قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز

بسم الله الرحمن الرحيم

((يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون))
                                                                                                                                                                       صدق الله العلي العظيم 

لقد كان حديثنا في الليلة الماضية عن شخصية الحسين (ع) وقلنا انها شخصية ملحمية شخصية حماسية تتجسد فيها البطولة والمروءة والشجاعة والإقدام شخصية الحسين (ع) هي شخصية الأمل والإيثار والمثابرة هو الرمز الكبير الذي يبعث في الأمة في من يحيط به ويطلع على سلوكه ، وذكرنا ان هناك نمطين من التعاطي مع القضية الحسينية هناك صورة مظلمة حزينة ومؤسفة فيها قطع للرؤوس وفيها اعتداء على الأطفال والكبار وعلى النساء والرجال فيها سحق للكرامة الإنسانية وفيها تجاوز لكل القيم والمبادئ الإسلامية والعربية فيها الحزن والانكسار ولطالما نتناول القضية الحسينية من هذه الزاوية من زاوية ابطال الشر ابطال الكراهية والغدر وما فعلوه بسيد الشهداء وبأهل بيته وأصحابه ولكن هذه ليست كل الصورة وليست تمام الحقيقة في واقعة الطف بل هناك صورة اخرى بيضاء بطلها الحسين والعباس والحوراء زينب ابطالها اهل بيت النبي واصحاب الحسين (ع) فيها البسالة والشجاعة وفيها الاقدام والحمية وفيها الثأر للمظلوم وفيها المطالبة بالحقوق وفيها الانتصار لقضايا الامة وفيها مشروع اسلامي وانساني كبير وعلينا ان نتعاطى مع قضية الحسين (ع) من هذه الزاوية ايضا نرثي الحسسين ولكن اي حسين حسين المنكسر الذي تقطعت اشلائه على ارض كربلاء او الحسين المنتصر بفعل القوة والعزة والكرامة التي عبر عنها في مجمل سلوكة واقواله وافعاله نحن نرثي بطلا ونؤبن شجاعا صاحب مشروع كبير وعلينا ان نركز اكثر على هذا البعد في القضية الحسينية حتى تخرج لتكون أنموذجا للتأثير والعطاء لكل الأزمنة والأمكنة ولكل الشعوب والأمم ، ان الالآم تعطي حق الحسين ولا تعطي للملحمة الحسينية مكانتها المرموقة حينما نختزلها في مأتم والم  وجرح ومصيبة حينما نحددها في مساحات مذهبية او دينية معينة ،انها قضية الانسان وقضية الحياة ورسالة الحسين هي رسالة الحياة وليس رسالة الموت ولكن بقي علينا ان نتحدث في جانب مهم اخر هناك الكثير من الكثير من الابطال هناك بطل حقق انجازات عسكرية لشعبه هناك بطل استطاع ان يمتد على مساحات اخرى ويحتل دول اخرى ليضمها الى شعبه والى وطنه ولعل هناك من يصفق له ويعتبره بطلا قوميا بطلا وطنيا انه بطل من الابطال شئنا ام ابينا ايا كان سلوكه لكنه بطل استطاع ان يحقق انجاز ويترك بصمات في التاريخ ، العديد من الطغاة كانوا أبطالا ضحوا تضحيات كبيرة حتى يحققوا انجازات وهكذا في عالم الرياضة وعالم الفن وهكذا في مجالات مختلفة هناك وجوه وهناك ابطال بذلوا جهود جبارة وفتحوا دول شامخة ولكن لانجد في سلوكهم قداسة ولا نعتبرهم ابطال اصحاب مشروع مقدس فيما ان الحسين نعتبره مشروعا مقدسا ، من اين تأتي هذه القداسة ؟ ولماذا لا نجدها في كل بطل وفي كل انجاز ؟ يبدوا ان القداسة لها معايير اذا توفرت يكون مشروع مقدس واذا غابت لا يكون المشروع مقدس هناك من يقدم الكثير ويضحي بالكثير حتى يشبع انانيته وحتى يحقق ذاته وحتى يوسع من مساحاته وحتى يمسك الارض ويتحكم بارادة امة او شعب او جماعة كما هو في تاريخ الطواغيت والحكام الجائرين هو بطل حقق انجازا بلغ قمة ولكن الشعب الذي حقق له انجاز يعتبروه بطل قومي والشعب الذي اعتدى عليهم وتجاوز على حقوقهم واحتل بلادهم يعتبرونه مجرم حرب ، وهذا البطل هناك من ينظر اليه بخلفية ايجابية وهناك من ينظر اليه بخلفية سلبية ، اذا كنا نبحث عن القداسة في المشاريع الملحمية فلا بد لنا ان نقف عند المعايير التي تمنح القداسة لهذه المشاريع ، ماهي هذه المعايير يمكن ان نوجزها في ثلاث ونسميها المعايير التي تحقق القداسة في المشروع ، الهدف والظروف والرؤية ، هذه المعايير الثلاث اذا توفرت يكون المشروع مشروع مقدس واذا غابت تغيب القداسة ولكن لا تغيب البطولة والملحمة والانجاز ولعله يكون في البعد السلبي او في البعد الايجابي ولكنه محدود بحدوده .

معايير القداسة في المشروع

1 - الهدف

الهدف المقدس هو الهدف الشامل هو الهدف الواسع هو الهدف الذي يتجاوز الانا الشخصية والانا الحزبية والفئوية والمذهبية والدينية والانا القبلية والمناطقية لينطلق ويحاكي انسانا بكل مافي الانسانية من معنى البطل المقدس هو ليس بطلا قوميا ولا بطل وطنيا ولا بطل حزبيا ولا بطلا مذهبيا هو بطلا انسانيا يستهدف رضا الله سبحانه وتعالى من خلال خدمة الانسان وبنء الحياة من خلال بناء الوطن والموطن ولكن هدفه الانسان وهدفه رضا الله من خلال خدمة الانسان هذا الهدف الواسع هو الذي يجعل المشروع مشروع مقدس واذا تجاوز الانسان في اهدافه وغاياته رضا الله سبجانه وتعالى وطلب رضا جماعة مهما كان افق هذه الجماعة او مساحتها فيكون حقق انجازا بحجم هذه الجماعة ولكن المشروع ليس مقدس ، انظروا الى واحدة من الآيات الحماسية والملحمية في القرأن الكريم في سورة آل عمران قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (( قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم )) نحن المسلمون وانتم اهل الكتاب ولكن هناك مشروع وكلمة وقواسم مشتركة يمكن ان تجمع فيما بيننا (( الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله )) اذن القاسم المشترك هو الله ورضاه وهذا هو العنوان الكبير ، اترك الحزبية وتخلى عن الانانية وانظر الى هذا العنوان الكبير ستجد الجسور ممتدة والاطار يسع المسلم وغير المسلم يسع الانسان بكل اتجاهاته فالقرآن يدفع للبحث  عن تلك الاطر الواسعة وتلك المشتركات العظيمة الحسين (ع) اكتسب القداسة من هدف المشروع وهذه مسألة مهمة جدا هدفه كان هدف الإلهي كما سنتحدث الليلية في بعض الشواهد والتطبيقات اذن القداسة تمنح اولا من خلال الهدف المقدس ولا هدف مقدس سوى الله ورضاه بخدمة عباده والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع بين الناس .

2- الظروف

 انما تكون الخطوة مقدسة وانما يكون المشروع مقدس حينما يقتحم المشروع ظرفا حساسا واستثنائيا تعيش الامة فيه الاحباط واليأس حينما يعجز الاخرون ويتقدم صاحب المشروع المقدس وحينما تعم الظلمة ويرفع شخص ما بهدف مقدس لواء النور حينما يشيع الظلم يأتي الصوت العادل ليكسر ذلك الظلم ، اذن الظرف القاتم والظرف الظلامي حينما يكسر من شخص بهدف مقدس هذا يجعل مشروعه مشروع مقدس نمرود هذا الطاغية الكبير الذي لم يبقي ولم يذر وكان يقتل الناس بالجملة في محارق يحرقهم ويتصدى له ابراهيم (ع) يقف بوجه نمرود فيما انهزم الاخرون واستسلموا ورضخوا ولذلك القرأن حينما يصف ابراهيم كما سورة النحل (( ان ابراهيم كان امة ) ، وقال تعالى (( يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم )) هذا الخطاب جاء للنار ، موسى (ع) وقف بوجه فرعون وكم يصف القرأن الكريم الظروف التي عاشها بنو اسرئل في ظل فرعون كما في سورة القصص (( ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ابنائهم ويستحيي نسائهم )) لم يرحم الرجل ولا المرأة واعتدى على الجميع ولكن موسى صاحب المشروع المقدس وتصدى في تلك الحقبة الظلامية بشجاعة وعبأ بنو اسرائيل فكانت النتائج المبهرة في هذا المشروع الالهي ، رسول الله (ص) واجه امة جاهلة غارقة في الظلام وغارقة بعبادة الأصنام والوثنية رفع الشعار وحيدا (قولوا لا اله الا الله تفلحوا )) ماذا كان تعامل الناس معه (( وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاءا وتصدية )) صفقوا هللوا صفروا  ، هكذا تعاملوا مع رسول الله (ص) ، هذا الرجل اليتيم العظيم في تلك العزلة بين الامة الجاهلية والتي تعيش الظلام يتعاملون معه مثل هذا التعامل  فما هي فرص النجاح لهذا المشروع في مكة التي لاتعرف سوى الصحراء فما هو تأثيرها في ذلك العالم الذي كان فيها المبراطورية الفارسية والامبراطورية البيزنطينية وفيه الحضارات والشعوب المتحضرة ، في صحراء في قرية نائية يقف شخص ويقول كلمة والناس تصفق بوجهه وتسخر ولكن ارادة السماء شيء اخر لأن الهدف هدف مقدس والمشروع مشروع مقدس وقف بوجه ظلام وعتمة وتحدى ذلك الظرف الاستثنائي فأكتسب القداسة من هذا الظرف الحساس الحسين (ع) في ظل الحكم الاموي الذي حاول ان ينسف كل شيء ويغطي كل الانحرافات بغطاء الدين فابتدع بدعة حيث ليشترى ذمم حتى رواة الحديث وابتدع جعل الحديث في تلك الحقبة كان يأتون لأناس عاشوا في زمن رسول الله (ع) ويدفعون لهم الاموال ليتحدثوا بأحاديث مكذوبة عن رسول الله (ص) وقيلت الكثير من الروايات بما يشتهي الحاكم الظالم  فهؤلاء كانوا يغطون انحرافاتهم بغطاء الدين وهذه كانت السيئة الكبرى في حكم الامويين ، فجاء الحسين ليقول كلمة في تلك العتمة وفي ذلك الظلام لذا اصبح صاحب مشروع مقدس .

3- الرؤية والتشخيص الدقيق والعميق

المعيار الثالث المهم في قداسة المشروع هي الرؤية والتشخيص الدقيق والعميق ، البصيرة نحن اصحاب البصائر هكذا ورد وهذا هو المصطلح القرآني للرؤية ما يعبر عنه اليوم بالرؤية الستراتيجية ، صاحب المشروع المقدس صاحب بصيرة ورؤية عميقة يعرف كيف يحقق الانجازات ، الامام الحسين حينما اراد ان يخرج جاء اليه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية ومثال هؤلاء من العقلاء والحكماء والفطاحل والمخلصين قالوا له يا حسين لا يغرنك من راسلك يكتب بل ان هؤلاء لا يفوا بوعوهم ويغدرون وكأن الحسين لا يعلم ذلك نهوه عن الذهاب الى حرب والى معركة والى ان يتوجه نحو العراق في تلك الفترة ولكن الحسين كان يعرف النتائج الا ان هذه النتائج لم تثنه لأنه كان صاحب رؤية ويعتقد ان مستوى الانحراف والخطر على الرسالة الاسلامية وعلى التجربة الاسلامية تجربة الحكم العادل وصل الى مستوى لا يمكن تقويمه الا بهزة في ضمير الامة تحتاج الى دم بحجم دم الحسين (ع) ودم اهل بيته واصحابه ليصحوا الناس من سباتهم في ظل ذلك الانحراف الكبير الذي حصل لتجربتنا الاسلامية ، وهذا لا يحصل الا بدم كدم الحسين مدوي في ضمير الامة على مدى التاريخ فاقدم السحين على هذه الخطوة لذلك الحسين شخصية ملحمية والمشروع الحسيني ملحمة مقدسة لأن معايير القداسة اجتمعت في هذا المشروع وتوافرت فيه كيف يمكن تمييز الشخصية الملحمية الحماسية من غيرها نشخصها من سلوكه واقواله وافعاله وتربيته فاذا اردت ان ترى هذا الشخص ملحميا انظر الى منطقه هل هو منطق انكسار وهزيمة ومنطق عتاب وشكوى ام هو منطق اقدام وجرئه وشجاعة وبسالة ورجولة ، اذا اردت ان تعرف شخصية ملحمية انظر الى اصحابه وجماعته على ماذا تربوا حتى تعرف وتقيم هذه الشخصية وحينما نقف عند ما قاله الحسين قبل واقعة الطف في ظروف اخرى وما قاله في اثناء هذه الملحمة ، يؤسفنا ان حجم التعتيم والملاحقة والخفقان السياسي في تلك الحقبة حالت دون ان يجتمع الكثير من الاقوال والروايات عن سيد الشهداء ونحن لا نملك في تراثنا الشيء الكثير عن ابي عبد الله الحسين سوى ما جاء في واقعة الطف وما سواه هناك اشياء محدودة نسبة الى  روي عن ائمتنا الاطهار الاخرين (ع) لكن ضمن الموجود لاحظوا ماذا كان يقال وما هي الشواهد التي ممكن ان نسيقها على الشخصية الملحمية ، في ظروف غير واقعة الطف يسألون ابي عبد الله الحسين في يوم من الايام ما هي الكلمة التي لفتت انتباهك عن رسول الله (ص) ماذا يروي الحسين عن رسول الله الذي عايش الرسول في هذه السنين الطوال ويحفظ الكثير عن رسول الله لكن حينما اراد ان يتكلم استذكر هذه الرواية عن رسول الله لهؤلاء القوم حتى تعرف ماهي التوجهات في الشخصية الحسينية قال (( ان الله تعالى يحب معالي الامور واشرافها ويكره سفسافها )) وهذا يكشف عن الروح الكبيرة التي كان يتمتع بها الحسين ويكشف النظرة الواسعة التي كان يتصف بها الحسين ، الروح الكبيرة روح تأسر الجسم تجعله لايكل ولا يمل ليل نهار في آناء الليل تجد العبادة والتضرع والخشية ويعطي الجسد خبزة شعير وهذا نهج الرسول ونهج الائمة وهذه الروح الكبيرة تأخذ كل الجهد لخدمة الهدف الكبير ولا تعطي الا خبزة الشعير الروح الصغيرة تراها معكوسة الروح هي المأسورة لذلك الجسم يمكن ان يبيع الدنيا حتى يحصل على وظيفة وحتى يرفع مستواه في درجته الوظيفية وحتى يحصل على أثاث وعلى امكانات معينة يمكن ان يبيع دينيه وضميره وعرضه وشرفه من اجل ان يحصل على هذه الفتات التي سرعان ما تغيب وترحل ، والحسين يستحضر عن رسول الله (ص) ما يؤكد هذه الروح الكبيرة ما يؤكد هذه الهمم العالية في الانسان وهذا هو مسار شخصية الحسين (ع) ويجب ان نتعلم من الحسين ان نكون كبار ، روحك تكون كبيرة ونظرتك تكون كبيرة لا تقف عند التفاصيل وعند الجزئيات اجعل الهدف المقدس امامك وسر وسترى كيف تذوب كل هذه الجزئيات وهذه التفاصيل في هذه المسيرة الكبيرة ، ماذا يقول الحسين في بعض اشعاره تلاحظونها في البحار في الجزء 44 (( سبقت العالمين الى المعالي بحسن خليقة وعلو همة    .. ولاح بحكمتي نور الهدى في ليال بالظلامة مدلهمة .. يريد الجاحدون ليطفأوه ويأبى الله الا ان يتمه )) هذه الشخصية الحماسية التي تبعث في الامة الحماس والاندفاع والامل  والاقدام يقول (ع) (( موت في عز خير من حياة في ذل )) اذن لدى الحسين تعريفات عن الحياة والموت يختلف عن الطبيب الذي يرى الحياة بنبض القلب بينما الحسين لديه معنى اخر (( كم من حي وهو تحت الثرى وكم من ميت يمشي على رجليه )) الحياة الحقيقية هي بالعزة والكرامة والشموخ والكبرياء بان يكون الانسان قادر على ان يترك لمساته و بصماته في هذه الحياة  وقادر على يوجه باتجاهات صحيحة وقادر على ان يساعد البشرية ان تنطلق خطوة بالاتجاه الصحيح هذه هي الحياة واذا غابت ففي ظل الخنوع والتراجع والتقاعس والامة المنكسرة التي لا تسعى لأستعادة المبادرة الى نفسها  هي امة ميته حتى لو كانت بها سمات الحياة بالمعنى الطبيعي ماذا يقول الحسين  (ع) ((ان جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها وبحرها وبرها وسهلها وجبلها ، عند ولي من أولياء الله واهل المعرفة بحق الله ، كفيء الظلال ))  الدنيا وما فيها إمكاناتها ثرواتها نعمها جبالها وسهولها بحارها كل الدنيا عند الانسان صاحب المشروع المقدس كفيء الظلال ((إلا حر يدع هذه اللماظة لأهلها)) الحر الحقيقي هو من يجسد العبودية لله سبحانه وتعالى الحر الحقيقي هو الذي يتخلص من هذه الغايات الدنيوية يهتم بها ولكن وفق الاسس الصحيحة (( قل من حرم زينة الله الذي اخرج لعبادة والطيبات من الرزق  يوم الثايم )) استفيد من النعم لكن لا تكون اسير لهذه الدنيا فارق كبير بين استثمار الدنيا وبين ان يكون الانسان للدنيا بل كن حر ، وهذه الدنيا وما فيها الحسين يعبر عنها باللماظة ، واللماظة هو فتات الطعام الذي يعلق بالأسنان هذه قيمة الدنيا ولذاتها ، الدنيا عزيزة عند الحسين وعزيزة عند علي وعزيزة في الإسلام  لأنها الطريق التي يمكن من خلالها بناء الحياة على اساس الحق والوصول الى رضا الله سبحانه وتعالى ، نحن لسنا اعداء الدنيا وانما لدينا موقف من نكون اسرى لدى الدنيا ولملذاتها ونزواتها تتحكم بارادتنا وتبعدنا عن مشروعنا الصحيح والعميق يقول الحسين (ع) (( الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت مصالحهم )) من هذا السيد الوزير قالوا هذا متدين من كيان إسلامي لذا اقتضت الضرورة ان نطيل اللحية ونمسك بالمسبحة حتى نقول نحن من يعتمد عليه وفي الدورة الثانية اذا كان الوزير من حزب علماني تقتضي الضرورة حلق اللحية ونخبأ المسبحة للدورة القادمة لنرى من يمسك الوزارة ، هكذا يعبر الحسين (ع) (( الدين لعق على السنتهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون )) الذي يريد ان يأخذ بالتزامه الديني يتعرض للمساءلة ، الذي يزور الامام الحسين يودع بالسجن والقانون يجرمه وهنا يعرف المتدين ، وهذا هو الدين الحقيقي .
على كل حال ، لما عزم الحسين (ع) للخروج الى العراق قام خطيبا تعبئة للحرب ورفع معنوياتهم ، قال فيما قال " خط الموت على ولد آدم خط القلادة على جيد الفتاة " في البحار ج44 ص366 ، هذه الخطبة طويلة وفيها عبرة كبيرة وأنا اقتطع مقطع قصير منها ، الموت حق ، هذا مبدأ الحسين وهكذا قال لاصحابه ، " وما اودعني الى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف " الحسين يقول انا لا اخاف من الموت ، اذا كان الموت  يوصلني بجدي رسول الله وبابي علي وبامي الزهراء فانا مشتاق لهم كاشتياق الطفل الرضيع الى ثدي أمه كاشتياق يعقوب الى يوسف ، اذا كان الموت يوصلني الى ذلك السلف الصالح فاتمنى ان ياتي بسرعة ذلك الموت " رضا الله رضانا اهل البيت " الهدف المقدس هو رضا الله نرضى بما يرضاه الله " نصبر على بلائك ويوفينا اجور الصالحين ، الهدف السامي ، ثم يوجه خطابه الى هؤلاء الناس " من كان فينا باذلا مهجته " مستعد للتضحية ،من يريد ان يضحي ، لايوجد هناك تبرير ولا لف ودوران ، هناك وضوح ومكاشفة ،من يستطيع  التضحية والصبر فاهلا به والا فليرحل ، " من كان فينا باذلا مهجته موطّنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا ان شاء الله تعالى " الامام الحسين في طريقه الى كربلاء يقول " وما بالموت عار على الفتى ..اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما" اذن الهدف السامي هو الاساس في قداسة المشروع " وواسى الرجال الصالحين بنفسه .. وفارق مثبورا وخالف مجرما " واذا كان في الطريق يقف بوجه المجرمين ( في اشارة الى يزيد) بوجه المنحرفين ، وهذه هي الحياة الحقيقية ان تكون وفيا لهدف سامي لغاية نبيلة تؤمن بها هي رضا الله تعالى ، " أقدم نفسي لا أريد بقائها .. لتلقى خميسا في الهياج عرمرما .. فان عشت لم أندم .. وان متّ لم ألم ..كفى بك ذلا ان تعيش وترغما " الحياة التي فيها اساءة واذلال وفيها تغييب لا يمكن ان يتقبلها الحسين ولايمكن أن تتقبلها اي شخصية ملحمية  ، وما أكثر الشواهد التي تؤكد على هذا البعد الملحمي والشخصية الحماسية وثروة الرجولة والمروءة في شخصية الحسين (ع).