منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية .

كان حديثنا في الليلة الماضية عن الحقوق في منظومة العلاقات الإنسانية وذكرنا ان الجميع يبحث عن مجتمع قوي ولا قوة الا بالتماسك ، القوة من خلال التماسك والتلاحم والانسجام ولا تماسك من دون حقوق معرّفة بين أبناء المجتمع ، وحينما نتحدث عن الحق انما نتحدث عن الالتزام لأن حق أي طرف هو التزام من الآخرين بهذا الحق  وهكذا تتبادل الحقوق والالتزامات بين أفراد المجتمع فنصل إلى إطار يوحد المجتمع على أساس حقوق متبادلة والتزامات متبادلة وذكرنا ان منظومة الحقوق في رؤية الإسلام تبتني بالدرجة الأساس على الكرامة الإنسانية وعلى وعلى العقيدة الصحيحة وعلى السلوك المستقيم هذه مفردات ثلاثة تجتمع لتمثل منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية وثم ذكرنا ان رسالة سيدنا ومولانا الإمام السجاد  في الحقوق تمثل رؤية شاملة ومتكاملة لمنظومة الحقوق من وجهة إسلامية ، هذه الحقوق قد تشمل حق الإنسان مع الله سبحانه وتعالى وحق الله على الإنسان وتشمل علاقة الإنسان وحقوقه على نفسه وجوارحه وتشمل علاقة الإنسان مع الآخرين والحقوق المتبادلة مع الآخرين أيا كانت عناوينهم ولكل عنوان حق خاص فالأب والابن لهم علاقة خاصة وحقوق متبادلة والزوج والزوجة والجار مع جاره كذلك وصولاً الى مجمل العلاقات الإنسانية وذكرنا ان إمامنا السجاد (ع) في هذه الرسالة حاول ان يؤشر الى هذه الحقوق المتكاملة،

 المدخل الاساسي لبناء المجتمع .

 الالتفات إليها والإلمام بها والتعرف عليها سيكون مدخل أساسي في بناء المجتمع المتماسك ، كل منا يعرف حقوقه والتزاماته تجاه الآخرين وهذه القضية لا يمكن ان تفكك بعضها عن الآخر ، فكلما تحدثنا عن الحق تحدثنا عن التزام الآخر بهذا الحق وما شابه ، وبدئنا باستعراض هذه الحقوق حيث كان الحق الأول وهو حق الله سبحانه وتعالى وذكرنا هذه العبارة التي وردت في رسالة الحقوق (( فأما حق الله الأكبر فأنك تعبده لا تشرك به شيئا )) حق الله ان لا تشرك معه شيئاً ، العبادة والطاعة هي حق لله سبحانه وتعالى على عبادة ((  فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه ان يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها )) أيها العابد حينما تحسن العبودية ، الله سبحانه اخذ على نفسه ان يعطيك ما تحب من شؤون الدنيا والآخرة ، فإذا عرفنا أن الإنسان لا هم له إلا أن يحضى بالسعادة في الدارين نعرف أن العبادة هي المدخل لهذه السعادة ، إن أردت الدنيا فعليك أن تصلح علاقتك مع الله وان تفي بالتزاماتك تجاه الله وان أردت الآخرة فطريقها أيضا العبادة لله سبحانه وتعالى وذكرنا ان العبادة في جوهرها تستند الى ثلاث مراحل :

1-   المعرفة العقلية

2-  التفاعل الوجداني والمشاعري والعاطفي

3-  الالتزام ، ا لسلوك المستقيم الذي يراعي الله في كل شيء ويعمل بما يحب ويمتنع عن السلوكيات التي يبغضها الله سبحانه وتعالى ونرى ان الإنسان دائماً يسعى لرضا صديق له وهو الحبيب المجازي فكيف بالحبيب الحقيقي ولا حب حقيقي يستحقه الا الله سبحانه وتعالى فهنيئاً لكم أيها المحبون .

 البسطاء اكثر الناس معرفة .

  اذن العبادة تحتاج الى وعي ، الى بصيرة ، الى فهم عميق ، والعبادة ليست قضية يٌعنى بها المغفلون البسطاء يقال ان الدين دائماً يتحرك في اجواء المغفلين والبسطاء وهؤلاء الذين يسمونهم بسطاء هم أكثر الناس معرفة وعلما ولو لم تكن لهم هذه المعرفة الحقيقية ما عبدوا الله حق عبادته ، اذن الدين يستند والعبادة والطاعة لله ايضاً تستند الى المعرفة والعلم والرؤية الصحيحة والتي تستتبع المشاعر والمشاعر تستتبع السلوك ، هذه هي المراحل في بيان حقيقة العبادة وأولى العبادات وأهمها هي المعرفة الصحيحة فلذلك نجد ان القرآن الكريم يكرس آياته الشريفة لبث هذه المعرفة وان الرسالات السماوية جاءت لتزيد معرفة الإنسان والتزاماته تجاه الله سبحانه وتعالى ، واي عبادة كالصلاة مثلاً اذا لم تكن مستندة الى معرفة وتوجه تصبح فيما بعد كنقر الغراب ، والله سبحانه وتعالى يقول (( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر )) .

 الاسلام يركز على النوع لا الكم .

 اذا كنا نصلي ولم ننتهي عن الفحشاء والمنكر فالواقع ان صلاتنا ليست صلاة حقيقة ولو كانت كذلك لنهت عن الفحشاء والمنكر ولكنها ليست صلاة العابدين والعارفين ولم تكن عن وعي وعن بينه هذه الصلاة مجرد ممارسة سلوك لكن لا تترك أثرها الأخلاقي في وجود الإنسان ، نصلي ونصوم ونتلوا القرآن وأحيانا لا تترك هذه العبادات الأثر وهذا ما يجعل التركيز في الإسلام على النوع وليس الكم ، اقرأ صفحتين او آيتين من القرآن الكريم بتدبر وتأمل توجد في نفسك من الآثار ما لا يوجده قراءة جزء كامل على مستوى التصفح السريع ، المسألة ليست كم بل بالتوجه والالتفات ، العبادة لا تكون الا عن وعي ولذلك المعرفة الصحيحة هي أولى العبادات في رؤية الإسلام ومن لا رؤية له لا دين له يمارس طقوس معينة ولكنه يفتقر الى الجذور في التدين ويسقط من أول تحدي ، والإنسان الذي يمتلك الجذور الإيمانية والرؤية الواضحة والمعرفة حين ذاك مهما كانت التحديات والشبهات لا يتزلزل ويبقى ثابت وبخلافه فان اي شبهة او أي إغراء سرعان ما ينبطح أمامه ، ولذا نرى ان هناك مساحات في مجتمعاتنا يشرقون ويغربون ان كان في البعد الاجتماعي او السياسي او الديني ، لذلك نحن بحاجة الى ثورة معرفية حتى نجذر ونصل في مجتمعنا الى المعرفة ، واذا تجذرت المعرفة انظروا ماذا يقول الإمام الحسين (ع) لأصحابه (( يا أهل البصائر )) البصيرة هذا هو المفهوم القرآني .

 الشرك هو الجهل الغليظ .

  نحتاج الى بصيرة وعين مفتوحة تحلل وتقرأ ما بين السطور وتتعرف على ما وراء الحدث ويوم ما يكون لدينا مجتمع يقرأ ما بين السطور لا تؤثر فيه الإشاعات عند ذاك سيقوى هذا المجتمع لذلك في علاقتنا مع الله المعرفة وفي علاقتنا مع النفس المعرفة وفي علاقتنا مع المجتمع المعرفة الرؤية والبصيرة والتحليل العميق دائماً نتعمق وندخل في بطون الحدث ونتعرف على جوهر الأمور هذا هو المدخل الصحيح لذلك نرى القرآن الكريم يقول ان كل خطيئة مغتفرة الا الجهل الغليظ وهو الشرك وتعريف الشرك هو جهل مركب جهل غليظ هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يغتفر ويغفر ما دون ذلك لا حضوا في سورة النساء الآية 48 (( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر مادون ذالك لمن يشاء )) كل شيء دون الشرك ممكن ان يكون مورد المغفرة طبعاً لمن يشاء الله يشاء واشاءة الله على خلفية وضوابط وقواعد ، منّ قلبه طاهر ، من يندم ، من يستغفر ، من يراجع ، من يصلح ، الله يعيد النظر في عقابه لكن الشرك وهو الجهل الغليظ هذا الشيء الوحيد الذي لا يغفره الله (( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما )).

 منهج القران في اعداد الانسان .

  لا اثم أعظم من الجهل ولذلك نرى ان منهج القرآن في إعداد الإنسان وتربيته هو منهج المعرفة والعلم والبينة ، لاحضوا هذا المشهد اللطيف ، الله يريد ان يعرف بنفسه سبحانه ويلفت الإنسان ان الله أعطاك كل شيء وكل هذه المظاهر الكونية منه تبارك وتعالى فلماذا تشرك ايها الإنسان انظروا هذه الصورة الجميلة في سورة إبراهيم الآية 32 وما بعدها (( الله الذي خلق السموات والأرض وانزل من السماء ماءاً فأخرج به من الثمرات رزقاً لهم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار )) كل هذه هي حقوق تحتاج الى التزامات تجاه رب العالمين (( واتاكم من كل ما سألتموه ))  من اجل تحقيق كمالكم المعنوي او حاجاتكم المادية الله وفرها لكم ولا يعرف الإنسان قيمة النعمة الا بعد فقدها فحينما تفقد الأب تعرف قيمته لكن مادام موجود لا تعرف قيمته وقد تسيء له ولا يعرف الإنسان قيمة ونعمة جوارحه الا بعد فقدها وهكذا ، وحتى في مسيرة الانسان المعنوية الله تعالى هيأ له الأنبياء والرسل وفي مسيرته الدنيوية وفر له كل شيء ((وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها )) اذا توفر للإنسان كل ذالك إذن أين المشكلة هل المشكلة في الهداية الإلهية ؟ الله أعطى ، المشكلة في الفطرة ؟ الفطرة سليمة ممكن ان تتحرك بالاتجاه الصحيح ، المشكلة في نقص الطبيعة ؟ الله تعالى أعطى للإنسان كل شيء ، إذن أين هي المشكلة .

 ظلوم كفار .

 (( ان الإنسان لظلوم كفار )) الظلم والاعتداء والتجاوز على الأخر الإقصاء وعدم  الالتزام بحقوق الأخر ، الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه مشكلة الدنيا ومشكلة الكون ومشكلة الإنسان ليس نتيجة من قصور في ربوبية الله لأن الله أفاض علينا كل شيء وليس من قصور في إنسانية الإنسان الله تعالى جعل الفطرة سليمة تتحرك وليس المشكلة في الشروط المحيطة بهذا الإنسان واحتياجاته ان الله وفر الطبيعة بكل ما تلزم ، المشكلة ان الإنسان ظلوم كفار ، وحينما تكفر أنت إنما تٌعرض بوجهك عن الله سبحانه وتعالى فتعرض عن نعم الله فتعيش الفراغ وتعيش الأزمة والظلام والانحراف ، واكبر نسبة من الذين ينتحرون هم من الأغنياء والميسورين لماذا ؟ لوجود كآبة عندهم ، لخلوا قلوبهم من ذكر الله ( الا بذكر الله تطمئن القلوب ) ونور حب الله لم يدخل الى قلوبهم فيصابون بالكآبة ، الظلم والكفر هذه هي مشكلة الإنسان ، لذا عليه ان يحترم حقوق الآخرين ولا يكفر بالله بل يجب ان نتمحور حول الله ونتفنن في عبادة الله فنحصل على المبتغى في الدنيا والآخرة كما سمعنا في وعد إمامنا السجاد (ع) ، لا حضوا هذا المقطع القرآني الآخر في سورة النمل الآية 59 وما بعدها وفيه المقارنة والتوبيخ في ان الله عز وجل أعطى للإنسان ما أعطى بينما يشرك الإنسان بالله تعالى   (( قل الحمد لله وسلام على عبادة اللذين اصطفى )) هؤلاء قادة البشرية الأنبياء هم عباد الله الذين اصطفى يا أيها الإنسان سلام عليهم لأن هؤلاء قدموا خدمات جليلة للبشرية وفي ذلك درس كل من يقدم خدمة لابد ان يشكر (( لأن شكرتم لأزيدنكم ولأن كفرتم ان عذابي لشديد )) ((أمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)) هؤلاء قوم ينحرفون عن الفطرة الإنسانية السليمة وعن جادة الصواب ((أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)) .

 الوجود هو الله سبحانه .

 جاء احدهم يسأل الإمام عن الدليل على وجود الله قال له الإمام صادف انك في منتصف البحر حيث لا احد ينجيك ولا احد يسمع صوتك وغرقت السفينة وانت تغرق الم تفكر بأحد ينقذك الى اين توجهت قال لا ادري ولكن توجهت الى وجود حيث لا احد ينقذني قال  له الإمام هذا الوجود هو الله سبحانه في تلك اللحظة تحصل حالة الانقطاع الى الله ويعرف الإنسان عمق العبودية لله ويعرف أهمية الالتفات الى موقع الربوبية الإلهي ((وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ)) الله مكنكم للحياة في هذه الأرض ((أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ))  ، مع كل هذه النعم الجزيلة تشركون بالله ، انظر المنطق والأسلوب في الإقناع والرؤية الصحيحة أسلوب التذكير والتبيين حتى تعرف لأن الوعي والرؤية الصحيحة هي المدخل للعبادة المبتنية على اسس عميقة ((قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)) لماذا تغفل ايها الإنسان عن الالتفات الى الله سبحانه وتعالى ((أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )) في ظلمات البر حينما تسير الله جعل لك النجوم تستهدي بها وفي البحر في ظلماتها ايضاً جعل لك طريق ((وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ)) الله خلق الرياح واو جدها بكل ما لها من تأثير في الحياة ، بعد كل ذلك تشرك بالله ((تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ )) الله أعلى وأسمى مما ينظر اليه هؤلاء الجاهلون ، ((أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)) رب العالمين الذي يعيد كرة الحياة لتستمر وتتجدد ((وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ )) ، بعد كل ذلك ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) هاتوا بالدليل على شرككم بالله ، هذا هو المنهج القرآني منهج العلم والبصيرة والرؤية ويجعل الإنسان يتعلق بربه على أساس هذه الرؤية الواضحة قال رسول الله (ص) (( يا معاذ تدري ما حق الله على العباد )) قلت الله ورسوله اعلم قال (ص) (( فأن حق الله على العباد ان يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا )) حقه تعالى الطاعة والعبادة وحق العباد على الله عز وجل ان لا يعذب من لا يشرك به شيئا ، لا عذاب لمن يعبد الله ، اذن الطريق هو العبادة وهذا حق الله علينا وان لا نشرك به شيئا وفي مقابل ذلك الله اخذ على نفسه ان يعطينا ما نريد من خير الدنيا والآخرة ، وللحديث صلة .