إننا في هذه الذكرى الكريمة وتأكيداً للسير على النهج الذي خطه شهيد المحراب وعزيز العراق, ننتهز هذه الفرصة لتوجيه بعض الرسائل المهمة والضرورية بهذه المرحلة.

  أولاً: رسالة إلى أبنائنا وإخواننا الأبطال من قواتنا المسلحة وحشدنا الشعبي والعشائري والبيشمركة وكل العناوين الطيبة التي تقاتل دفاعاً عن الأرض والعرض والمقدسات, هؤلاء الذين قدموا أعز ما يملكون لهذا الوطن قدموا أرواحهم, وحققوا انتصاراتٍ كان يشك الكثيرون في إمكانية تحقيقها وفي فترة زمنية قياسية, وأعادوا الثقة للشعب والوطن وفي الوقت الذي نشارف فيه على نهاية هذه المعركة الكبرى والإعلان على انتصارانا التاريخي فإننا نؤكد أن الانتصار الأكبر هو في الحفاظ على هذا المنجز دون تشويه أو تشويش, وفي هذه اللحظة التاريخية علينا أن نجدد التزامنا بمشروع بناء الدولة والانضباط والالتزام بالقانون وكل من يخرج على القانون فلا حصانة له ولا قيمة ولا اعتبار بغض النظر عن حجمه أو دوره في المعركة وفي تحقيق الانتصار, فالوطن أهم من الجميع ومشروع بناء الدولة هو غاية جميع العراقيين ولن نسمح لأحد باختطاف الدولة وتحييد القانون وإرعاب المواطنين.

  ثانياً: في محور الانتخابات وترسيخ الديمقراطية فإننا نؤكد أن الظروف القاهرة هي التي أجبرتنا على القبول بتأجيل انتخابات مجالس المحافظات, ولكننا نؤكد على أن الانتخابات النيابية يجب أن تجرى في وقتها المحدد دون تأخير أو تأجيل, لأننا لا نقبل بوجود فراغ دستوري تحت أي ظرف كان, وسنعمل جاهدين في إطار التحالف الوطني ومن خلال تفاهماتنا مع الكتل النيابية الأخرى الكريمة على إقرار وتشريع قانوني انتخاب مجالس المحافظات ومجلس النواب, واختيار مجلس مفوضين جديد في إدارة الانتخابات, واستكمال الخطوات الضرورية لإجراء الانتخابات المحلية والعامة في الوقت المحدد بإذن الله تعالى.

  ثالثا: وفي محور الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة والمجتمع ويعطل المشاريع, فالفساد أخطر من الإرهاب الداعشي, والفساد أخطر من فتاوى التكفير لأنه عدو من الداخل, ولأنه يزعزع ثقة الشعب بمؤسسات الدولة, ولأنه يشوه التجربة السياسية الوليدة, ولأنه يشكك بمصداقية القوى السياسية المتصدية والتي قدمت الكثير لهذا الوطن, ويكرس الإحباط والضجر لدى الناس ويتبعهم للتشكيك بالجميع, وأسوء الفاسدين أولئك الذين يظهرون بمظهر الإخلاص والوطنية ويتمترسون بالقيم والمبادئ والعقيدة ولكنهم ينافقون ويخفون حقيقتهم تحت هذه الشعارات وهذه الأغطية, والسنة الإلهية إن الله يمهل ولا يهمل, هؤلاء سينكشفون ويفتضحون ويتعرون وسينالوا جزاءهم العادل بما اقترفته أيديهم الآثمة بالتطاول على المال العام وقوت الشعب, ولكن إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, وهذه مسؤولية علينا جميعاً أن نقتلع الفاسدين الجشعين ليكونوا عبرةً لمن اعتبر.

  رابعاً: في المحور الإقليمي نشهد تصعيداً غير مسبوق, وتجيشاً للاصطفافات والتحالفات والمحاور الإقليمية, وتحفيزاً للعداوات والصراعات والخصومات وتعميقاً للتقاطعات في المنطقة, نقولها بوضوح: لا نرى مصلحة لأي طرف من الإطراف في تعميق التقاطعات بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية فهما دولتان كبيرات إسلاميتان على ضفتي الخليج, لماذا لا نتعلم ولا نتعض من تجارب العالم القريبة منا ومنها تجربة أوروبا, والعداء المستحكم بين الدول الكبيرة في أوروبا والتي راح ضحيتها عشرات ملايين الضحايا في حربين عالميتين, لم يخرج أحد منهم منتصراً حتى من حسم المعركة لصالحه, وفي النهاية لم تستقر أوروبا ولم تزدهر إلى حينما تحولت المنافسة إلى شراكة, والتقاطعات إلى مساحات للعمل المشترك, ولذلك نقول: مهما تعمقت الانقسامات والمحاور والاصطفافات على ضفتي الخليج فلا حل إلا بحوار مباشر بين إيران والسعودية, والجلوس على طاولة واحدة ووضع المخاوف والاتهامات المتبادلة على الطاولة والوصول إلى الحد الأدنى من التفاهمات, إن إشعال الجبهات لن يؤدي إلا للمزيد من القتل والدمار في المنطقة وحرق مليارات الدولارات على شراء الأسلحة والآلات العسكرية بدل استثمارها بالتنمية والإعمار والازدهار والرخاء لشعوب المنطقة, إن التفهم المشترك للمخاوف والقلق السعودي الإيراني هو الوسيلة الوحيدة للالتقاء في المنتصف, إن الدول الكبرى تبحث عن مصالحها وتنطلق من مصالحها بالتعاطي مع المنطقة وشعوبها ودولها, والتصعيد القائم اليوم سيجعل دول المنطقة رهينة تحالفاتها الدولية بشكل متزايد وهو ما يقلص مساحة استقلال القرار السياسي الوطني في المنطقة, ما زلنا نؤمن أن الحكمة متوفرة لدى الطرفين والطرق سالكة بينهما ولكنه يحتاج إلى قرار شجاع من الطرفين للتحرك باتجاه بعضهما البعض, إن منطقتنا اليوم تقف على حافة حريق كبير سيلتهم الأخضر واليابس إذا لم يتدارك العقلاء في الطرفين الأمور ونعيد قنوات التواصل ونمد جسور الحوار بين الأطراف, نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لنسير نحو الحوار والتفاهم والتهدئة وحفظ مصالح المنطقة وشعوبها ودولها وتحقيق الاستقرار بإرادة سيادية وطنية لهذه البلدان وليس بفرض الأجندات الأجنبية.

  الرحمة لشهدائنا والرفعة والسمو لمراجعنا والسلام لمقاتلينا والرفاه والرخاء لشعبنا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون عند حسن ظنهم, اكرر شكري وتقديري لحضوركم لهذه الاحتفالية واسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منكم ذلك, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.