كما في كل ليلة من هذه الليالي المؤلمة والحزينة نقف عند درس وإضاءة من اضاءات واقعة الطف ، ما جرى على سيد الشهداء و مدرسة الحسين كلها عطاء ودروس وعبر والحسين (ع) لم يقم بخطوة ولم يتفوه بكلمة اعتباطية وإنما كل خطوة نجدها مدروسة ومخطط لها ويراد من خلالها إيصال رسالة معينة تعزز الهدف الحسيني وترسخ تلك الاهداف والقيم النبيلة التي ضحى من اجلها  الحسين (ع) فليس من صدفة في حركة الحسين وليس من اعتباط في مواقف الحسين (ع) مجمل الشواهد التاريخية التي تتحدث عن واقعة الطف تؤكد على هذه الهدفية والتخطيط الدقيق الذي كان يتمتع به الحسين في مجمل أفعاله وأقواله وعقيدتنا في الحسين إماما ومعصوما أيضا تحتم على أن المعصوم يتحرك على ضوء مصالح واقعية وليس صدفة او ارتجال ، وعلى هذه الخلفية يبدو عجيبا شيئا ما اصطحاب الحسين (ع) للنسوة وعائلته من النساء والأطفال ولا سيما إذا استذكرنا ما قلناه في ليال سابقة من أن الحسين كان على بينة وبصيرة من أمره ويعلم بأنه قادر على حرب ضروس سيكون ضحيتها الأولى ، إذا الحسين ماض نحو الشهادة فماذا يعني اصطحاب النساء والأطفال إلى الحرب حيث الألم والعطش وتقطيع الأشلاء وحيث المضاعفات التي سيتعرض لها هؤلاء من نسوة وأطفال خلال السبي إذا لماذا اصطحبهم الحسين (ع) ؟ كان يمكن أن يكتفي بمقاتليه من الرجال وهم الأبطال الذين ضحوا وقدموا كل شيء من اجل الحسين ومن اجل أهدافه ، انه سؤال مهم ويتأكد هذا السؤال حينما نعرف ان هذه القضية ليست مثار استغرابنا وإنما هي مثار استغراب أولئك الذين عايشوا الحسين (ع) في تلك الحقبة كل الناصحين والمشفقين والحريصين على الحسين وكل من كان له حكمة وله القدرة على التحليل للأوضاع الاجتماعية والسياسية آنذاك كان يعرف النتائج ولذلك رجحوا للحسين أن لا يذهب وحينما وجدوا فيه الوضوح رجحوا له ان لا يصطحب النسوة والأطفال معه في هذه المسيرة الحسين (ع) لم يكن يرغب أن يطلعهم على كل ما يعرفه ولم تكن الظروف مؤاتية أن تنكشف الحقيقة في ذلك اليوم بكل تفاصيلها ولكن أراد أن يتعاطى معهم بالمنطق الذي يفهمون حينما وجدوه استعد أن يرحل من مكة ومعه النسوة وقف محمد ابن الحنفية أخوه وقال يا حسين تمنيت عليك أن لا تذهب وإذا كنت مصرّ على الذهاب لا تأخذ معك النساء والأطفال فقال له الحسين ولغيره رأيت جدي رسول الله (ص) في المنام ونعرف أن رؤية المعصوم تعتبر حجة شرعية رأيت جدي رسول الله (ص) في المنام وقال شاء الله أن يراك قتيلا وشاء الله أن يراهن سبايا إذا هناك إرادة إلهية في أن تذهب أنت يا حسين وتقتل لتحقيق هذا الهدف الكبير وهناك إرادة إلهية في أن تذهب النسوة والأطفال ليراهن الله سبايا لأن هذا السبي يمثل لمسة إضافية على هذا المشهد الرائع الذي  سطره الحسين (ع) ورسمه بدمه الطاهر ، والإرادة هنا هي الإرادة التشريعية أي إن الله سبحانه وتعالى رضي بان يراهن سبايا ورضا الله لا يكون الا حينما تكون هناك مصلحة إذا هناك مصلحة تمثل حالة التكامل لهم وللمجتمع حينما ينطلقوا لتكون الرسالة انطق في إيصال مداليلها الكبيرة وهي ليست إرادة تكوينية أي أن الله سبحانه وتعالى قرر ذلك ولا مجال للتراجع بل ان الحسين هو الذي قرر الذهاب وان يصطحب عائلته معه ولكنها إرادة تشريعية بمعنى رضا الله سبحانه وتعالى بهذا الأمر لما به من مصلحة لهم وللإنسانية .

 دور المرأة في رسم مثل الملاحم التاريخية 

 وهذا ما يجعلنا نقف قليلا عند أهمية دور المرأة في رسم مثل هذه الملامح والملاحم التاريخية الكبرى حينما نراجع التاريخ نجد أن هناك نسوة يتحدث عنها التاريخ وبعضهن تحدث عنهن القرآن الكريم كان لهن ادوار كبيرة وبلغن مراتب عالية من الكمال ، المرأة في تاريخنا الإنساني وفي تاريخ الديانات السماوية وفي تاريخنا الإسلامي كان لها دور كبير ومؤثر في صنع الحدث وفي صياغة التاريخ بالطريقة التي تحقق تلك الأهداف الكبيرة للبشرية أينما كانت مهمة للرجال نجد إلى جانبهم امرأة تتصدى ونسوة يتصدون ليعبروا عن دور حقيقي لصناعة مثل هذه الأحداث والتحولات الكبرى ، القرآن الكريم حينما يتحدث عن إبراهيم (ع)  يتحدث عن زوجه سارة أيضا والحديث عن سارة هو حديث بإعجاب وبتقدير وباحترام كبير لاحظوا هذه الآيات في سورة هود ، بسم الله الرحمن الرحيم (( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب  )) إذا هذه سارة بكمالها تكون قادرة على ان تتعاطى مع الوحي وتسمع الحوار الذي دار بين رسل السماء وإبراهيم ، ثم يتحول الحوار بين أمين الوحي وبين سارة بشكل مباشر ، ثم استغربت من هذه البشارة كون المرأة في سن الكبر تكون يائسة ، (( قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد )) إذا سارة بلغت مستوى من الكمال أصبحت لكمال الوحي وتتحدث مع الملائكة وهذه منزلة رفيعة وكبيرة تحضى بها امرأة بشهادة القرآن الكريم ، أيضا القرآن يحدثنا عن أم موسى لاحظوا في سورة القصص ((وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين )) إذا أم موسى بلغت في كمالها مستوى أصبح تستمع إلى كلام الوحي وتتلقى توجيهات من الملائكة بشكل مباشر ، القرآن الكريم يحدثنا عن مريم (ع) أيضا بلغت منزلة رفيعة ومرموقة في كمالها ورفعتها الملائكة كانت تكلمها لاحظوا في سورة آل عمران بسم الله الرحمن الرحيم  ((إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)) إذا مريم (ع) أيضا من النسوة اللاتي بلغن مستوى من الكمال والطهارة بحيث أصبحت هذه المرأة الكاملة تخاطب الملائكة وتسمع لنداء الوحي وهذا يكشف إن المرأة قادرة على أن تتكامل وترقى ويكون لها اثر عظيم في مسار التاريخ وهكذا الزهراء فاطمة (ع) هذه المرأة وهي أكمل نساء العالمين وسيدتهن وفي زمن كان ينظر إلى الأنثى على أنها سيئة في المنطق الجاهلي كما يحدثنا القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم  (( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون  )) في مجتمع هذه هي نظرته للمرأة يأتي القرآن ويجعل امتداد رسول الله (ص) وذرية الرسول من بنته على خلاف ما هو متداول بين العرب ( بنونا بنو ابنائنا و بناتنا بنوهن ابناء الرجال الاباعد ) هذه هي الاعراف العربية ولكن الارادة السماوية تعلقت بان ذرية النبي (ص) تكون من خلال بنته الزهراء وهذه البنت يعبر عنها القرآن بسم الله الرحمن الرحيم (( انا اعطيناك الكوثر )) والكوثر هو الخير الكثير والعظيم ، اذن هذه هي مكانة المرأة في الرسالات الالهية وفي رسالتنا الاسلامية وفي واقعة الطف ايضا الارادة الالهية في ان المرأة تكون حاضرة وشاء الله ان يراهن سبايا المرأة حاضرة في الطف لصنع حدث هو ليس حدث ليومه ولا لزمانه بل كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء هو حدث ليس للمسلمين وحدهم حدث للأنسانية جمعاء فكيف يمكن ان يصنع حدث للإنسانية دون ان يكون للمرأة حضورا فاعلا ومؤثرا .

المرأة في واقعة الطف لم تكن منحصرة على طبقة اجتماعية او فئة عمرية ..

ولذلك نرى ان المرأة في واقعة الطف لم تكن منحصرة على طبقة اجتماعية معينة كان هناك نساء من كل الطبقات الاجتماعية ولم يكن منحصر بفئة عمرية معينة وهناك الام والزوجة والاخت والبنت المرأة في كل ادوارها كانت حاضرة الكبيرة والطاعنة بالسن الصغيرة والشابة والنسوة من بني هاشم ومن غير بني هاشم كن حاضرات في ذلك الوقت ، اصطحب انصار الحسين نسائهم وعوائلهم حينما رأوا ان الحسين قد اصطحب عياله فكان هناك حضور مؤثر للنسوة في واقعة الطف ، اداء هذه النسوة في واقعة الطف ايضا كان ملفتا للنظر ونحن اليوم بعد الف واربعمائة سنة حينما نستمع الى ما جرى نهتز في اعماق وجودنا فما بالك بنسوة شاهدوا هذه الاحداث  نحن لا نجد في الوثائق التاريخية اي شكوى او تذمر او اعتراض على ارادة السماء في هذه القضية واليوم في مجتمعاتنا المرأة اذا فقدت زوج او ابن فانها قد تتحدث بكلمات لا تليق والرجال احيانا يقفون في المصائب ويعترضون على المشيئة الالهية  ، وهذه النسوة وليس كلهن بنات الرسالة بل هناك نساء عاديات من طفلة الى المرأة الكبيرة لم ينقل لنا التاريخ اي شكوى او تذمر وقد يقال انهن بكين نعم يبكون وكان بكائهم شديد وطويل ولكن يجب ان نعرف جيدا ان البكاء على صنفين  هناك بكاء حزن وهناك بكاء انكسار ومذلة وبكاء اولئك النسوة كان بكاء حزن وهذه حالة صحية وحالة طبيعية الانسان الذي لا يشعر بالالم لا يستشعر الحزن هذا انسان غير سوي ، الانسان الطبيعي الذي يفرح اذا كان هناك بواعث للفرح ويحزن اذا وجد بواعث الحزن ، اذن الشيء الطبيعي والمنطقي ان نجد منهن البكاء وهو ليس فيه ضير بل رسول (ص) نجده بكى في مواضع عديدة كما يخبرنا التاريخ عن ذلك فحينما خرج من مكة مهاجرا الى المدينة وحينما نظر الى مكة بكى وقال مودعا ( ما تركناك طوعا ولكن اهلك اجبرونا ) وحينما توفي ابنه ابراهيم ايضا بكى رسول الله (ص) وكان بكاءه شديد ايضا وقال كلمته الشهيرة ( تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا ابراهيم لمحزونون ) وكذلك حينما عاد من احد كانت ضربة قاسية الوقع على رسول الله وعلى المسلمين وكانت انتكاسة كبيرة سقط فيها الكثير من الشهداء وفي مقدمتهم سيد الشهداء حمزة رسول الله بكى على الشهداء وعلى المسلمين ومحنتهم في ذلك الظرف ، البكاء ظاهرة صحية ونحن نجد في المأثور من ادعية اهل البيت (ع)  ( اللهم اني اعوذ بك من عين لا تدمع ومن قلب لا يخشع ) العين التي لا تدمع هذا معناه القلب قاسي وهذا مرض ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) وهذا مرض اخلاقي ، البكاء على حزن يفقده الانسان ليس منقصة وليس مثلبة ولذلك بكاء تلك النسوة لا يعني ضعفا وانكسارا وانما هو حزن وهو ظاهرة طبيعية تنم عن حجم المشاعر الجياشة وعن انسانية اولئك النسوة  اللواتي كن مع الحسين (ع) .

المرأة تقاتل في عاشوراء ..

ولكن حينما ننظر الى طبيعة الادوار التي قمن بها تلك النسوة نراها لا تنحصر بالحضور والتواجد بالرغم من ان موقف الإسلام واضح في عدم وجوب مشاركة المرأة في الجهاد في الجانب القتالي   وهذا متفق عليه وبالرغم من ان التاريخ الإسلامي في عهد رسول الله (ص) وفي عهد الخلفاء والائمة الأطهار لا نجد مشاركة قتالية فعاله للنساء كما نجدها في يوم عاشوراء وسقط بعضهن شهيدات والبعض الآخر ردهن الحسين ولم يسمح لهن بالقتال وكن يرغبن ان يذهبن لقتال الاعداء وكان دور المرأة في الغزوات والمعارك هو دور انساني تقوم بالاسعافات الاولية واطعام الطعام لكن لم تكن تشارك كمقاتلة كما نراه في واقعة الطف واذا اردنا ان نقف لنقيم دور المرأة في واقعة الطف كيف لنا ان نتجاوز الحوراء زينب (ع) هذه الانموذج الراقي والشخصية العملاقة ولم تكن تتسم بالعصمة الالهية كما هي للسيدة الزهراء (ع) ولكن هذه بنت امير المؤمنين شخصية مميزة وتألقت بشكل اكبر بعد استشهاد الحسين (ع) كان عليها ان تقود المعركة لأن زين العابدين (ع) كان من المرض والاعياء الشديد ما لا يمكنه من الحركة وهذا لطف من الله فلو لم يكن مريضا لكان واجبه الشرعي ان ينزل ويقاتل مع الحسين وقد يتعرض للقتل وهذا المرض هو الذي حفظ الامام حتى تحفظ ذرية رسول الله (ص) الحوراء زينب نراها في مثل هذه الليالي حاضرة على اكثر من صعيد من ناحية تراعي النساء والاطفال وتصبرهم وتخفف معاناتهم ومن ناحية اخرى تتابع تفاصيل المفاوضات التي يجريها الامام الحسين مع جيش بني أميه وهي مفاوضات معقدة وعسيرة لذا فهي تتطلب نوع من الرصد والمتابعة من السيدة زينب كما تروي لنا العديد من الروايات ومن جانب ثالث كانت تتوصل مع جيش الثورة فتارة تتحدث مع الانصار وفي ليلة عاشوراء حصل ذلك الحوار المعروف حينما اجتمعوا وأرادوا ان يسمعوا الحوراء زينب فقام اولهم والثاني والثالث والرابع يا سيدي يا ابا عبد الله لو قتلنا ثم احرقنا ثم ذرينا يفعل بنا ذلك سبعين مرة ما تركناك لكي يطمأنوا الحوراء زينب  وتارة اخرى تتواصل مع الهاشميين وتشد من عزائمهم ولذا كانت في دوامة ومن ناحية خامسة منشغلة بالعبادة ، وهنا يستغرب الانسان من الادوار التي تقوم بها الحوراء زينب فكيف تقوم بكل هذه الادوار وهي المرأة ولكن هذا يعبر عن الدور المحوري للمرأة في واقعة الطف ، وكما قلنا التألق والتميز الكبير انما كان بعد استشهاد الحسين (ع) هنا الحوراء لم تسمح لنفسها بالبكاء واليوم العيون شاخصة نحوها والايتام ينظرن اليها وكما ورد في الروايات حينما جمعوهم ليأخذوهم الى الكوفة اصروا على يمرروا بهم على ساحة المعركة حتى يودعوا تلك الأشلاء المقطعة الوداع الاخير  وحينما وصلوا الى ساحة المعركة حيث الاشلاء منتشرة فكل من تلك النسوة رمت بنفسها على جثمان عزيزها ان كان زوج او ا خ او ابن هنا توجهت الحوراء نحو الحسين وقفت على جثمانه الطاهر تنادي بصوت حزين وقلب كئيب ( وامحمداه صلى عليك مليك السماء هذا حسين مرمل بالدماء مقطع الاعضاء وبناتك سبايا ، الى الله المشتكى ) انظروا القيمة الاخلاقية والخلفية العقيدية والفكرية والحضارية التي تجسدت  بشخصية الحوراء زينب ( الى الله المشتكى والى محمد المصطفى والى علي المرتضى والى حمزة سيد الشهداء ) شكواها الى الله ومن يمثل الله سبحانه وتعالى ويسير على طريقه ( ومحمداه هذا حسين بالعراء قتيل اولاد البغايا يا حزناه يا كرباه اليوم مات جدي رسول الله ) لأن الحسين وكان وريث تلك السلالة وريث تلك الرسالات الإلهية وريث لرسول (ص) وهو الوحيد الذي يحمل عنوان ابن بنت رسول الله في ذلك العالم وانقطع هذا العنوان بعده فلذلك شهادة الحسين لدى زينب هي شهادة رسول الله (ص) ( يا أصحاب محمد هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا ) ثم رفعت يدها أمام أولئك الجمع لتقول ( اللهم تقبل منا هذا القربان ) هذا هو المنطق الزينبي وهذا هو المنطق الحسيني وهذا هو منطق الاسلام وهذه هي العظمة والشموخ والكبرياء للمرأة حينما تسير في النهج الصحيح لتكون اسطورة وقدوة ليس للنساء وحدهم وانما للنساء والرجال ، فيقول الراوي فأبكت والله كل عدو وصديق .
زينب ..تغيّر مسارات الرأي العام

وهذا  كان اول مجلس عزاء يقام على سيد الشهداء أقامته الحوراء زينب على جثمان الحسين (ع) وهو مقطع الأشلاء ومرمي في صحراء كربلاء بالرغم من تلك الفجيعة وذلك الألم ولكن الحوراء زينب كانت تراعي ادق المواصفات والمعايير الشرعية والاجتماعية في حركتها ، يصل المحمل الى الكوفة وترسل خبر الى القائد لإخراج الرؤوس من بين المحامل وتقديمها امامها حتى ينشغل الناس بالنظر اليهم من النظر الينا فلقد خزينا من كثرة النظر   الينا لا تسمح لنفسها ان تتجاهل هذا الموضوع وحينما يدخلون الى الكوفة وعوائل اهل الكوفة ينظرون اليهم يأخذوا التمر ليطعموا الاطفال فتصرخ بهم وتأخذه من أفواههم وتقول هذه صدقة وقد حرمت علينا اهل البيت انظروا الى المعايير والضوابط الأخلاقية والرسالة المبدئية المدوية التي تقدمها الحوراء زينب في تلك التفاصيل وفي تلك الظروف الصعبة  ، ولذلك استطاعت الحوراء زينب بالرغم من الماكنة الاعلامية الضخمة التي ارادت ان تشوه معالم الحدث وتصور الحسين واصحابه على انهم بغاة وتظهرهم على انهم خارجين على الدين ولكن الحوراء زينب بموقفها وخطبها الواضحة استطاعت ان تغير مسارات الرأي العام وتكشف حقيقة اولئك الناس لينقلب السحر على الساحر وينقلب الناس بشكل كبير وترتد الامور على بني أميه ان كان عبيد الله ابن زياد والي الكوفة وان كان يزيد في الشام وهذا يكشف القوة في شخصية الحوراء زينب وهذه قوة المرأة حينما تستنفر قواها وطاقتها لتكون في خدمة الاهداف الصالحة والشريفة وحينما ادخلوا على عبيد الله بن زياد وهم متعبين ومنهكين وبعد تهيئة نفسية لكسر شوكتهم لاشعارهم بالضعف ليركعوا امام عبيد الله بن زياد ويتشفى بهم وحينما وصلوا تنحت الحوراء زينب واحاط بها عدد من النسوة وقد رآها عبيد الله بن زياد وهو يعرفها جيدا لكن ليوقع ويكسر قال من هذه المتنكرة ولم يجبه احد كرر القول ثانية وثالثة حتى أجيب انها زينب بنت علي بن ابي طالب قال لها ( الحمد الله الذي فضحكم واكذب أحدوثتكم ) فقالت ( انما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا ) بهت ابن زياد من هذا الجواب وزينب لا زالت على قوتها وشموخها فقال ( كيف رأيت صنع الله بأخيك واهل بيتك ) فقالت ( ما رأيت الا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك امك يا ابن مرجانه ) هكذا صعقت الحوراء زينب عبيد الله بن زياد بهذه الكلمات التي لها وقع هكذا يمكن ان تكون المرأة قوية وشامخة حينما تتهيأ لمثل هذه الادوار التاريخية الكبيرة كم نحن بحاجة في تجربتنا وفي واقعنا ان نستحضر هذا المنطق الزينبي والمنطق الاسلامي والرسالي الذي لاحظناه في تاريخ طويل كما استعرضنا من نساء كان لهن الدور الكبير في صناعة الحدث وصناعة التاريخ فسلام على الحوراء زينب وعلى كل امرأة شامخة وقفت لتدافع عن الحياة والإنسانية وعن المشاريع النبيلة التي تتحقق بها الحياة العزيزة والكريمة وبها تتحقق بها الكرامة الانسانية .