر، ان كنت خاضعاً لله فيجب ان تستشعر حالة الخضوع في وجودك وفي نفسك وهذه الحالة تحصنك من الوقوع في حالة الاستبداد والنرجسية والاستعلاء ، واذا وقعت فيها فاعرف ان خضوعك لله وانقيادك لله تعرض الى مشكلة والى هزة ، لاحضوا ماذا يقول علي (ع) في نهج البلاغة الخطبة 88 ويذكر فيها الامير فيها اسباب هلاك الناس والحديث عن الجبابرة وسلوكهم (( فيا عجباً وما لي لا أعجب من خطر هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لايقتصون اثر نبي )) أي لايبحثون عن معايير او ضوابط ومقاييس وكل منهم يريد ان يبرر لنفسه وللأخرين الموقف الذي اتخذه من انه افضل المواقف وهو احسن الناس ويفكر افضل من غيره والحزب او الجماعة التي ينتمي اليها والتوجه الذي يؤمن به افضل التوجهات (( لا يقتصون اثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي )).
ولا لديهم حالة اقتداء لمعايير الاوصياء والاولياء (( ويؤمنون بغيب )) الايمان بالغيب اذا غاب عن الانسان لا يبقى حجر على حجر فأننا نؤمن بالله والجنة والنار والدار الاخرة ايمان غيبي وهؤلاء لايؤمنون بالغيب وكل شيء يرونه بالمنظور المادي ، والواقع ان أثرى أثرياء العالم نصفهم أميين وتجد بروفسور بالاقتصاد لا يملك لقمة عيشه ليس هذا سياق بل هناك اسباب ومسببات والامور تسير بأسبابها الطبيعية لكن هذه الاستثناءات لتلقي الحجة علينا ولله كلمة يقولها تأتي منسجمة مع اغلب السياقات في اغلب الاحيان ولا تأتي في بعض الاحيان حتى تقول ان الامر ليس مادياً صرفاً اكثر الناس الحاداً الله يضعهم امام مواقف محرجة يرون ان قواعدهم كلها قد ضربت ، في الطب هناك معاجز لا احد يعرف اسبابها وجاءت نتيجة توسل بالأئمة والاستغاثة بالله وهذه الامور كلها جاءت حتى تعطي رسالة ، هؤلاء لايؤمنون بالغيب وهناك من يمتلك الجيوش والمليارات لكن قلوب الناس لاتشترى بالمال بل الله سبحانه وتعالى يهدي الانفس والقلوب لتهوى هذا الجانب او ذاك وما اكثر من يصرف وينفق ولدية اعلام ووسائل ولكن الناس لاتحبه وهناك من لا يصرف شيئاً ولا يملك المال وتجد قلوب الناس تهواه واليوم اكثر الناس محبوبية في هذا البلد الكريم الإمام السيد السيستاني وهو لم يصرف دينار واحد على الاعلام ولا يظهر في وسيلة اعلامية وقد القى الله محبته في قلوب الناس. 

" هناك من المسؤولين من ينظر ويتحدث في مؤتمرات صحفية ويظهر بعد يومين ويتحدث بخلاف ماقال"

يجب على المسؤول ان يكون لديه الإيمان بالغيب ولا يأخذه الغرور بالموقع ، (( ولا يعفون عن عيب )) هناك من المسؤولين من ينظر ويتحدث في مؤتمرات صحفية ويظهر بعد يومين ويتحدث بخلاف ماقال وعند متابعتنا للصحف نجد الكثير من اخبار التكذيب للسادة المسؤولين ، (( يعملون في الشبهات )) تجد المسؤولين يبحثون عن الشبهة وخرق القانون ولحقوق الانسان وهذا الامر لاينطبق على كل المسؤولين بل هناك المخلصين والشرفاء ومن يتسم بالنزاهة وغالباً هؤلاء يحاربون ويطاردون ويهمشون ، واخطر شيء يرجف قلوب المسؤولين هو الاستضافة فضلاً عما هو اخر منها لماذا هذا الخوف ، الواقع انه يجب ان يمتلك المسؤول التبرير الواضح لمواقفك ، (( ويسيرون في الشهوات المعروف فيهم ماعرفوه )) أي ان الشيء الحسن هو ما يرونه حسناً ولا وجود مسيطر تعرض عليها المواقف بل هناك مواقف تكيف القوانين والدساتير والمبادىء والقيم معها واخطر شيء ان يكون المسؤول بمستوى يلبس الحالة المبدئية بثوبه وبسلوكه وأدائه وليس ان يعرض ادائة على الثوابت والمبادىء ، (( والمنكر عندهم ما أنكروا )) الشيء الذي لا ترغبونه قد يكون هو الشيء والموقف الصحيح ، (( مفزعهم في المعضلات الى أنفسهم )) تجد انه حينما تحصل مشكلة لا يرى الا رأيه ويتجاهل الخبراء والمستشارين وهذه مشكلة (( وتعويلهم في المهمات على ارائهم )) يامسؤول ازمة سياسية كبيرة مع دولة جارة او قضية امنية خطيرة او قضية اقتصادية وهذه مسائل لايصلح ان ترجع فيها الى رأيك الشخصي وتحكمه ان كنت وزيراً او مديراً او وكيلاً ، (( كأن كل امرء منهم امام نفسه )) أي يقتدي بقناعاته وميوله ورغباته ،هذه سمات المسؤول حينما ينحرف ويتجبر ويتكبر واكبر الأخطاء ليس في خطأه بل في تقمص الثوب الديني والموقف الشرعي والمبدئي والقانوني لمواقفه واكبر خطر المستشارين القانونين من مستشاري السوء الذين يبحثون عن الثغرات والمخارج  لتصرفات وقرارات المسؤولين خطورة الاستبداد للمسؤول هو ان يكون في ظرف يكيف القانون الثوابت والقيم والدستور مع موقفه الشخصي وقناعاته الشخصية.
ونرى اليوم الكثير من الجدل السياسي القائم في بلدنا كل يستند الى الدستور واذا كان الدستور واحد كيف كل منهم يستنبط حكما مختلفاً، اذن هناك رؤية خاطئة .