بداية ارحب بكم واشكر لكم هذا الحضور الواسع والمنوع والذي يعبر عن واقعنا العراقي بكل تلاوينه القومية والمذهبية والدينية والمناطقية ولاسيما ونحن نعيش ايام بهجة وسرور باعياد ومناسبات كريمة تمر علينا وبالاستعداد لشهر رمضان المبارك شهر الصيام والقيام وشهر ضيافة الله تعالى.

المجتمع المدني هو التشكيل الأول للوجود الإنساني

نتشرف بلقاء هذه النخبة المجتمعية الكريمة التي تمثل كل مساحات شعبنا العراقي الكريم ، هذه النخبة التي تعبر عن نفسها في منظمات المجتمع المدني .ان المجتمع المدني هو النتيجة الطبيعية للوجود الانساني على الارض فالانسان بطبعه ميال الى  الانتظام في جماعة وهذه الجماعة تقوم بشغل حيز معين والعيش ضمن أعراف وقوانين تنتجها حسب حاجتها الفعلية ومع مرور الزمن ، اذا المجتمع المدني هو التشكيل الاول للوجود الانساني ومنذ العصور الاولى للانسان وقبل ان تحدث الثورة الزراعية ومن بعدها الثورة الصناعية فمفهوم المجتمع المدني سبق بكثير مفهوم الدولة اذ كانت الحياة البشرية عبارة عن مجموعات تشكل مجتمعات صغيرة او كبيرة وتنظم امورها بطريقة شبه جماعية ومع التطور الانساني وظهور مفهوم الدولة فان المساحة التي أخذتها الدولة كانت على حساب مساحة المجتمع المدني وتعرض مفهوم الدولة نفسه الى تطور وتنوع كبيرين من الامارة الى المملكة الى الإمبراطورية ثم الدولة المدنية والدولة القائمة على اساس الدين، كما ان هناك مفهوم الدولة الاستبدادية الذي انتشر في اوروبا على يد النازيين ولكن مع تحرك العالم نحو الدولة الديمقراطية عاد مفهوم المجتمع المدني بقوة ولكن هذه المرة مقترنا بمفهوم منظمات المجتمع المدني والتي لا تكون خاضعة لاجراءات السلطة وسياساتها وانما تعبر عن مجموعات متنوعة تجتمع لتتبنى قضية او قضايا محددة في المجتمع وهي منظمات لا تسعى الى الربح كما لا تسعى للحكم والسلطة وان كان التعريف المعروف عالميا على نطاق واسع هو ان مصطلح المجتمع المدني يشير الى مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية وغير الربحية الحاضرة   في الحياة العامة والناهضة بالتعبير عن اهتمامات وقيم اعضائها او الآخرين استنادا الى اعتبارات اخلاقية او ثقافية او سياسية او علمية او دينية او خيرية او اجتماعية لتأخذ بحق عنوان السلطة الخامسة في الدول المتحضرة بهذا نستذكر عمق ومعنى منظمات المجتمع المدني ، وانتم كنخب تمثلون هذه المنظمات فانكم الاعرف والاقدر على فهم واجباتكم ومسؤولياتكم انطلاقا من الاسم الذي تحملوه فنحن لا يمكننا ان نبني مجتمع بمعزل عن هذه المنظمات التي تمارس ادوارا في المجتمع وتسير بخط متوازي مع خط مؤسسات الدولة فهذه المنظمات ليست جهة معارضة لسياسات الدولة او الحكومة مادامت السلطة تسير وفق النظام الديمقراطي وانما مصححة وداعمة ومقومة ومراقبة لمسارات مؤسسة الدولة .

 إشاعة ثقافة ال نحن القائمة على التضحية والإيثار من اجل الآخر

ان سر قوة المجتمعات الديمقراطية العريقة هي انها تمتلك المنظمات التي أصبحت  تستقطب الملايين من مواطني الشعوب في عمل تطوعي يجمعهم الايمان والقناعة باهمية القضية التي يتبنوها وعلى اختلاف وتنوع هذه القضايا ، فكلما زادت مساحة الديمقراطية في المجتمع كلما اقتربنا اكثر الى مفهوم المجتمع المدني  كلما انتج مؤسسات تمثل هذا المجتمع بقطاعاته ومساحاته المختلفة وعليه فان هذه المنظمات كما تستفيد من البيئة الديمقراطية لاخذ مساحتها الطبيعية والواسعة فهي معنية ببذل الجهد في ترسيخ الواقع الديمقراطي واستثمار امكاناته الواسعة في هذا الصدد ، فالديمقراطية ثقافة وسلوك نمارسه في البيت وفي المجتمع وفي مواقع العمل وفي التعامل مع الآخرين وفي المؤسسات المدنية والسياسية ، نحن نتطلع الى ديمقراطية سلوك ومفاهيم لا ديمقراطية شعار ومزايدات وعلينا الانتقال من الشعار الديمقراطي الى شعور المجتمع بالديمقراطية واشاعة ثقافة ال نحن القائمة على التضحية والايثار من اجل الآخر ، الآخر الذي سيضمر الانا الامر الذي يتطلب على تأسيس ثقافة جديدة ثقافة الحياة لا الموت ، ثقافة الحوار لا الفرض والهيمنة ، ثقافة الحب والمودة لا الحقد والكراهية ، ثقافة التسامح والوئام لا الثار والغاء الآخر ، ثقافة الانفتاح لا ثقافة الالغاء والانغلاق والانطواء والانكفاء على الذات، ولاحظنا ان العقد المنصرم شكّل قفزة نوعية في قدرات المجتمع المدني وساعده في ذلك التطور العلمي الكبير في الاتصال والتواصل واتساع الانظمة الديمقراطية ، واليوم اصبحت المنظمات غير الحكومية لاعبا اساسيا في توجيه السياسات العالمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والخدمية وغيرها حتى ان المساعدات والخدمات التي تقدمها هذه المنظمات فاقت بكثير مساعدات بعض الدول ذات السيادة ، ولم يقتصر دور المنظمات غير الحكومية على توجيه وتصحيح المنظمات الحكومية في تقديم خدماتها للمجتمع وانما اصبحت شريكا ومكملا في بعض المجالات الحيوية وفي المناطق التي يضعف فيها او ينعدم الحضور الحكومي فان منظمات المجتمع المدني نراها حاضرة وبفاعلية كبيرة ،

مؤسسات المجتمع المدني قامت بدور كبير بعد سقوط الديكتاتورية

وان قمة الانجاز المتحقق للمنظمات غير الحكومية كان انعقاد المنتدى الاجتماعي العالمي والذي يعقد سنويا والنداء العالمي لمكافحة الفقر والذي يدعو الى مكافحة الفقر وزيادة المعونات للدول الفقيرة والنامية ، وفي العراق فقد قامت مؤسسات المجتمع المدني بدور كبير بعد سقوط الديكتاتورية وذلك من خلال حركتها الدؤوبة في مجالات نشر الوعي المجتمعي بالقضايا الاساسية للشعب العراقي وفي مقدمتها تحقيق السلم الاهلي وتعزيز المشاركة السياسية  والدفاع عن حقوق المرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة وكذلك الدور الكبير في توفير متطلبات أساسية لفئات عانت من التهميش والعنف ولكن الحاجة ما زالت ملحة وكبيرة في تعميق دور هذه المنظمات في العمل المجتمعي وان ينظم عملها بقانون يحميها من التدخلات الحكومية او الاخضاع لسلطة مؤسسات الدولة واجراء تعديلات على التعليمات الخاصة بتنظيم العمل بقانون المنظمات مما يسهل عملية تسجيل المنظمات في دائرة المنظمات غير الحكومية في الامانة العامة لمجلس الوزراء والتي اصبحت شاقة ومعقدة واصبحت تأخذ اشهر طويلة من الوقت والجهد لحين ما تسجل منظمة من المنظمات وقد تدعوا احيانا ان تغير منظمة اسمها حتى تحضى بالتكليف القانوني الذي وضعته الحكومة الموقرة في اجهزتها المختصة كما لا بد من تخصيص نسبة من الموازنة العامة للدولة لدعم انشطة هذه المنظمات بشرط ان تكون فاعلة وذات مصداقية في التعامل مع تحديات المجتمع وتقديم الخدمات الفعلية والملموسة وليس منظمات تحمل الاسم ولكنها تفتقد الى برامج حقيقية كما نصت المادة 45 من الدستور على ذلك وصولا الى تأسيس مفوضية عليا مستقلة لمنظمات المجتمع المدني تكون هي الراعية والمسؤولة عن ادارة شؤون هذه المنظمات وتقديم التسهيلات والخدمات المطلوبة لها وزرع ثقافة التعامل واحترام الأدوار بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وردم الهوة والتقاطع فيما بينهما .

مشروعنا للدولة العصرية العادلة يعتمد بشكل أساس على تقوية اركان المجتمع المدني ومن أهمها المنظمات غير الحكومية

ان الديمقراطية الناشئة في العراق تحتاج الى جهود هذه المنظمات التي تعمل بروحية المجتمع وبدافع التطوعية الإنسانية بعيدا عن البيروقراطية الحكومية والفساد الاداري لتدلل بذلك على توفر روح المبادرة فيها والابتعاد عن المسايرة ، ان مشروعنا للدولة العصرية العادلة يعتمد بشكل أساس على تقوية اركان المجتمع المدني ومن أهمها منظمات المجتمع المدني غير الحكومية وهي فرصة ندعوا فيها منظمات المجتمع المدني الى تبني مشروع الدولة العصرية العادلة وهو مشروع وطني كامل يرتكز على الأصالة والحداثة والتنمية والتعددية ويأخذ بنظر الاعتبار خصائص ومميزات مجتمعنا العراقي بكل طوائفه وقومياته واديانه وتوجهاته السياسية ، الدولة التي تكون السيادة فيها للقانون وللأرادة قائمة على اختيار الشعب العراقي وخصائصه المجتمعية دولة المشاركة لا المناكفة والصراع دولة الشراكة لا الشراك والفخاخ دولة احزاب الدولة لا دولة الاحزاب والمحاصصة  كما ان زيادة الوعي الجماهيري بأهمية هذه المنظمات والدور المناط بها يعتبر التحدي الاول للطبقة السياسية والنخب المثقفة الساعية لتعميق الممارسات الديمقراطية في المجتمع فان انخراط عدد اكبر من المواطنين في العمل التطوعي لهذه المنظمات يمنحها القوة البشرية الكافية لتشجيع تعديل مسارات السياسات الخاطئة التي قد تنتهجها بعض المؤسسات الحكومية كما يمكنها من ممارسة التشجيع الكافي للفت انتباه اعضاء مجلس النواب للقضايا الحساسة التي تواجه المجتمع مما قد يغفلون عنها اننا شخصيا نؤمن ايمانا عميقا بأهمية الدور الذي يمكن ان تلعبه منظمات المجتمع المدني في تقوية اواصر الممارسة الديمقراطية وفي الإسراع بوصول المجتمع الى الحالة الوطنية المرجوة والخروج من التقوقعات المذهبية والقومية والمناطقية والحزبية كما اننا نؤمن من ان منظمات المجتمع المدني تعتبر بيئة مثالية لإنتاج قيادات اجتماعية شابة وواعية من الرجال والنساء والذين سيكون لهم تأثير ملموس في مجال الخدمة العامة سواء عن طريق تمثيل الشعب في المؤسسات التشريعية او استلام المواقع الحكومية لأنهم بخبرتهم بالعمل في هذه المنظمات وبالروحية العالية التي يحملونها والمسؤولية الاجتماعية التي يتبنوها سيكونوا قادرين على انتاج برامج حقيقية وفعالة متى ما أتيحت لهم الفرصة لذلك ان ذلك يتطلب اعتماد الخبرات العاملة في مجال المجتمع المدني ومنح الامتياز في التعيينات في دوائر الدولة وقيام مؤسسات الدولة في إشراكهم في الوفود الرسمية للاستفادة من قدراتهم ولتمكينهم وتأهيلهم وتطوير هذه القدرات فالفائدة متبادلة ان تحقيق هذه الآفاق يتطلب مزيدا من التشابك والتعاون بين المنظمات ذات الأهداف المتشابهة والخدمات المتماثلة لتسهيل عملية دعمها وتحقيق اهدافها كما ان عليها العمل على بناء قدراتها من خلال تدريب اعضائها والبحث عن مصادر تمويل تعتمد فيها على ذاتها ولا تتنازل عن مبادئها لأجل التمويل باي شكل من الاشكال وان تكون صادقة مع ذاتها وقوية في مبادئها ومؤمنة باهدافها ونبيلة في التعامل مع الاخرين ،

العراق الذي نسعى اليه لا بد ان يكون عراقا مجتمعيا مدنيا ديمقراطيا عصريا ملتزما

اننا نؤمن ان العراق الذي نسعى اليه لا بد ان يكون عراقا مجتمعيا مدنيا ديمقراطيا عصريا ملتزما وان الطريق لبناء هذا العراق لا بد ان يمر من خلال زيادة فاعلية المجتمع ومنظماته المختلفة وزيادة المساحة التي تمثلها هذه المنظمات ان الديمقراطية والعصرية التي ندعوا لها لا بد ان تكون مستندة الى بناء حقيقي لمؤسسات الدولة وبناء حقيقي لمؤسسات المجتمع وان الموازنة بين هذين البنائين يضمن لنا ترسيخ الثقافة الديمقراطية وثقافة المجتمع الواعي المدرك لمسؤولياته وان اي مجتمع لا يملك مؤسساته الخاصة القوية سيكون مجتمعا ضعيفا وغير قادر على التأثير في سير السياسات العامة التي تنتهجها الحكومات ومهما تطورت الحكومات وتطور ادائها فانها ستبقى عاجزة عن تلبية كافة احتياجات المجتمع المتنوعة وحل مشاكله المعقدة وهنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني كي تكون مكملة وموجهة للمؤسسات الحكومية في اسناد المجتمع وتقويته ولهذا نرى ان الدول التي تتمتع بدرجة عالية من الانظمة الديمقراطية والشفافية في الاداء الحكومي والحيوية والفاعلية تتواجد فيها منظمات المجتمع المدني بقوة وتكون ذات قدرة تنظيمية عالية وكفاءة ادارية متطورة وبرامج اجتماعية متنوعة وخلاصة القول فان طريق بناء دولة ديمقراطية عادلة يمر من خلال بناء مجتمع مدني فعال وان بناء هذا المجتمع يكون من خلال منظماته الاجتماعية المدنية هذه مكانتكم وهذا دوركم في بناء هذا البلد فتحملوا هذه المسؤولية وخذوا هذا الدور على عاتقكم وسنعمل جاهدين معا باذن الله تعالى على توفير كل المتطلبات وتقييض الاسباب ومعالجة المعوقات التي تقف بوجه هذه الطموح الكبير اتمنى لمؤتمركم هذا النجاح والتوفيق وان يكون باكورة عمل لورش ولجان ومؤتمرات مناطقية ووطنية ودولية تأخذ منظمات المجتمع المدني العراقية على عاتقها إقامة مثل هذه المؤتمرات لمتابعة كل ما من شأنه تسهيل مهمة هذه المنظمات وتوسيع مساحة حركتها بما فيها خدمة الوطن والمواطن فسلام على شهداء العراق وسلام على من ضحى لخدمة الوطن والمواطن ومن دافع عن قيمه ومبادئه وسلام لكم من جديد ايها الاحبة على هذا الحضور والاهتمام واتمنى لكم كل التوفيق والنجاح .