كان حديثنا في الليالي الماضية عن رسالة الحقوق لسيدنا ومولانا الإمام علي بن الحسين السجاد(ع) وقلنا ان هذه الرسالة تختزل الرؤية الإسلامية في منظومة الحقوق بين الإنسان وربه والإنسان ونفسه والإنسان والآخرين وكان حديثنا في الحق الأول من هذه الحقوق وهو حق الله سبحانه وتعالى على عبادة ولكن قبل ان نواصل الحديث عن هذه الحقوق فأن هناك حق في هذه الليلة لعزيز العراق راحلنا الكبير سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد العزيز الحكيم (طاب ثراه) ، هذه الليلة هي ليلة الخامس من شهر رمضان ليلة وفاته قبل سنتين كان ليلة شاقة على عزيز العراق وكنا إلى جواره في مشفاه حيث يواجه مرارة المرض في الساعات الأخيرة من حياته الشريفة لابد لنا ان نقف ولو وقفة عابرة على هذه الشخصية المهمة الشخصية الكبيرة التي تحملت الكثير وقدمت الكثير وبقيت مجهولة طوال حياته .
 

عزيز العراق ..جهاد خلف الأضواء ...

عزيز العراق في تاريخ طويل تحمل مسؤوليات غاية في الأهمية ولكنه كان خلف الأضواء يعمل جهاداً وتضحية وعطاء وفداء لإسلامه ولدينه ولقضيته لكن الكثير من الناس حتى لم يتعرفوا على شكل عزيز العراق في ذلك التاريخ الطويل ولم يظهر إلى العلن ولم يمارس ادوار سياسية واضحة الا في الأشهر الأخيرة قبل سقوط النظام حينما كلف من شهيد المحراب بإدارة الملف السياسي في تلك الظروف الحرجة وكانت تتطلب تعامل مع الأطراف الدولية والسفر الى دول مختلفة ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وكانت هذه الأمور غريبة في ذلك الوقت ان يذهب شخص في مثل هذا الموقع المعنوي الى تلك البلدان ويجلس مع أولئك الساسة ولكنها كانت خطوات ضرورية لإنقاذ الشعب العراقي وللدفاع عن حرية هذا الشعب واستقلاله وكرامته ،  كما ان عزيز العراق ضحى في تاريخ طويل وكان عرضة للاستهداف لتوليه مسؤولية الملف الجهادي في كل تلك السنوات التي زادت على عقدين من الزمن فتحمل ان يضحي بسمعته إذا كانت القضية تتطلب ذلك وإذا كان إنقاذ شعبنا يتطلب ذلك ، الشعب العراقي تعرف على عزيز العراق بشكل واضح في هذه السنوات القليلة حينما برز رئيساً للمجلس الأعلى ومتحركاً في هذه الساحة ولا سيما بعد استشهاد شهيد المحراب (قدس) .

المرض لا يثنيه عن نجاح المشروع ...

كان غاية في الصبر وفي الاستقامة وفي الثبات ما يقرب من سنتين (الفترة الزمنية لمرضه سنتين وبضعة أشهر) لم يسمع منه أنين وشكوى كله ذكر وحينما كان يشتد به الألم احياناً يرفع صوته بذكر الله يهلل ويسبح ويذكر الله سبحانه وتعالى وفي ذلك درس عظيم كيف يصارع المرض بهذه الهمة الأطباء كانوا يشكون الينا في أكثر من مناسبة يقولون السيد يتعاطى الجرعة الكيمياوية وهذه الجرعة الشديدة تحتاج الى راحة ويجب ان يبقى يوم او يومين في المستشفى لحين تأقلمه مع هذه الجرعة ويتكيف معها ثم يخرج ولكن عزيز العراق لم يكن يرتضي لنفسه ان يبقى يومين في المستشفى كان يأخذ الجرعة ومنها الى المطار ليعود الى بغداد ، كان يطلبون منه الأطباء لو يبقى فترة أطول ولكنه يقول إخواني وحدهم في ساحة معركة شعبنا بحاجة ان نقف الى جانبه ، يقولون له سيدنا أنت مريض معذور وشعبك يعذرك كان يقول لعله هو يعذر لكن انا لا اعذر نفسي ولا بد ان استنفذ كل وقت وكل فرصة وكنت شاهداً على محاولات إخوانه من قيادات المجلس الأعلى لإقناعه في أن يبقى فترة أطول للعلاج لكنه كان يرفض بمجرد ان يأخذ الجرعة ويعود ليزاول مهامه وهذه القضية استمرت لسنتين او أكثر في الأشهر الأخيرة التي اشتد به المرض ولم يكن يستطيع الحركة وكانت تحصل بعض المفاجئات في العلاج ولم تكن فرص العلاج متوفرة في الشكل الكافي مما جعله يقضي فترة اكبر ، هذا الصبر ، هذا الثبات ، هذه الاستقامة ، ذكر الله سبحانه وتعالى الذي ما فتأ ينقطع عن لسانه في كل وقت في ذلك درس عظيم كيف يكون الإنسان شامخاً وهو في ضعفه ومرضه لأن الشموخ والقوة والصلابة ترتبط بإرادة الإنسان ومشاعره بالهدف الذي يضعه الإنسان لنفسه وهذه هي السمات التي وجدناها في عزيز العراق .
 

الساعد الأيمن لشهيد المحراب ..

شهيد المحراب ( قدس ) ، تحمّل مسؤولية كبيرة في زمن المعارضة وفي تعبئة الطاقات لمواجهة النظام الديكتاتوري وبذل الغالي والنفيس من اجل هذا الأمر وساهم في تأسيس المؤسسات السياسية والعسكرية الكبرى التي ساعدت وساهمت في إسقاط النظام الصدامي وانفتح على القوى السياسية المهمة ، كانت مرحلة مهمة كيف يسقط النظام  وكيف ينقذ هذا الشعب المظلوم المجروح بجروح ذلك النظام الديكتاتوري الذي غيّبه في المقابر الجماعية وغياهب السجون والمعتقلات ولكن ما ان سقط النظام وعاد شهيد المحراب الى ارض الوطن وبدأ يضع ملامح مرحلة جديدة هي مرحلة تأسيس الدولة وبنائها ، العراق الجديد عراق الديمقراطية عراق الحرية عراق الشراكة وتكافؤ الفرص بين الناس ، في الأشهر الأولى من عودته الميمونة طالته يد الإرهاب ليذهب إلى ربه شهيداً فهنيئاً له ولكن المسؤولية كانت كبيرة في هذه المرحلة الجديدة ..
 

دور محوري في كسر المعادلة الظالمة وبناء العراق الجديد ..

فتصدى عزيز العراق ليتحمل أعبائها فكان له الدور المهم والريادي وكان لبنة أساسية في بناء الدولة العراقية بسماتها الجديدة وكل المنصفين من يتفق معه ومن يختلف معه بالرأي  لعلهم يشهدون الدور المحوري الذي لعبه ووفى به عزيز العراق في هذه المرحلة هو وإخوانه من قيادات المجلس الأعلى  وشركائه وإخوانه في العملية السياسية في العراق كان مشروع جديد المعارضة وإسقاط النظام شيء ، الآن النظام سقط وبناء الدولة وبناء العراق الجديد شيء آخر المعركة مختلفة هنا المعركة معركة كسر المعادلة الظالمة التي حكمت العراق وبناء المعادلة العادلة التي تنصف جميع العراقيين مهما كانت توجهاتهم وانتماءاتهم الدينية والقومية والمذهبية والسياسية والمناطقية كل عراقي يجب ان يكون لدية فرصة ويجب ان يكون له دور ويجب ان يكون له حق في هذا البلد الطاهر انه بلد العراقيين جميعاً أريد للعراق ان يمضي في تاريخ طويل بنظرة أحادية  ومنطق أحادي ورؤية واحدة بالحزب الواحد والقائد الضرورة هكذا أريد للعراق تاريخ طويل من المعاناة ولكن العراق الجديد هو عراق التنوع باقة الورد كان يسميها عزيز العراق فيه كل الألوان  والأطياف وكل هؤلاء يجب ان يكون لهم دور وفرصة وموقع أن يساهموا في إدارة البلاد ، بنيت تلك المعادلة أن يحكم حزب وان يتجاوز ويتطاول ويتعدى على شعب بأكمله هذا يستهدفه تحت يافطة طائفية وهذا يستهدفه تحت يافطة قومية او سياسية الى غير ذلك ولكنه حكم الحزب الواحد الذي يستهدف الجميع كان لابد ان تبنى معادلة جديدة في الحكم يكون فيها العدل والإنصاف وهذا ما قام به العديد من المخلصين وكان في مقدمتهم عزيز العراق .
 

دور مهم في كتابة الدستور ..

معركة الدستور كيف نكتب دستور يكون الضمان وصمام الامان لهذا الشعب وحقوقه مهما تغيرت الأمور ومهما تمكن البعض ان يأخذ ادوار او فرص هنا وهناك لكن يجب ان يكون هناك دستور يحمي العراقيين حقوقهم تكون محفوظة فيه المعركة كانت كبيرة ولكن الدستور كتب بتوجيهات ورعاية المرجعية الدينية ووقوف أبناء شعبنا ولكن كان للقوى السياسية وكان في مقدمتهم الائتلاف العراقي الموحد آنذاك وكان محور هذا الائتلاف هو عزيز العراق كتب الدستور واليوم تجدون بالرغم من بعض الملاحظات التي يذكرها هذا الفصيل السياسي  او ذاك او هذا المكون او ذاك على الدستور لكن أصبح الدستور وثيقة مهمة يرجع ويستند إليه الجميع وهذه بحد ذاتها تعتبر خطوة اساسية ومهمة .
 

دور رائد في إجراء الانتخابات ..

الانتخابات الحقيقية الانتخابات الحرة الانتخابات المعبرة عن إرادة الشعب الانتخابات التي يترقب ان يخرج منها ما أراده الناس وان تقرأ فيها الأوراق التي وضعها الناس في الصناديق هذه هي الانتخابات في العراق وقد تجرى انتخابات في دول أخرى ليس فيها حالة واقعية وإنما ايضاً هي حالة شكلية في الأعم الأغلب لكن الانتخابات في العراق كانت حقيقة معبرة عن ارادة ها الشعب وهذه خطوة اساسية ومهمة كان لعزيز العراق دور رائد فيها .
 

دور أساس في تحقيق الشراكة والوحدة الوطنية ...

ايضاً موضوعة الشراكة ان يكون العراقيين متكافئين في الفرص شركاء في إدارة أمورهم شركاء في الحقوق والواجبات هذه الشراكة ايضاً كانت من السمات المهمة التي كان يفترض ان تكرس في مشروعنا العراقي الجديد وكان لعزيز العراق الدور الأساسي في هذا الموضوع .
الوقوف بوجه الطائفية عزيز العراق كان له دور كبير في هذا الموضوع ان يقف ويرفع شعار الوحدة الوطنية التي ينشدها العراقيون جميعا ، والعدل والإنصاف في التعامل مع الناس أي كانت توجهاتهم كان يناشد بهذا الموضوع .
 

التأكيد على خصوصية مكونات الشعب والحس الوطني ..

كان عزيز العراق اهتمام بمساحتين ، المساحة الأولى الدفاع عن خصوصيات الشعب المسلم من حقه ان يعبر عن إسلامه وكذلك المسيحي والصابئي والأيزيدي من حقه ان يعبر عن انتمائه ، يامسلمين ان كنتم شيعة او سنة ارفعوا رؤوسكم وقولوا نحن شيعة او نحن سنة هذا من حقكم وهذه هويتكم قولوها بصراحة ليس من عيب ان يعبر الإنسان عن عقيدته وانتمائه ورؤيته وفهمه للحياة ، ياعربي ياكردي ياتركماني قولوها عبروا عن أنفسكم هذه معركة كانت لعزيز العراق في مقابل المخطط المرسوم من الأنظمة البائدة لا تقل انا شيعي او انا سني لأنها طائفية قل انا عراقي ، أي مشكلة في ان تحترم خصوصياتنا وان تحترم خصوصيات شركائنا في هذا الوطن هذه كانت معركة لعزيز العراق الدفاع عن خصوصيات ابناء شعبنا .

والمعركة الثانية هو الدفاع عن الحس الوطني والإطار الجامع الذي يجمع العراقيين جميعاً يجب الدفاع عن عراقيتنا ونتدافع عن خصوصياتنا لا يوجد ضير ، الخصوصية المناطقية ، الخصوصية الدينية ، الخصوصية المذهبية ، الخصوصية القومية ، الخصوصية العشائرية ، الخصوصية السياسية هذه الخصوصيات كلها محترمة ومصانة ويجب ان يرفع كل عراقي رأسه ويحترمه الآخرون ويقدرون خصوصيته لكن عراقيتنا هي الجامعة والخيمة التي نستظل بها هذه ايضاً مسالة أساسية وكان عزيز العراق يدافع على جبهتين عن خصوصيات هذا الشعب والدفاع عن وحدة هذا الشعب والمظلة التي تجمع العراقيين جميعاً .
 

وقفة ضد الارهاب ..

كذلك كان له وقفة مهمة في مواجهة الإرهاب الذي اراد ان يهز العراقيين وصلابتهم ، أراد ان ينتهك حرمات الناس ، أراد ان يخضع ويركع هذا الشعب ، عزيز العراق كان له دور كبير ان يقف سد منيع في وجه هذا الإرهاب وليجهض ويفشل كل تلك المخططات الظلامية التي كانت تسعى لثني ارادة الشعب العراقي وبقي الشعب العراقي عزيزاً كريماً مرفوع الرأس واستطاع ان يتجاوز واحدة من اكبر المحن التي مرت على هذا الشعب الكريم .
 

بعض الاضاءات والأوصاف والسمات الأخلاقية ..

لو أردنا ان نقف قليلاً عند بعض السمات الأخلاقية والاجتماعية وبعض الاضاءات والأوصاف غير الواضحة للناس لعزيز العراق ....

1-    صلة الرحم والاهتمام بعوائل الشهداء وبأيتامهم يصرف وقت ويهتم ويتابع في شدة الظروف السياسية القاهرة التي يمر بها لم ينقطع في يوم من الايام وفي فترة من الفترات من التواصل والسؤال والمتابعة لعوائل الشهداء من أسرته وكان يشعر انه مسؤول عن هؤلاء بنات وأبناء الشهداء من اخوانه وابناء اخوانه وما أكثر هؤلاء الشهداء في أسرته كان يراعيهم ويهتم بهم ومن عموم العراقيين والأسر الشريفة كلما سمع ان هذا ابن شهيد او عائلة شهيد كان يحترق ويتفاعل ويطلب المساعدة لهؤلاء ينخى البعض ويطلب من اخوانه والعاملين معه ان يهتموا بعوائل الشهداء ويتابعوا هذه الامور وكان شخصياً يشرف ويتابع على الكثير من هذه التفاصيل في خدمة عوائل الشهداء وكانت  قصص وشواهد يستغرب الانسان اذا ما  اطلع عليها في سلوك عزيز العراق تجاه هذا الموضوع الحساس ، عوائل الشهداء لها حق كبير علينا لكن للأسف الشديد هناك نوع من التجاهل وقلة الاهتمام بهذه العوائل في حكم الظروف والتعقيدات والانشغالات البعض يخلق الأعذار او بالفعل يبرر لنفسه في عدم الاهتمام وعدم الاكتراث بعوائل الشهداء ، في المجتمع الذي يضيع فيه الشهيد ويضيع فيه اليتيم تسلب منه الرحمة ، الله سبحانه وتعالى يستنزل الرحمة في موقع يشعر فيه ان الناس فيما بينهم متراحمون متحابون ومتفاعلون ومنفتحون يتحسس بعضهم بآلام الآخر ،عوائل الشهداء والأيتام يجب ان لايضيعوا وان لايقل الاهتمام بهم في حركتنا اليومية أوصي نفسي وأوصي إخواني بهذا الأمر .

2-    كان كثير التأمل والتفكير يجلس احياناً لساعات يفكر ويقلب الأمور ويتفحص المواقف ويستذكر المقولات والأحاديث كنا نجلس معه وكان يبدأ بالتحليل العميق ويخرج بحصيلة ليستشرف المستقبل ويقرأ مابين السطور ويكتشف ماهي مخططات الآخرين ماذا يفكرون وما يريدون والمرء مخبوء تحت لسانه كل واحد لديه فلته لكنه كان يجلس ويفكر ويتأمل يراجع ويقف عند الكلمات ويصطاد الكلمات ويجمع بعضها البعض حتى يكتشف ماذا يريد الآخرون وكيف يفكرون فكان يتنبأ لمخططات الآخرين ومشاريعهم في وقت مبكر وكان يعمل على ان لا يسمح لأعداء العراق ان يسيئوا للعراق او يفوتوا الفرصة على ابناء شعبنا في بناء تجربتهم وكان يثير اهتمامي كثيراً في بعض التفاتاته المهمة في هذا المجال .

3-    الثقة العالية بالله سبحانه وتعالى في الشدائد والمحن والتحديات حينما تضيق السبل وتنقطع على الانسان في تلك الظروف وكانت لديه كلمة دائماً يكررها يتأمل في هذه المشاكل ثم يرفع رأسه يقول (( اكو الله )) الله يحلها ولكن كان يقولها بثقة وثبات وقوة فكانت تترك اثر كبير في نفوس إخوانه والعاملين معه يشعرون بالقوة وبالثقة للقوة التي يتمتع بها وكان يستمدها من الله سبحانه وتعالى  .

4-    المثابرة كان شديد الحرص والمثابرة ويدخل في التفاصيل ويتابع الأمور وما أكثر ما سمعت من إخواني من القيادات الكبيرة في المجلس والعاملة مع عزيز العراق طوال سنوات  شدة حرصه ومتابعته ، شديد المتابعة وقليل السفر وجالس ومرابط ويبعث الحماس في اخوانه وفي فريق عمله من اجل خدمة هذا الشعب الكريم من ناحية كان يتمتع بالحزم والجدية الشديدة يحاسب ويعاتب اذا ما تأخر البعض بالإيفاء بالتزاماتهم ، ومن ناحية أخرى كان شديد المشاعر والعواطف يحن الى اخوانه ويسمعهم الكلمات الرقيقة ويشعرهم بأهمية العمل الذي أنجزوه ، في فترة انجاز العمل كان يتعامل بحزم وبعد انجازه كان يتودد إليهم ويتعامل معهم بلطف وكان يحسن بعفوية تامة وهو يجيد هذين الأمرين حزم في لين وضوح وجدية مع مشاعر وعواطف ومحبة وألفة لذلك استطاع ان يخلق جو من المحبين كل الذين عملوا معه بالرغم من حزمه وجديته في التعامل معهم لكنهم كانوا يعشقونه وينشدّون إليه لأنهم كانوا يعرفون حينما يتعامل معهم بجدية ليس لمصلحة شخصية كان حرصه على الشعب والمشروع والبلد هو الذي هو الذي يدفعه لأن يكون جاد معهم  وحينما يتعامل معهم بالمشاعر والعواطف ويسمعهم الكلام الرقيق فكان هذا ايضاً ينبع من القلب .

5-    كان دائماً يستنهض إخوانه في الأزمات والشدائد يقول لهم ان علي الأكبر وقف في ليلة عاشوراء وقال كلمته الشهيرة لمثل هذا اليوم ادخر ني والدي وأنا هذا اليوم هو يومي اليوم يجب أن أقف واخدم ولمثل هذا اليوم ادخرنا لا تقصروا في خدمة هذا الشعب لا تقصروا في الإيفاء بالتزاماتكم تجاه هذا الشعب وقدموا له كل ما تستطيعون ، يستنهض همم إخوانه بمثل هذه العبارات وكان في مقدمتهم ولم يتخلف عنهم .
 

مسؤوليات ومظلومية كبيرة ..

هذه سمات قيادية ومهمة استطاع عزيز العراق من خلالها ان يؤسس لواقع مهم وان يربي جيل من المخلصين الأكفاء المثابرين المجاهدين في سبيل الله الذين يصلون الليل بالنهار من اجل خدمة هذا الشعب الكريم ونتيجة لقوة هذا الرجل وحرصه على المشروع الوطني في العراق توجهت له السهام والنبال من القريب والبعيد قد يكون البعيد هو عدوا وخصم ولا عتب عليه لكن احياناً حتى القريبين ايضاً كانوا يشعرون انه منافس لهم كانوا يشعرون ان عزيز العراق قوته تترك آثار وتؤثر بشكل من الأشكال على مساحاتهم او عملهم او حركتهم فلذلك كنا نجد مظلومية كبيرة في الأروقة الخاصة وفي وسائل الإعلام في طبيعة تناولها لهذه الشخصية الكريمة فعاش غريباً ورحل الى ربه غريباً ولكنه معروف في السماء لأن العبد الصالح والإنسان المتقي في السماء يعرف أكثر من الأرض وكان يحمل مسؤوليات كبيرة في الوقت الذي كان فيه حكومة ووزراء الائتلاف العراقي الموحد وهو زعيم الائتلاف فكل الأخطاء وكل الإشكاليات والتلكؤات كانت ترمى بوجه عزيز العراق وحينما يكون هناك انجاز يسجل لآخرين وحينما تحصل كبوة ومشكلة ترمى بوجه عزيز العراق وكان يتحمل ويصبر ويعض على الجراح ويلم الأطراف ويسعى ان يدفعهم للهدف الأساس والمحوري وهو خدمة هذا الشعب وتثبيت ركائز هذا المشروع الوطني ، اليوم يقف كثيرون يستذكروا عزيز العراق ويتحدثوا بمناقبه ويتحدثوا عن صورة أخرى غير تلك الانطباعات التي كانوا يحملونها في ذلك الحين ويبدوا ان هذه سنة الحياة لأننا لا نعرف قيمة رجالنا الا حينما نفقدهم في كثير من الحالات هكذا تكون الأمور ، رحل شهيد المحراب وعرف الكثيرون قيمته بعد رحيله ورحل عزيز العراق وبعد رحيله عرفوا قيمته وهكذا علينا ان ندرك أهمية هذه الشخصيات الكريمة ودورها المهم في بناء هذه التجربة الرائدة .
 

تكملة رسالة الحقوق للإمام السجاد ..

نرجع الى رسالة الحقوق والدروس البليغة لأمامنا السجاد (ع) كان حديثنا في حق الله على العباد وهي العبادة كما ذكرنا (( فأما حق الله الأكبر فأنك تعبده لا تشرك به شيئا فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه ان يكفيك أمر الدنيا والآخرة)) وتحدثنا في الليلتين الماضيتين عن هذا الحق العبادي ، وحقيقة العبادة وأركان العبادة ولا بد لنا ان نواصل الحديث في أنماط العبادة ، ما هي الأنماط للطاعة وللعبادة ما يشير إليه القرآن الكريم هناك نمطين من العبادة ونمطين من الطاعة .

1-    الطاعة الجبرية ، الطاعة التكوينية لا مجال للعصيان في هذا القسم من أقسام الطاعة ، السماء والأرض وكل الكائنات تطيع الله سبحانه وتعالى ، وهذا يعني ان الله سبحانه وتعالى جعل نظام لهذا الكون كل الموجودات وكل الكائنات خاضعة لهذا النظام لا تتجاوزه وحتى الإنسان في حركة أعضاءه مثل التنفس وهو بغير اختيار الانسان بل هذه الأعضاء تتحرك من تلقاء نفسها البدن يهضم الطعام والكبد والكلى وكل عضو له مهمة معينة ليس باختيار الإنسان ، الانسجام مع النظام الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لهذا الكون هذا ما نعبر عنه بالطاعة التكوينية او الطاعة الجبرية ، يعبر عنه بالسجود والخضوع لله سبحانه وتعالى ، لاحظوا في سورة الرعد الآية 15 (( ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرها )) الطاعة الطوعية وهذا ما سنتحدث عنه ، والطاعة الجبرية ، كرها  ، النظام يحكم الجميع ولا احد يستطيع ان يتخلف عن هذا النظام الكوني الذي وضعه الله سبحانه وتعالى (( وظلالهم بالغدو والآصال )) حتى الظل يسجد لله سبحانه وتعالى بالغدو أي عند الصباح وفي الآصال عندما ينكسر الضوء عند الأصيل حتى الظل يسجد وهو ليس وجود واضح وإنما هو انعكاس لوجود ، كله ساجد لله سبحانه وتعالى بمعنى الخضوع لإرادة الله في سورة الحج الآية 18 (( الم ترى ان الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب )) ليس فقط الإنسان و ليس فقط الحيوان ليس فقط النبات بل حتى الجماد كل الكائنات كل موجود ان كائن حي او لم يكن فانه يسجد لله سبحانه وتعالى ، ماذا يعني الجبل يسجد والليل والنهار يسجد القمر والنجوم تسجد هذا السجود هو الخضوع لإرادة الله وللنظام الذي جعله الله سبحانه وتعالى في هذه الأرض ، (( وكثير من الناس )) وما دام كثير وليس كل فهذا معناه ان هناك طاعة أخرى وهي الطاعة الاختيارية أي السجود الاختياري (( وكثير حق عليه العذاب )) وكثير من الناس ايضاً لا يسجدون يعصون الله سبحانه وتعالى (( ومن يٌهن اللهٌ فما له من مكرم )) يعني الله يهين العاصي بمعصيته ، المعصية ذل وهوان ، الله سبحانه وتعالى يذل من تصدر منه المعصية ، وبعد لا كرامة ولا عزة لمن يصدر منه الذنب والمعصية العزة والكرامة في عبودية الله سبحانه وتعالى الشموخ في الخضوع لله سبحانه وتعالى كلما كنت أكثر خضوعاً واكثر ذلة أمام الله كلما كنت أكثر عزة وكرامة هذه هي القاعدة كما نلمسها في القرآن الكريم (( ان الله يفعل ما يشاء )) اذن السجود الجبري الكون كله ساجد ومطيع وخاضع لإرادة الله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن الآية 6 (( والنجم والشجر يسجدان )) وهذا النمط الاول من الطاعة وهناك النمط الآخر من الطاعة وهو الطاعة الاختيارية والتي سيأتي الحديث عنها .