قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز " بسم الله الرحمن الرحيم يا قومي ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا اليّ ولا تنظرون . صدق الله العلي العظيم ".

تعودنا في كل ليلة من هذه الليالي الشريفة عند درس من دروس كربلاء واضاءة من اضاءات تلك المدرسة الخالدة ، وفي هذه الليلة نتحدث عن شخصية الامام الحسين (ع) وعن حميته ، الحسين كان يجسد الحمية والحماس والاندفاع والشجاعة والاقدام والرجولة في شخصيته ، ماذا تعني الحمية والاندفاع والرجولة عند شخصية الحسين ، حينما ندرس الشخصية الانسانية ، البشر بشكل عام نجد ان كل منهم يتميز بشخصيته . 

الشخصية الانسانية متنوعة

 هناك شخصية في مصطلحاتنا المعاصرة شخصية رومانسية ، عنده مشاعر مفعم بالاحاسيس سريع الغضب والانزعاج سريع الرضا الكلمة الطيبة تؤثر في نفسه ، الكلمة  والسلوك غير الملائم يترك أثرا في نفسه ، شخصية عاطفية .
هناك نمط آخر من الناس ، شخصية حزينة كثير الشكوى ، سلبي في نظرته للحياة ، دائما يبحث عن اشكاليات عن سلبيات ، ينظر نظرة قاتمة لواقع الحياة .
وهناك شخصية ناصحة مرشدة دائما تراه في موضع الوعظ ، قد ترى سيدة ، أم في البيت ترى طفلها الصغير في العمر تقوم باعطاءه توجيهات وتعليمات في تفاصيل حياته ، هذا طبع في شخصية الانسان ، شخصية نصوحة فيها حزم وتوصيات .
وهناك شخصية حماسية مفعم بالامل والطاقة كلما تحدث وكلما فكر وكلما قام بخطوة يشد نفسه  والناس تجاه أمر ما ، هذه شخصية حماسية وملحمية ، يقف يتحدث يهز المشاعر والعواطف يحرك الناس صوب الهدف الذي يعتقد انه صحيح ، مواقفه كلماته افعاله كلها طاقة ونشاط وحماس وحيوية كلها امل .

 الحسين (ع) شخصية حماسية وملحمية

 وحينما نتحدث عن الحمية الحسينية نتحدث عن الحسين الذي يبعث الامل في الجمهور ويشد الجمهور نحو هدف كبير تجسد في حركته وادائه ، هذه الشخصيات يمكن ان تحرك شعوب بكلمة تطلقها  بموقف وسلوك يصدر منهم في مناسبة هنا وهناك وهذا ما نجده في شخصيات كثيرة في تاريخنا الانساني والاسلامي ، في صفين كان علي (ع) يتحاشى الحرب مع معاوية ويسعى ان يحل هذه المشكلة عبر الحوار وكان يرسل الرسل من اجل تجنب اخطار الحرب واراقة الدماء بين المسلمين ، كان علي (ع) يتحاشى الحرب ليس لضعف وانما لرغبة في الحلول السلمية ولكن المنطق الذي كان سائدا في جيش معاوية كان منطقا آخر ، ويصبر امير المؤمنين على المنغصات والمشكلات وغير الملائم والمناسب حتى جاءوا وقطعوا الطريق على نهر الفرات ، فكان علي (ع) أمام خيارين أحلاهما مر ، اما ان يستمر في منهج الحوار السلمي غير المنتج والعقيم والذي سيعني انه وجيشه يذهبون الى الموت من العطش ، واما ان يدخل في حرب مع هؤلاء حتى يستعيد الفرصة للاستفادة من الماء وهو حق الحياة الطبيعي والمكفول لكل انسان ، وقف علي (ع) في خطبة وهي الخطبة 51 في نهج البلاغة وهي خطبة قصيرة جدا لهب من خلالها مشاعر الجمهور وهياهم الى المعركة فانقضوا على جيش معاوية وفي غضون ساعتين استطاعوا من استعادة موقعهم العسكري على نهر الفرات وادركوا المشرعة ، قال علي (ع) في هذه الخطبة " قد استطعموكم القتال " هؤلاء جياع طعامهم هو قتالكم ، جعلوكم طعمة طعاما يلتهمونه ويشبعون جوعهم ، "فاقروا على مذلة وتاخير محلة أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء " قاتلوهم ، اما تريدون المذلة  والقهر ابقوا على هذه الحال فاما تموتون من العطش او يتصدقون عليكم بقليل من الماء ، واما تريدون العزة والكرامة ، ومن يريد ان يرتوي من الماء فعليه ان يروي سيفه بدماء هؤلاء المجرمين الذين منعوا حق الحياة عليكم ، ثم قال " فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين " الموت الحقيقي هو حينما تكونوا أذلاء ومقهورين وان بقيتم على قيد الحياة ، ليس الحياة بهذا النفس ، ولكن امة تضحي وتموت ولكنها عزيزة وكريمة فهي امة حية وان كانت اشلاءها تحت التراب ، انتم من تختارون أيّ من الطريقين ، اذاكنتم تريدون الحياة فالحياة في المواجهة والتصدي وفي الوقوف بوجه هؤلاء حتى وان أدت الى استشهاد البعض منكم .
بهذه الكلمات القليلة استطاع امير المؤمنين ان يستنهض الهمم وان تستعد جيوش علي (ع) لان يقفوا ويواجهوا ببسالة .
الحسين شخصية حماسية وملحمية كرست وجسّدت في مسارها وسلوكها الشجاعة والاقدام والرجولة والمروءة وكل السمات التي تدفع الى مزيد من الاقدام وليس الى التردد والانكسار ، وهذه حالة انسانية ليس من الضرورة رؤيتها عند أناس لهم جانب من القداسة فحسب ويمكن احيانا ان نرى قائد عسكري مقدام وبطل يحقق انتصارات لوطنه وشعبه يمضي قدما ويهزم الاعداء فيكون اسطورة وانموذجا راقيا تعتز به جماهيره ، أحيانا فريق رياضي يمثل منطقة او مدينة معينة أو بلد معين يحق انتصار ويرفع العلم فيكون مدعاة للاعتزاز  ، يمكن نجم من نجوم الفن او ما الى ذلك تفخر به امم اوجماعات او قوميات او شرائح او قبائل ينتمي لها ذلك الفنان فيصبح نجما يحتفى به ويبعث الحماس والامل في جماعة من الناس ، اذن هناك بطل قومي او وطني او بطل لعشيرة ، تتضيق او تتوسع الدوائر لكنها حالة من الشخصية الحماسية التي يمكن ان تتوفر هنا او هناك ، وهكذا يمكن ان نجد بان الحسين (ع) وهو رجل حماسي لكنه يختلف عن هذه المصاديق التي تحدثنا عنها ، لان الحسين لا يمكن ان يختزل بوطن او قومية او عشيرة ، هدفه ومشروعه  كان اوسع ، هدفه هدف انساني لا يمكن ان يختزل بجماعات محددة ، وبقدر ما يعطيه هذا الهدف الواسع من القوة والشمولية بقدر ما يفقده فرص التعرف والاصطفافات الواسعة  ، لاننا نحتاج الى وقت أطول وجهد أكبر لتعريف الناس بالقيمة الإنسانية الكبيرة في المشروع الحسيني المشروع الإنساني للحسين هذه قيمة إنسانية ونحن مما يؤسف له لا نحسن احيانا بما يكفي للقضية الحسينية حينما نختزلها ونحددها بحدود مذهبية معينة او جغرافية او بحدود ومساحات اجتماعية معينة فيما ان الحسين بمشروعه لا يمكن ان يختزل بهذه المساحات الضيقة .

 واقعة كربلاء صفحتان ..سوداوية وبيضاء ناصعة

  اذا اردنا ان نقف عند واقعة كربلاء ونحن نرى ان هذه الواقعة فيها قراءتين وبها صفحتين وكلا القرائتين صحيحة وكلا الصفحتين تعبر عن مستوى معين وجزء من اجزاء حقيقة كربلاء ، هناك صفحة سوداء مظلمة سوداوية تعبر عن ظلم وحقد وعن مصيبة وعن جريمة واعتداء لم يرحم بها الصغير ولا الكبير ، حرم فيها الانسان من حق الحياة فمنع من الماء والذي جعله الله سبحانه وتعالى رمزا وضرورة للحياة ومواصلتها استخدمت فيها كل الوسائل غير المشروعة لم تحفظ حرمة لأحد من الناس لم يرحم الصغير وصولا الى الطفل الرضيع ضربت فيها كل القيم والاعراف حتى العشائرية والاجتماعية السائدة آنذاك وتم التجاوز فيها على النساء والمرأة شيء خاص في مجتمعاتنا العربية وهذا ما دعا الحسين (ع) ليذكر أولئك الناس بعروبتهم ( الستم عربا كما تزعمون ) كل القيم وكل الثوابت والأعراف سحقت في واقعة الطف  فكانت نموذجا ومثالا للقسوة والغدر وللظلامية بكل معانيها السيئة هذه صفحة يمكن ان نجدها في يوم عاشوراء ابطالها يزيد بن معاوية ، عبيد الله بن زياد ، عمر ابن سعد ، شمر ابن ذي الجوشن وقائمة طويلة من الرموز في هذه الصفحة المظلمة السوداء ، صفحة انكسار وفجيعة ومصيبة تحز في النفس وتدمي القلب وتطال المشاعر الإنسانية بعنف ولذلك ترون الحزن والألم العميق الذي نستشعره بعد مرور الف وأربعمائة سنة ، لأن البعض ممن لايعرفون الحسين ورسالة الحسين يستغربون لماذا تبكون وهم لايعرفون قيمة هذا الحدث ، الدمعة يجب ان تبقى قائمة والحزن والمصاب على سيد الشهداء وما جرى في يوم عاشوراء يجب ان يبقى مستمر ، وهذه الدمعة نذرفها على مظلومية الانسان وننتصر فيها لكرامة الانسان وندافع فيها عن حرية الانسان وعزة البشرية وهذه دمعة نذرفها على انفسنا في مشروعنا لبناء الحياة وهي ليست دمعة على حدث تاريخي حدث ثم ذهب بل هي دمعة على ظلامة تتجدد في كل يوم فكل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء  لأن الهدف الذي قاتل من اجله الحسين هو هدف لا ينحصر بمحدودة زمنية او مكانية معينة لذا يجب ان تبقى الشعائر والعواطف والمشاعر هذه المسائل يجب ان تستمر ويجب ان تبقى ولكن هل تمثل كل الواقع الذي جرى في كربلاء هل تمثل الصورة الكاملة ، الجواب كلا هذه جزء من الصورة وهو جزء مهم وفاعل ولولا هذا الجزء لا نستطيع تعبئة هذه الملايين من البشر في ان تقف وتصطف وتناصر قضية الحسين ونهج الحسين تناصر الحق بالضد من الباطل وفي اليوم الذي تتعرف الانسانية على مغزى هذه الثورة ومداليلها ستصطف كلها لتبكي على الحسين وتذرف الدموع ولاحظنا قادة معروفين كلهم وقفوا وقالوا في الحسين ما قالوا لأنهم عرفوا ماذا يمثل الحسين من رسالة انسانية ، هذه الصورة المظلمة صورة المصيبة صورة الغدر صورة السلوك السيء للأنسان هذه الصورة هي التي كانت مستحضرة عند الملائكة في اليوم الذي اخبرهم الله سبحانه وتعالى لرغبته في خلق الانسان كما تشير لنا الآيات الشريفة من سورة البقرة (( واذ قال ربك للملائة اني جاعل في الارض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )) هذا انسان عدواني يقتل ويذبح ويظلم ويقسي ويتعدي ويسيء (( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون )) انتم ترون الصورة السوداوية والمظالم ، هذا جانب انتم لاترونه والزمان سوف يريكموه وهذا الجانب هو الذي يجعل الانسان خليفة وهذه هي الصفحة الاخرى في واقعة كربلاء الصفحة البيضاء الصفحة النقية صفحة الشجاعة والإيثار صفحة المروءة والإقبال والرجولة التي تجسدت في الحسين واهل بيته واصحابه (ع) هذه الصفحة فيها استحضار للمصالح العامة وفيها تشخيص لأولويات الأمة وفيها تحديد لمسارات الصلاح في هذه الأمة أبطالها الحسين ابن علي ابن ابي طالب والعباس والحوراء زينب بطلها اهل بيت النبي (ص) أولئك الرجال والنسوة والصغار والكبار من أهل بيت النبي ، أبطالها أولئك الأصحاب أصحاب الحسين هؤلاء هم أبطالها ورجالها وهؤلاء هم من صنع هذه الصفحة والملحمة الكبيرة والحسين (ع) حينما يتحدث عن اصحابه لايتحدث عن المأساة التي مروا بها ولا يستدر الدمعة لأصحابه بل يقول (( فأني لا اعلم اصحابا اوفى ولا خير من اصحابي )) يقول انا الحسين بتجاربي الكبير وبعلمي المعصوم الذي يعرف كل هذا التاريخ الانساني الكبير والحافل وانا الحسين المطلع على أصحاب الأنبياء والذي قال بحقهم القرآن الكريم ((وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين  )) وانا الحسين اعرف هذا الوصف واعلم ان للأنبياء كان مثل هؤلاء الأصحاب انا الذي اعرف بأصحاب رسول الله (ص) في بدر وفي الملاحم الأخرى وأقول (( لا اعلم أصحابا خير من أصحابي )) هؤلاء أفضل وأشجع وابر وأوفى واقدر ، يعطي هذه الصورة الملحمية ويعبر عن قوتهم ويعبر عن شجاعتهم وعن وفائهم وليس عن مظلوميتهم ولذلك الحسين مدرسة ، خصومه يزيد ابن معاوية وجماعته يتصورون ان الحسين رجل يمتلك كاريزما يؤثر بالناس وبقتله ينتهي كل شيء ويمكن ان يعود الى ما كان في مشروعه التوسعي وفي مسار الانحراف للمشروع الإسلامي ولذلك اتخذ القرار بقتل الامام الحسين ولم يكن يعرف ان الحسين ليس جسما متحركا في الأمة بل الحسين مشروع ومدرسة وفكر وهذه الفكر سيتجذر ويتعمق اكثر فأكثر في هذه الامة حينما يروى بدم الحسين (ع) ولا يدري خطوة استهداف الحسين وظلامة الحسين واهل بيته هي خطوة في تكريس المنهج الحسيني وفي ترسيخ القضية الحسينية وفي تجذير الاهداف الكبيرة التي استهدفها الحسين (ع) ولذلك حينما استهدف الامام الحسين وقفت الحوراء زينب لتقول هذه الحقيقة (( كد كيدك وأسعى سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا )) لا تتصور ان القضية انتهت بقتل الحسين بل القضية تعمقت اكثر وتجذرت لأنها رويت بدم الحسين (ع) ، وحينما قتل يزيد الامام الحسين رأى ان الحسين (ع) اصبح معلما ومحطة مهمة من محطات الالتقاء على نهج الحسين والناس تتدافع على قبره الشريف ورأوا ان الناس لا تترك هذا الامر ثم ساووا القبر وازالوا كل معالمه ليضيع وشاهدوا ان الناس لم تترك هذا الامر ايضا ثم اغرقوا القبر بالماء حتى يضيه بين المياه ، كلما اتخذوا خطوة كلما زاد الناس تماسكا وتمحورا والتفافا حول الحسين (ع) ونهجه ومشروعه حينما نرثي الحسن (ع) وحينما نرثي اصحاب الحسين واهل بيته علينا ان نلتفت الى هذه الحقيقة الى هذا الجزء الاخر من الحقيقة علينا ان نرثي الحسين بطلا وان نرثيه شجاعا وان نرثي الحسين ملحميا وقويا وليس منكسرا وهنا تكمن قوة الحسين وهنا يكمن التأثير الكبير للمشروع الحسيني في واقع هذه الأمة لذلك أننا أحيانا لا نحسن بقدر ما يكفي للحسين ولا نعطي للحسين حقه حينما نجسد الحالة المظلومية وحالة الانكسار والاعتداء التي تعرض لها الحسين ولا نسلط الضوء على ذلك الجانب الآخر الذي يعبر عن القوة والعزة والمكنة والأقدام وعن الشجاعة الفائقة ونحن في مجتمعاتنا بحاجة الى هذه القوة الحسينية والحماسة الحسينية  وبحاجة الى الإقدام الحسيني حتى نتقدم ليكون الحسين حاملا لرسالة الحياة وليس رسالة الموت ورسالة الإقدام والانبعاث وليس رسالة الانكسار والتراجع ، الحسين علمنا كيف نعيش واذا كانت الحياة تتطلب التضحية كيف يضحي البعض حتى يعيش البعض الآخر وتستمر الحياة بأروع صورها ، رسالة الحسين رسالة حياة وقوة رسالة كبرياء ورسالة شموخ وعزة وكرامة وليس رسالة انكسار وهذا ما يجب ان نلحظه ونحن نتعاطى مع القضية الحسينية .