واقعة الطف ..رسالة مدوية وشاملة
نقف في هذه الليلة من ليالي محرم لنستذكر درسا اخر من دروس واقعة الطف في كربلاء حينما ننظر الى العديد من الوقائع والاحداث نجد انها وقائع احادية تستهدف هدفا معينا وواقعة الطف تختلف فهي ليست احادية الجانب ليست ذات هدف محدد واحد وانما تتمتع بحالة من الشمولية والاستيعاب تستهدف اهداف واسعة ومتعددة ومتنوعة المساحات لذلك يمكن القول ان واقعة الطف تمثل تجسيدا وتطبيقا ومصداقا واضحا للرسالة الاسلامية بكل ابعادها ، الاسلام قدم رؤية ونظرية للحياة فيها جوانب عديدة ترتبط بكافة الشؤون ذات الصلة بحياة الانسان في هذه الحياة وجاءت نماذج تكرس هذه النظرية وتجسدها على الارض ، واقعة الطف هي ذلك الحدث الكبير الذي جاء ليجسد الاسلام بكل معالمه واتجاهاته فلذلك واقعة الطف تتسم بالشمولية والاستيعاب وبالرسائل التي قدمتها للبشرية جمعاء هذه المركزية والمحورية في قضية الامام الحسين ومنهج اهل البيت (ع) الحث على الارتباط بالحسين والحث على احياء الشعائر الحسينية التشجيع المستمر على ابقاء جذوة الحسين متوقدة وحاضرة في نفوس الامة ومشاعرها وعقولها انما يأتي انسجاما مع هذه الرسالة المدوية والواسعة والشاملة للقضية الحسينية ولذلك نجد ان هذه القضية قد صممت بنحو تكون قادرة ان تحقق هذه الرسائل المتعددة والشاملة حيث نجد ان ابطالها يمثلون المجتمع بكل طبقاته المتنوعة نرى الطفل الرضيع والفتيان والشباب وصولا الى الكبار انتهاءا بالشيوخ ، اذن كل الفئات العمرية موجودة بدءا من الطفل الرضيع انتهاءا بالشيخ الهرم الرجل والمرأة حاضرة في واقعة الطف والابيض والاسود اي الحالة العرقية ايضا حاضرة في واقة الطف ، العربي والاعجمي اذن القوميات والتنوع الاجتماعي ايضا حاضر في واقعة الطف السيد والموالي كلاهما حاضران في واقعة الطف لذلك فان ابطال هذا الحدث هو المجتمع بكل طبقاته الاجتماعية فكيف يكون الحدث للجميع دون ان يكون الجميع قد شارك في صناعته واليوم كل طبقة اجتماعية تجد من يمثلها في واقعة الطف ويعبر عنها ، شيخ العشيرة والوجوه الاجتماعية المهن المختلفة ، النخب والاساتذة وعموم الناس كلهم حاضرون في واقعة الطف اذن رسالة الحسين كانت شاملة وابطالها يعبرون عن هذا التنوع وعن هذه السعة والشمولية في الرسالة الحسينية ، من تعاطى الثورة الحسينية ايضا نجده قد ركز على جوانب معينة كأن يكون شاعر او اديب اخذ القضية من بعد ادبي والمؤرخ نرى هؤلاء انهم استوقفتهم اشياء في ثورة الحسين (ع) ومن الصعب القول ان كل ماقيل في حق الحسين انه خطأ نعم يمكن القول انه منقوص اي قدم رؤية ناقصة ولاحظ جانبا من جوانب القضية الحسينية كما يمكن القول ان القليل ممن استطاع ان يقف على واقعة الطف بكل ابعادها ومعالمها اكثر ما كتب وما قيل في حق القضية الحسينية كان في جانب من جوانبها وركز على جانب ما بما ينسجم واهتماماته فقد يكون الكثير مما قيل مما فسر وحلل في واقعة الطف يتمتع بالصدقية ولكنه يمثل رؤية منقوصة لأنها رؤية احادية وحينما نجمع هذه الرؤى المختلفة وحينا ننظر الى واقعة الطف نظرة شاملة حينذاك نفهم المداليل العميقة لواقعة كربلاء ، واليوم على عجالة نريد ان نؤشر على بعض هذه الملامح وهذه الابعاد في واقعة الطف فحينما نقول ان واقعة الطف شاملة ومستوعبة ومجسدة للأسلام بكل ابعاده ماذا نعني ولذا نحتاج ان نقف عند بعض هذه الابعاد والمعالم ...

ابعاد واقعة الطف

الجانب العرفاني ..
1- القضية الحسينية كانت تمثل قمة التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى فيها بعد عرفاني وفيها علاقة خاصة بين الحسين واهل بيته واصحابه  مع الله سبحانه وتعالى وقد عبر الحسين (ع) عن هذا الجانب بكل وضوح في كلماته التي صدرت منه  ، وخطًب الحسين خطبة في مكة قبل توجهه نحو العراق وهي خطبة الانطلاق والتي حدد فيها الامام الحسين السياسات والاولويات وهذه الخطبة الاولى مهمة ان ندرسها وهي ماقاله الحسين في مكة قبل ان يتوجه نحو العراق ، نجدها في البحار الجزء 44 صفحة  376ونأخذ منها هذا المقطع (( رضا الله رضانا اهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين)) انظروا الى الخلوص في دوافع الحسين (ع) فهو لايطلب سلطة ولا طموحات ومطالب خاصة بل المهم هو رضا الله سبحانه وتعالى ، وتخبرنا النصوص الواردة عن اهل البيت (ع) ان الامام الباقر وكان فتى في مقتبل عمره كان قد ذهب لزيارة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري وكان كبير السن يقضي ايامه الاخيرة وكان رسول الله (ع) قد بشر جابر بأنك ستلتقي باحد ابنائي اسمه محمد يبقر العلم بقرا اخبره عني بكذا وكذا وبالفعل تحققت النبوئة الرسالية والامام التقى بجابر وقد وصف جابر حاله للأمام بقوله سيدي يا ابن رسول الله انا صرت في حال ارجح المرض على الصحة والفقر على الغنى والموت على الحياة لأذهب والتقي بجدك رسول الله (ص) وليس لدي طموح في شيء لا مال ولا صحة والنية من هذا القول واضحة لجابر ولكن الامام الباقر يريد ان يعطي درسا لجابر ولنا جميعا قال له ياجابر رؤيتنا تختلف عن هذه الرؤية نحن لا نرغب ولا نريد الا ما اراده الله لنا فحينما يقدر لنا الفقر نسلم بما اراد الله واذا قدر لنا الغنى اقبل بما قدر الله ونوظف هذا الغنى في رضا الله ، اذن المعيار رضا الله وهذا التوحيد الخالص ، والحسين الذي بدأ مشواره برضا الله رضانا اهل البيت ختم هذا المشوار والمشروع بكلمة حينما أعيا وتعب من الحرب وضعف وجاءه السهم ذي الثلاث شعب وسقط على الارض صريعا هذه اللحظات الاخيرة ارباب السير والمقاتل كتبوا تفاصيلها ماذا قال الحسين في هذه الحالة وهو يستعد للقاء ربه ( رضىً بقضائك وتسليما بامرك لامعبود سواك يا غياث المستغيثين ) وهذه الكلمة التي اطلقها في بداية الانطلاق وظل يكررها في تفاصيل هذه المسيرة أكدها من جديد في اللحظة الاخيرة التي اراد فيها ان يغادر ، اذن واقعة الطف جسدت الاخلاص الكامل والتوحيد لله سبحانه وتعالى بكل تفاصيلها وهكذا نجد ان الامام الصادق (ع) يوصي اصحابه بقراءة سورة الفجر لأن آياتها الاخيرة كان الحسين (ع) عبّر عن المصداق البارز لها ( يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) الحسين راضيا وهو مرضي حيث ان الله رضى عنه  ، واذا اردنا ان ننظر في تفاصيل هذه المسيرة قرر عمر ابن سعد ان يهجم وينهي القضية ليلا استعد الجيش والحسين ارسل اليهم رسولا اطلبوا منهم ان يمهلونا عشية هذه الليلة حتى نصلي لربنا ونريد ان نلقى الله بكمال اعظم ، وهذه تربية لنا حتى نصلي لربنا ، وفي ليلة عاشوراء كان لهم دوي كدوي النحل كما يخبرنا المؤرخين في تلك الليلة انظروا الى العبادة والانقطاع الى الله ماهو حجمه في ثقافة الحسين (ع) وفي يوم عاشوراء حيث المعركة محتدمة والرؤوس تتساقط والشهداء يتكاثرون وفي ذلك الظرف الصعب يقف ابو تمامة الصائدي ويقول يا ابا عبد الله هذه الشمس قد زالت وهذا وقت الصلاة وانا لا احب ان تطالك سيوفهم حتى اقتل دونك واحب ان القى الله وانا قد فرغت من عبادة الصلاة التي دخل وقتها ، ل له الحسين ( ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا اول وقتها سلوهم ان يكفوا عنا حتى نصلي ) ولكن أدعياء الاسلام لم يمهلوا الحسين حتى لأداء هذه الفريضة واضطر الحسين بالرغم من ان المعركة قائمة ان يوقف من يصدوا عنهم ويقيموا الصلاة في تلك الحالة ، وهذه انما تعبر عن حالة مفعمة بالاخلاص والتوحيد لله سبحانه وتعالى ، حينما ننظر للقضية الحسينية من هذه الناحية نجد كأن الحسين ليس في معركة ويحاصره هذا العدد الكبير من الجيوش وكأنه لا يعيش هذه الحالة من العطش وكأن الحسين هو وربه يعيش حالة الانقطاع عن الدنيا ومافيها وحالة زهد بكل المنغصات والالام والمحن وبكل الصعاب التي تقف بوجهه وتعتريه وقد ركز على هذا الجانب العرفاني وما اكثر الشواهد عليه اذا اردنا ان نتعمق فيه .

 الاباء والحمية والاقدام

2- الجانب الاخر والذي قد يبدوا انه مختلف عن الجانب العرفاني حيث ان الاخير فيه انقطاع بينما الجانب الاخر جانب الاباء والحمية والعزة والكرامة والشرف والاقدام وان يلهب مشاعر الجماهير بتلك الخطب التي ملئها التشجيع على التصدي والحضور والدفاع عن المشروع والتصدي بوجه الظالمين كلها عزيمة وتعبير عن الحرية والكرامة الانسانية وتجسيد العزة التي يجب ان يعيشها الانسان في حياته وسلوكه اليومي وكلما وقفنا عند ما قاله الحسين (ع)  نجد انه كان يلهب مشاعر الامة واصحابه بتلك الكلمات التي كانت مدوية يتناقلها المؤرخون المؤمنون والمهتمون بالقضية الحسينية جيلا بعد اخر(( لا والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر اقرار العبيد )) هل تريدون مني ان اعطيكم بيدي لأصبح ذليل لمنطق خاطىء وحاكم جائر ولسوك مشين وسياسات خاطئة وفشل ذريع للألتزم بالقيم والمبادىء لن اعطيكم ايضا ولا استطيع ان اترك الساحة واذهب الى مكان لأحافظ على نفسي ( لا اعطيكم اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد ) هذا هو منطق الحسين في البعد الملحمة بعد الاقدام والاباء ( هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله المؤمنون وحجور طابت وطهرت ) والحسين يقول ( الموت اولى من ركوب العار) الموت بشرف وعزة وكرامة والموت بوعي افضل من الحياة لكن انظروا الى الربط في هذا البعد الملحمة بين شخصية الحسين (ع) والبعد العرفاني ( والعار اولى من دخول النار) اذا كان رضا الله سبحانه وتعالى والمصلحة في ان يصبر ويكظم ويتحمل لمصلحة اكبر ، العار الذي يلحق الانسان لمصلحة اكبر والذل الذي يتحمله والضغوط التي يتعرض لها الانسان ، ان يتحملها الانسان ويصبر عليها لمصلحة اكبر اولى من يمضي بدعوى الانتصار للحرية والعزة على خلاف ارادة الله فيدخل في النار ، ( لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما ) الموت سعادة اذا كان في طريق ايصال رسالة وتثبيت حق وتكريس مبدأ والحياة مع الظالمين ليس فيها الا البرم والشقاء وهذا هو المنطق الحسيني في البعد الملحمة لا بد من النظر اليه حتى تتكامل رؤيتنا عن واقعة الطف .

 جانب الوعظ والارشاد والنصح

 3-  الحسين في هذا الجانب هو ذلك   الناصح المشفق والحريص على اولئك الناس يقف وينصحهم ويتحدث اليهم ويطلب منهم معرفة الحق الذي يتحدث به ولم يكن الحسين خائفا على نفسه بل عليهم ويعرف انه اذا لم يستجيبوا وقاتلوه فمصيرهم الا النار ، الحسين لا يريد النار والشقاء حتى لأعدائه وخصومه وكذلك كان يشجع اصحابه في ان يخرجوا الى القوم وينصحونهم ونرى واقعة الطف ويوم عاشوراء مليء بخطب وكلمات وبيانات واحاديث ملئها النصيحة والمشورة واللطف في بيان الحقيقة حتى لا يقعوا فريسة اضلال متعمد وتغرير يقوم به الحاكم الجائر لذلك نرى الحسين لا يكتفي الحسين بخطاب امراء الجيش وقادتهم بل يخاطب الجميع يتأسى بجده رسول الله (ص) كما يخبرنا القرآن الكريم ( لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )) وهذا هو نهج الحسين في بعده الارشادي ولذلك يحدثنا التاريخ عن سلوكيات ليس لها تفسير الا من هذا البعد ، الحسين يترك المعركة ويذهب الى الخيمة ليرتدي ملابس رسول الله (ص) عمامته وجبته ليخبرهم انه امتداد لرسول الله (ص) يستخدم كل الوسائل لرفع الغرر الذي قد يصاب به هؤلاء .

 الجانب الاخلاقي والسلوكي

 4- تلك الاخلاق والمواقف التي نراها في واقعة الطف بكل تفاصيلها انها اخلاق الانبياء والمبدئية العالية والمناقبية الواضحة الحسين اراد ان يعطي صورة تبقى نموذجا واضحا وصارخا وصريحا للأنسانية جمعاء على مر العصور والدهور ، في هذا الجانب القضية ليس لها علاقة بالعقيدة انما هذا السلوك سلوك انساني مبتني على قيم اسلامية لكنه سلوك انساني راق من يراه يتأثر به ومن غير المسلمين الذي تعاطفوا مع الحسين انما جاءوا نتيجة هذا السلوك المميز الذي كان يهز مشاعر الناس ، المروءة عبرت عن نفسها في واقعة الطف الحسين يتمكن من الماء حتى يأتي الحر وجيشه وهو يعلم ان هذا الجيش سوف يقطع عليهم الطريق ويقترح عليه اصحابه ان لايعطوهم الماء ولكن الحسين لا يرتضي ذلك ويقول ان هذا الماء حق انساني ليس فيه صديق او عدو ومن حقهم ان يشربوا من هذا الماء لأنه من مقومات الحياة والحياة حق للأنسان ، تأتي فرص واقتراحات من بعض اصحاب الحسين بأن ينقضوا عليهم ويباغتوهم ليوقعوا بهم اكبر عدد من الخسائر الحسين يقول انني اكره ان ابدأهم بقتال والمسألة ليس كيف ان انتصر في هذه المعركة ليس هم الحسين ان يحقق انتصارا عسكريا فقط بل هم الحسين كيف يوصل هذه الرسالة المدوية للبشرية جمعاء ليكون مصداقا وتطبيقا عمليا للرسالة الاسلامية ولفكر الاسلام ونهجه وسلوكه الاصيل وما اكثر المواقف التي تعبر عن حالة المروءة الحسينية في مجمل تعاطيه مع  الثورة ، الصفة الاخرى البارزة صفة الايثار والوفاء وهي صفة مناقبية كبرى نراها في اصحاب الانبياء والاولياء والصالحين والنماذج الراقية للأنسانية ، حالة الايثار والوفاء بالالتزامات والعهود الاخلاقية والشرعية التي قطعها الانسان مع نفسه ، معرفه هذه القصة في زمن رسول الله (ص) اشلاء المسلمين مقطعة في احدى الغزوات يأتي الساقي يرى ان احد الجرحى ينزف دما وحينما قدم له الماء رفض ان يشرب وقال انا عطشان ولكن اخي الاخر ايضا عطشان كيف اشرب قبله وارسل الماء الى الثاني وقال نفس مقالة الاول وارسل الماء الى الثالث والرابع وهكذا وحينما وصل الى اخر واحد رآه ميتا وقبله ايضا فارق الحياة وهكذا جميعهم قد استشهدوا ولم يشربوا الماء قبل اخوانهم وهذه صورة انسانية كبرى وقيمة اسلامية عظمى يمكن ان نتلمسها في هذه القصة في سورة الدهر (( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا )) واذا اردنا ان نقف عند الايثار الحسيني في واقعة الطف فعلينا ان نقف عند ابي الفضل العباس ، ما اكثر صور الايثار ولكن العباس قدم صورة مميزة وبقيت خالدة للأنسانية جمعاء نستذكرها لاسيما في هذه الليلة السابعة المنسوبه لأبي الفضل العباس (ع)  وهو يحترق من الظمأ ولكنه يرى بكاء النساء والاطفال والحسين يطلب منه ان يطلب الماء لهؤلاء الاطفال والنسوة حيث ان العدو لا يعرف طفلا ولا ضعيفا والعدو شامت ورافض ان يقدم اي خدمة انسانية حتى للطفل الرضيع. حتى يضغط على الحسين ويستخدم كل الوسائل غير المشروعة وغير الانسانية في هذه المعركة وابي الفضل تأخذه الحمية ويقول ياحسين لا اطيق بكاء النساء والاطفال فأذن لي ياحسين ان انزل الى ساحة المعركة واصل الماء والحسين رأى ان هذا هو الحال فيسمح لأبي الفضل العباس ويذهب العباس ويأخذ قربته ويتوجه نحو ماء الفرات ليواجه اربعة الالاف جندي قد وقفوا له في طريقه يمنعونه من الوصول فيضربهم يمينا وشمالا ويصل الى ماء الفرات ذلك الماء البارد ويملأ القربة ثم يضع يده تحت هذا الماء ليغترف غرفة ليشرب من ذلك الماء وقلبه يتقطع من الظمأ ، ارباب السير والمقاتل يروون ان العباس نزل الى ماء الفرات ولما اغترف من الماء ليشرب تذكر عطش الحسين ومن معه وصار يناجي نفسه ياعباس اتشرب الماء وقلب الحسين يتقطع من العطش كيف ترضى لنفسك ان ترتوي والحسين عطشان واهل بيته عطشى فرمى الماء وقال :

      يا نفس من بعد الحسين هوني      وبعده لا كنت ان تكوني

      هذا الحسين وارد المنــــــــون      وتشربين بارد المعيــــن

                            تا لله ما هذا فعال ديني

فرمى الماء ولم يشرب فكان قمة الوفاء وقمة الايثار فسلام على ابي الفضل العباس وسلام على اهل بيته واصحابه الذين سطروا اروع الامثلة والدروس في الحياة والانسانية وفي العزة والكرامة وجسدوا الاسلام بكل قيمه وتعاليمه .