قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز

بسم الله الرحمن الرحيم

شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان

 في ضيافة الله ....

أيها الأعزاء الأفاضل بداية أبارك لكم هذا الشهر الفضيل شهر الصيام والقيام ، شهر ضيافة الله سبحانه وتعالى ، ماذا نقول في شهر رمضان وأي منزلة وأي فضل وأي كرامة من فضائل وكرامات هذا الشهر  يمكن ان نقف عندها ونتحدث عنها ، فهو شهر الضيافة الإلهية و كلما كان المضيف أكثر كرماً كلما كان أكثر عطاءً ، في بيوتنا كلما بالغنا في تقديم الخدمة للضيف كلما عبرنا عن مدى احترامنا واهتمامنا بهذا الضيف والتزامنا بسياقات الضيافة ، فكيف إذا كان المضيف هو الله سبحانه وتعالى الجواد الكريم المعطاء جوده مطلق وعطائه دائم فضله عميم ماذا سيكون حال هؤلاء الضيوف الذين يفدون على الله سبحانه وتعالى ، ولكن الضيافة الإلهية في جوهرها ومضمونها تختلف عن ضيافة البشر ، ضيافتنا ضيافة طعام وشراب فكلما كان الضيف اعز واهم كلما تنوعت الأطعمة والاشربة ولكن الضيافة الإلهية ضيافة الإمساك عن الطعام والشراب على الإنسان فيها ان يصوم لا يأكل ولا يشرب فلماذا هذه الضيافة وبهذه الخلفية لماذا نتعذب حينما نكون في ضيافة الله ونعيش العطش والجوع ولا سيما في هذه الأيام حيث الحر اللاهب وانقطاع الكهرباء وطول النهار حيث اجتمعت على المؤمنين في هذه المنطقة عموماً لكن هم العراقيين أكثر من غيرهم .

من فلسفة الصيام .. الإرادة

 ما هي فلسفة هذا الصيام ولماذا هو إمساك وليس عطاء والله هو المعطي الذي يعطي بغير حساب لأنه الجواد الكريم ، في هذا درس عظيم وكأن الله سبحانه وتعالى يأخذ منا شيئاً ليعطينا أشياء،  هو درس في أن الأمور لا تحصل إلا بعناء ان كان يطلب الإنسان الدنيا او الآخرة ، تريد ان تصل في دنياك وتحقق تطور في وضعك العلمي او الاقتصادي عليك ان تصل الليل بالنهار ، او انك تريد ان تحقق ذاتك وتحقق الكمال المنشود في عملية التكامل الإنساني وتصل الى الله عليك ان تصل الليل بالنهار ايضاً ، من أراد الدنيا عليه ان يعمل ومن أراد الآخرة عليه ان يعمل ايضاً (( أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين امنوا معه متى نصر الله  ألا إن نصر الله قريب )) في ذروة الضيق في شدة المحنة والألم والقلق في تلك الذروة يأتي النصر الإلهي ويأتي العطاء الرباني ، إذن لا يوجد شيء مجاني ، وهذا شهر رمضان شهر الضيافة الإلهية ، والله يسبحانه وتعالى يريد ان يعطينا سر من أسرار القوة ومفتاح مهم من مفاتيح النجاح في الحياة هل يعطينا ذلك مجاناً ؟ كلا بل امسك عن الطعام والشراب والمفطرات المعروفة حتى تحصل على هذا السر ، ما هو هذا السر ؟ السر هو الإرادة ، كل مطبات الإنسان ناتجة من ضعف الإرادة ، فالله الحجة البالغة ، الله يقيم الحجة على عباده ، الكل يتعرف على الحق ، فالحق حاضر وبيّن للجميع فلماذا لا تأخذ الناس بهذا الحق لماذا الانحراف لماذا الضلال والفساد لماذا الظلم والاعتداء ، اذا كان الحق واضح والطريق بين فلماذا لا يسلكوه؟ السبب هو ضعف الإرادة ، لذلك كلما صدر من الإنسان معصية  ، ذنب ، وقع في انحراف او خطأ ما أن يصحوا حتى يندم تدمع العين ما معنى الندم ؟ هو يعرف ان هذا خطأ فلماذا عملَ به ، يقول لا استطيع ان امسك نفسي عندي ضعف في الإرادة ، الانحرافات الكبرى في تاريخ الإنسانية ناتجة من ضعف الإرادة ، انظر الى الفرزدق ماذا يصف القوم الذين غدروا بالحسين (ع) حينما يسأله سيد الشهداء عن حالهم يقول قلوبهم معك ، وكيف يكون القلب مع الحسين الا إذا كان يعرف انه على حق لأن الإنسان دائماً يحب الحق وهذا دليل ان هؤلاء كانوا يعرفون ان الحسين كان الحق معه ، لكن سيوفهم عليك ، لماذا ؟ الم يعرفوا ان الحسين (ع) على حق وانه ابن بنت رسول الله (ص) وهذا الإمام المعصوم وديعة رسول الله بين الناس لماذا شهروا سيوفهم عليه ، ضعف الإرادة هو السبب ، كلما تحققت انجازات كبرى هذا دليل على قوة الإرادة وكلما كان هناك إخفاقات يكون دليل على ضعف الإرادة ، إذن مشكلة الإنسان في الحياة إن أراد دنيا أو أراد آخرة مشكلته في الإرادة ، وشهر رمضان دورة تخصصية مضغوطة  مكثفة ومجانية في تقوية الإرادة ، الإرادة الفردية و الإرادة الجماعية يعطش فيهم ليشرب الماء لكنه صائم يصبر يتحمل يقف أمام ضغط الرغبة لشرب الماء ولا يشرب تقوى إرادته يجوع فلا يقدم يرغب بأمور أخرى محرمة في الصيام يحجم عنها ، هذا ترويض للإرادة كما الرياضي الذي يتمرن ويتدرب ويتأهل ونحن في دورة تدريبية واسعة كل المسلمين يدخلون في هذه الدورة لتقوية الإرادة الله سبحانه وتعالى يعيطنا هذا المكسب الكبير والمفتاح من مفاتيح النجاح والنصر والتوفيق والتألق والتميز الإرادة القوية من خلال شهر رمضان ما أكثر الفوائد في هذا الشهر وما اكثر المعطيات والدروس في مدرسة الصيام ولكن واحدة من هذه الدروس المهمة هو الدرس الاجتماعي .

الأبعاد الاجتماعية لرمضان ..

 شهر رمضان فيه أبعاد اجتماعية مهمة ، أساساً حينما يتذوق الانسان الجوع والعطش وحينما يعيش هذه الحالة هي حالة تضامنية الفقير معتاد على الجوع والعطش على طول الخط لكن هناك الغني الذي لا يعرف الجوع لكن في شهر الصيام الكل يعرف ما هو الجوع لأن الصيام على الجميع وحينما تعرف الجوع تعطف وتنفتح على الفقراء وتقدم لهم المساعدة ، اذن يخلق حالة تضامن ومواساة بين الغني والفقير وبين مختلف الطبقات الاجتماعية .

ومن الأبعاد الاجتماعية المهمة صلة الرحم ، إفطار الصائمين ، التواصل بين الناس ، الحضور في مجالس الدعاء والذكر مثل هذه المجالس محببة عند الله سبحانه وتعالى وعند أهل البيت ، الإمام الصادق يسأل (ع) أتجلسون وتحدثون ، قالوا أي والله نجلس ونتحدث قال الإمام الصادق أي والله إني أحب هذه المجالس احيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا ، هناك تأكيد على هذه المجالس ، الجلوس سوية واحياناً حينما يكون الانسان بمفرده لا يكون لديه التوجه حتى في قرائته للدعاء ولكن حينما يكون في مجلس عام  فإذا كان احد من الجالسين انغلق قلبه ونزلت ملائكة الرحمة هنا يأتـي الجود الإلهي يقال أنت ومن معك وهذه فائدة الحضور الجماعي في المجالس ، وكذلك الجهاد في سبيل الله في هذا الشهر الفضيل ونعرف ان غزوة بدر وهي من أهم الغزوات الإسلامية كانت في هذا الشهر الفضيل ، وهناك تصور ان شهر رمضان شهر الراحة والنوم وساعات العمل والدوام تقل هذا خلاف التوجه العام ، شهر رمضان شهر حركة ونشاط وحماس واندفاع ، شهر يحقق فيه الانسان الكثير هذه كلها أبعاد اجتماعية ولما كان هذا الشهر الفضيل في إحدى معالمه المهمة هو البعد الاجتماعي فكان لابد في هذه الليالي ان نتحدث عن موضوع يرتبط بالواقع الاجتماعي ورؤية الاسلام تجاه المجتمع والعلاقات الاجتماعية وتنظيم هذه العلاقات .

الحقوق مدخل مهم للتماسك ..

تعرفون من أهم عناصر القوة في أي مجتمع هو حالة التماسك ورص الصفوف اليد الواحدة لا تصفق وحينما تتبعثر الجهود فأحدهم يشرق والآخر يغرب هنا تتبدد الامكانات ولكن حينما يكون المجتمع يد واحدة حينما تكون العشيرة متماسكة وحينما تحكون الأسرة متماسكة وحينما يكون الانسان قوي ومتماسك ، دائماً التماسك دليل قوة وهو منطلق مهم للبناء ، كيف نحقق التماسك في إطار الفرد الواحد كيف نجعل منه متماسك بكل قواه والتجاذبات التي يعيشها الانسان حالة الفرح والغضب والحماس والإحباط كل هذه الجوانب التي يعيشها الانسان في وجوده كيف يتماسك المجتمع كيف تتماسك المجتمعات فيما بينها اذن نحن بحاجة الى التماسك ، التماسك انما يحصل من خلال الترابط والترابط يحصل حينما هناك قاعدة وضوابط وحقوق مرسومة لكل من الاطراف ، حينما تعرف انت ما لك وما عليك في المجتمع والآخر ما هو الذي له وما هو الذي عليه وهناك احترام متبادل فيما بينكم سوف تحصل قواسم مشتركة ، لكن إذا كل طرف يتعدى على الآخر ويتجاوز على الآخر ويظلمه ، يتجاهل الآخر ويقصيه لا يتقبل الآخر سوف تبدء هذه المشاكل الكبيرة ، لكن إذا كل منا يتقبل الآخر وينفتح على الآخر ويعرف حدود الآخر ويعرف حدود نفسه هذا ما نسميه بالحقوق ، كل منا له حق والآخرين لهم حقوق ، فإذا تعرفنا على هذه الحقوق انتظمت العلاقات بين الناس وحتى في إطار الشخص الواحد حينما يعرف ما هو حق لسانه وعينه وجوارحه وما هو حق قلبه وربه هذه كلها حينما تتوضح يكون انسان مستقيم يسير ضمن اطار لماذا دائماً الجيوش مضرب مثل بالنظام لوجود حقوق وسياقات واضحة ولا يوجد شيء جزافي في السياقات العسكرية كل شيء فيه قيود يكون منظم وقوي ، القوة من النظام والنظام من الرؤية الواضحة في الحقوق ، اذن الحقوق مدخل مهم للتماسك والتماسك هو السبب الأساسي في قوة المجتمع فإذا أردنا مجتمع قوي يجب التعرف على الحقوق فيما بيننا وضياع الحقوق وغموضها يدفعنا الى الكثير من المطبات ، هذه الحقوق والالتزامات يجب ان تتوضح بين الإنسان وربه بين الإنسان ونفسه بين الإنسان والآخرين ، يجب التعرف على الحقو ق واذا تعرفنا عليها والتزمنا بها وصلنا الى المجتمع التماسك القوي المتراص الذي لا يستطيع احد ان يهزمه وهذا هو مدخل القوة وفي شهر الصيام وفي الشهر الذي نقف لنعزز فيه الروابط الاجتماعية لابد ان نتدارس موضوعة الحقوق .

 
الحقوق أساسها الكرامة والعزة ..

  الحق لكل فرد يعني التزام من الآخرين تجاه هذا الفرد كل شيء بمجرد ان نقول هذا حق يعني التزام على الآخرين وحينما يقال للآخر انه لك حق اذن على الآخرين ان يلتزموا ويفوا بالتزامات هذا الحق فالحقوق دائماً ترافق الالتزامات ، الحق الفردي أمامه التزامات والحق الجماعي أمامه التزامات حينما نتحدث عن موضوعة الحقوق نحن نتحدث عن الالتزامات الاجتماعية والجماعية تجاه هذه الحقوق والأخذ بها والوقوف عندها ، ماذا يقول على (ع) في خطبته 216 (( ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافىء في وجوهها )) بعضها في قبال الآخر وليس هناك حق من طرف واحد  ، حق في قبال حق التزام في قبال التزام ، تحترم حقي احترم حقك (( فجعلها تتكافىء في وجوهها ويوجب بعضها بعضاً ))  كل من هذه الحقوق توجب حقاً وتوجب التزام من الآخر  وللآخر حق يتوجب التزامه من الأول وتبدي هذه الالتزامات المباشرة والمتقابلة (( ولا يستوجب بعضها الا ببعض )) لا تكون هذه الحقوق واجبة على الآخر الا ان تكون واجبة عليه ايضاً ، وهذه العلاقة المتبادلة هي التي تضعنا أمام منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية ، ماذا قالوا في الحقوق ، قالوا الحق سلطة فعلية ، لماذا سلطة ، لأنك صاحب حق ومن يتجاوز عليك لك الحق في ان تشتكي عليه في المحكمة ، وحتى لو تم التجاوز على شبر من أرضك يمكن ان تشتكي ، وفي هذه الحالة أصبحتَ صاحب سلطة فيما هو حق لك ، والآخر عنده سلطة فيما هو حقه ، الحق سلطة والحق مصلحة وفائدة يجنيها الإنسان لنفسه وله الحق في ذلك إذا ما راعى حقوق الآخرين في منظومة متكاملة . إذن الحق هو مجموعة من القواعد والأسس والضوابط الذي يشكل بمجموعها منظومة يراعي الناس بعضهم بعضا أو الأعضاء بعضهم بعضا ، هذه الحقوق كما قلنا قد تكون في إطار الفرد الواحد ، حق بين الإنسان وربه بين الإنسان وجوارحه ، قد تكون حق في دوائر اجتماعية  تبدأ في الدائرة الضيقة ، الزوج والزوجة ، الأب والأولاد ، الأولاد والأب ، كلها متقابلة ، في إطار العشيرة ، في إطار القبيلة ، في إطار العمل ، في إطار كل من يتواصل الإنسان معه يمكن ان ننظم حقوق متبادلة بيننا وبين ذلك الآخر ، منظومة الحقوق في الإنسان تعتمد على أساس الكرامة الإنسانية ، هذه الحقوق لا تضيّع ولا تهين ولا تذل الناس ، دائما الحقوق بين الناس أساسها الكرامة والعزة " ولقد كرمنا بني آدم " هذا هو أساس الحقوق ، وكذلك الرؤية الصحيحة والعقيدة الصالحة ، لا يوجد ضلال وانحراف وظلم وتعدي وفساد في منظومة الحقوق بحسب الرؤية الإسلامية ، فيها عقيدة صحيحة وفيها سلوك مستقيم ، ليست علاقة هيمنة ، ليست علاقة تسلط من احد على آخر وليست علاقة إذلال من طرف لآخر ، لا ، علاقة فيها تكافؤ وفيها سلوك مستقيم وفيها مبدئية وقيمية  ومُثُل ، منظومة الحقوق في الإسلام تبتني على هذه الأسس المهمة ، وتبتعد عن التمييز ، في منظومة الحقوق لا يميز الأبيض عن الأسود والعربي عن الكردي عن التركماني عن غيره والمسلم عن غيره ، صحيح ان الإسلام والإيمان تمثل حقوق إضافية لكن هناك منظومة من الحقوق الإنسانية المشتركة بين الناس ، لا تميز على أساس القبيلة او المنطقة او التنوع المذهبي او الديني او القومي الى غير ذلك  ، هذه الاعتبارات لا تدخل ، الاعتبارات في التفاضل بين الناس مختلفة " ان أكرمكم عند الله أتقاكم " التقوى ، "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " العلم " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " الإيمان " فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما  " الجهاد  ، لذلك نلاحظ ان لا تمييز على أساس الثروة والطبقة الاجتماعية والقومية والمذهبية والدينية ، لا  ، التمييز  على الأسس الصحيحة ، نعم الانتماء الى الله تعالى والانتساب الى العقيدة الصحيحة تفضل الإنسان على غيره ، التقوى الإيمان الى غير ذلك .
ولذلك نجد ان منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية تأتي منسجمة مع الفطرة  ، ليس فيها من التحميل ومن التكلف ، لا ، تأتي منسجمة مع الفطرة الإنسانية ومع رغبات الإنسان في إطارها الصحيح .

رسالة الحقوق للامام السجاد (ع) ..

رسالة الحقوق لإمامنا وسيدنا علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) مثّلت رؤية موجزة ومضغوطة عن منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية وتحدثت عن حقوق الإنسان مع ربه ، حقوق الانسان مع نفسه ، حقوق الانسان مع بني البشر بل حتى مع الحيوان والجماد ، هناك مسؤولية تجاه الآخرين ، تجاه الكون ، هناك مسؤولية حتى تجاه الشجرة ، هناك حقوق يجب ان تراعى تجاه غير الإنسان ايضا ، ولذلك نرى ان منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية منظومة متكاملة واضحة بيّنة فيها ملاحظة لكل هذه الاعتبارات مما تمكننا من الوصول الى المجتمع المتماسك القوي .

الحق الأول الذي يذكره الإمام السجاد ويبدأ به رسالة الحقوق يقول " فأما حق الله الأكبر فانك تعبده لا تشرك به شيئا " المطلوب حق الله عليك العبادة الخالصة لله ، ليس فيها شرك مع الله سبحانه وتعالى " فازا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها " الله تعالى له الحق المطلق فنحن العبيد وهو الرب لكن الله هو جعل على نفسه ، يقول عز وجل أعطني العبادة الخالصة وخذ ما تحب من دنياك وآخرتك ، وأي فوز أعظم من ان يحصل الانسان على مبتغاه في الدنيا والآخرة . هذا هو الحق الاول ، اذن الإمام السجاد يبدأ بحق الله على العباد وهو أعظم واكبر وأهم الحقوق ولابد ان نقف عنده وهي العبادة ..

العبادة هي حالة الخضوع والتذلل ولا يستحقها الا الله سبحانه وتعالى ، الله من نخضع ونتذلل له ، لان طبيعة العلاقة بين الانسان وبين الله هي علاقة خضوع وتذلل ، تذلل الفقير أمام الغني المطلق ، خضوع الوجود الناقص  وهو وجودنا البشري أمام الوجود الكامل المتمثل بالذات الإلهية ، مسألة العبادة ليست طقوس فقط  ، نصلي ونصوم ، هذه أمور مهمة ، ولكن العبادة في مفهومها أوسع من طقوس ، العبادة منهج ورؤية ولا يمكن ان تكون متعبد اذا لم تكن تمتلك هذه الرؤية ، من هو الله من هو الرب وما هو مقام الربوبية ومن هو الإنسان العبد وما هو مقام العبودية ، إذا لم تستطع ان تفرز أو تعرف  ما هو مقام الربوبية وما هو مقام العبودية وما هو علاقة الرب والمربوب ، علاقة الرب والعبد ، إذا لم تستطيع ان تشخصها لا تستطيع ان تعبد ، العبادة في جوهرها متوقفة على فهم هذا الأمر ، و العبادة في حقيقتها تحتاج إلى رؤية وتحتاج إلى تطبيق وتجسيد في الواقع العملي في حياة الإنسان وبهذا يتبين ان العبادة هي ليس صنف الطاعة ، الطاعة لا تكفي وقد تحصل في أمور ليس فيها عبادة احياناً كالغنم التي تسير خلف الراعي فهي تطيعه وفي الفريق اللاعب يسمع ويطيع كلام المدرب لكن هل هذا عبادة ؟ كلا ليس كل طاعة عبادة ، الطاعة التي تنبثق من فعل اختياري ورؤية واضحة بين العبد والمعبود بين الخالق والرب ، أساس العبادة هي المعرفة ، العبادة لا تتحمل حالة الغفلة والسهو ، العبادة لا تكون عبادة إلاّ مع العلم والمعرفة وكلما ازدادت المعرفة كلما كانت العبادة أدق وكلما قلت المعرفة كلما ذهب الإنسان الى مداليل بعيدة عن جوهر العبادة  والعبادة الحقيقية تحتاج الى العلم والمعرفة أيضا تحتاج الى رضا وحب ومشاعر وإحساس وتجسيد على الأرض وهذا لا يتحقق اذا لم تكن هناك قناعة حقيقية ، العبادة لا تحقق  بدون الرضا في ان يكون الإنسان عبداً لله سبحانه وتعالى ، العبادة لا تحقق بدون الحب الحقيقي لله سبحانه وتعالى ، الرضا ، الحب ، العلم والمعرفة ، هذه أسس مهمة في تحقق معنى العبادة ، اما في حالات السخط والقهر والإذلال والغفلة والسهو هذه لا تحقق فيها العبادة ولذلك نقول (( إياك نعبد وإياك نستعين )) يا إلهنا يا ربنا نحن نعبدك ، اذن هناك حالة إرادية وحالة اختيارية وهناك حب ولذلك اعتبر ان العبادة تمثل جوهر الوجود ((وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون )) العبادة هي الغاية من خلق الجن والإنس .

العبادة تحتاج الى ثلاث مراحل ...

1-  المعرفة العقلية ، يجب ان تعرف تعبد من وما هي سمات هذا المعبود وما هي علاقتك بهذا المعبود .

2-  تدفع المعرفة العقلية الى التفاعل الوجداني والمشاعري والعاطفي ، فحينما عرفنا من هذا هو المعبود حيث الخير منه وكل مالنا منه وكل شيء من الله سبحانه وتعالى السمع والنظر وإذا كنت املك من المال او الصحة كلها من الله تعالى ، كل ما لدينا من الله  ، وحينما يتولد لدينا هذا الفهم الصحيح تتحرك المشاعر والعواطف فأصبح هناك حب وتعلق بالله سبحانه وتعالى .

3-  ، واذا صار هذا التفاعل الوجداني يتبعه الالتزام بالسلوك والعمل ، فالإنسان حينما يحب الله يلتزم بما يأمر الله ، حينما يكون هناك حب يتفنن الإنسان  ان يأتي بالأمور على أحسن وجه لها ، اذن العبادة في هذه الأركان الثلاثة والمهمة وسنبقى نتواصل بهذا البحث في منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية .