كان حديثنا في الليالي الماضية عن منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية وذكرنا ان وضع الإطار العام للحقوق بين الإنسان وربه بين الإنسان ونفسه بين الإنسان والآخرين يمثل المدخل الضروري والأساس لبناء مجتمع قوي ومتماسك منسجم كل من أعضاء هذا المجتمع يعرف حقوقه تجاه الآخرين كما يعرف التزاماته تجاه الآخر وقلنا لا يمكن ان نفكك بين منظومة الحقوق وبين الواجبات والالتزامات اذا قلنا ان طرف ما له حق فهذا يعني ان على الأطراف الأخرى واجب احترام هذا الحق وان يلتزموا بهذا الحق ويعطوا هذا الحق وبذلك فأن منظومة الحقوق تستتبع منظومة الواجبات والالتزامات بين أبناء المجتمع وكان حديثنا في الحق الأول من هذه الحقوق والتي يشير إليها الإمام زين العابدين (ع) في رسالته الشهيرة رسالة الحقوق بقوله (ع) (( فأما حق الله الأكبر فأنك تعبده لا تشرك به شيئا فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه ان يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها )) وقلنا ان حق الله سبحانه وتعالى على الناس هو العبادة ولابد ان تكون هذه العبادة عن إخلاص عبادة خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى لا يشوبها شرك بالله فإذا كملت العبادة الخالصة حينذاك الله اخذ على نفسه ان يعطيك ما تحب من خير الدنيا والآخرة وتحدثنا في عدة ليالي عن حقيقة العبادة وأركانها وأنماط العبادة الى غير ذلك وتحدثنا أيضا عن الإخلاص وهو الشرط الأساس والضروري في قبول العبادة بقي ان نتحدث عن الموانع التي تقف بوجه الإخلاص والآفات التي تأكل الإخلاص وتضيع الإخلاص على الناس علينا ان نتحدث في هذا الجانب .

العُجُب لا يجتمع مع الإخلاص والخشوع..

واحدة من أهم المعوقات التي تقف بوجه الإخلاص هو حالة العجب التي يبتلي بها الإنسان العجب لا يجتمع مع العبادة الخالصة العبادة خضوع وتسليم وانكسار للإنسان أمام الله سبحانه وتعالى  والعجب هو حالة الاعتداد بالذات لذا لا يجتمع الاعتداد بالذات مع الانكسار للنفس بين يدي الله سبحانه وتعالى والخضوع والخشوع المطلوب من الإنسان في علاقته مع الله الاستعلاء والعجب لا يمكن أن يجتمع مع حالة الخضوع والخشوع وحالة التذلل المطلوبة في علاقة الإنسان مع الله سبحانه وتعالى فهذه آفة عظيمة حينما يبتلى الإنسان بالعجب يشعر الإنسان بالرضا والراحة في قرارة نفسه هو له المنة على الله ويعتبر نفسه أدى الحق العبادي ، هذا هو العجب الشعور بالدالة على الله والرضا من العمل  ويرى في نفسه انه حقق ما مطلوب منه وهذه الحالة لا تدفع الإنسان لمزيد من العمل ، الإنسان يشكر الله سبحانه وتعالى على ما وفقه من النعمة   ولكن دائماً يشعر بالتقصير أمام الله كل ما نقدم ليس له قيمة نسبة الى النعم الجزيلة التي تنعم بها الله سبحانه وتعالى علينا فالشعور بالتقصير والحاجة للمزيد من التفرع للعبادة والطاعة هذه هي الحالة المطلوبة لتحقيق الإخلاص في العبادة ، في الصحيفة السجادية للأمام السجاد زين العابدين (ع) في الدعاء العشرين ماذا يقول (( وعبّدني لك ولا تفسد عبادتي بالعجب )) اذن العجب يفسد العبادة ويضيعها ، الإمام السجاد يسأل من الله سبحانه وتعالى ان لا  تفسد عبادته بالعجب وهو يعلمنا بذلك والإمام ليس ممن يصاب بالعجب ولكنه درس لنا ، لاحظوا الآية الشريفة في سورة الكهف الآية 103 وما بعدها (( قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا )) وهنا عبر الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء بالاخسرين وهذا يعني ان هذه الحالة هي اشد حالات الخسران ((قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا )) أعمالهم ضاعت وطاعاتهم مرفوضة (( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) عملهم ضاع وهم متصورين ان هذا هو واجبهم ، ولذلك يصابون بالعجب والرضا لما حققوه ، معروف هذا ذاك العالم الجليل الذي له خدمات كبيرة ومؤلفات حينما ارتحل رآه احدهم في عالم الرؤيا وسأله عن حاله فقال له مرت علي ظروف صعبة فتعجب هذا الرجل من قوله فقال كيف قال لما ذهبت روحي الى النشأة الأخرى جاء الملكان المقربان ليسألان عن أعمالي وبدأت اذكر لهم سنوات صلاتي وإمامتي للجماعة ولكن اتضح ان هذه الأعمال كلها مرفوضة بسبب حالة العجب والرضا بتلك الأعمال ، يقول فذكرت لهم مؤلفاتي  العديدة واذا بها أيضا طالتها حالة العجب فضاعت كل هذه الأعمال وهنا يقول طأطأت برأسي ، وهنا ذكر له الملكان ان هناك عمل لم تذكره وهو في غاية الأهمية انك في يوم ما اشتريت فاكهة وأثناء مرورك في الطريق صادف ان مر بك يتيم ووقفت وقبلته وأعطيته من الفاكهة وأدخلت السرور على قلبه وكان هذا العمل رغم بساطته  ولكن هذا العمل جاء خالصاً لوجه الله يخلوا من العجب وهذا العمل كافي لان يدخلك الجنة .

 

العجب يفسد العمل ..

العجب يفسد العمل ويضيعه على الإنسان ((قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا )) من يصاب بالعجب الله لا يضيع عمل العاملين فمن يعمل لدنياه يعطيه بدنياه والذي يعمل للآخرة يعطيها في الدنيا والآخرة ، عن النبي (ص) ثلاث مهلكات (( شح مطاع )) ترى ان عائلة البخيل في عناء وكذلك الناس الآخرين المحيطين به ، والشح المطاع يعني انك قد ترى انسان في نفسه شح وبخل ولكنه غير منسجم مع هذه الحالة يحاول جاهداً ان يكسرها وتجد آخر بخيل وممسك في ماله وخلقه ، الشح والبخل ليس دائماً في المال أحياناً يكون في السلوك ، البخيل حينما يتماشى الإنسان مع هذه الظاهرة فهو هالك كما تشير هذه الرواية عن رسول الله (ص) ، (( وهوى متبع )) ، تجد ان كل إنسان لديه نزعات تجاه الشهوات ولكن هل هو متبع لهذه الشهوات ام يقف بوجهها فإذا اتبعها فهذا هو الهلاك وإذا وقف بوجهها وكانت لديه الإرادة القوية ينجو ، (( وإعجاب المرء بنفسه )) حينما يصاب الإنسان بالإعجاب وهذا هو الهلاك كما يشير الرسول (ص) ، وفي رواية أخرى عن رسول الله (ص) (( لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو اكبر من ذلك العجب )) العجب  اكبر من المعصية نفسها اكبر من الذنب نفسه فقد تذنب وتستغفر الله عز وجل ولكن قد لا تصدر منك المعصية لكن تصاب بالعجب كونك لا يصدر منك الذنب فتعجب بنفسك ، لاحظوا في نهج البلاغة الحكمة 46 عن علي (ع) (( سيئة تسوئك خير عند الله من حسنة تعجبك )) السيئة حينما تراها خطأ تتجنبها وتبتعد عنها وإذا ارتكبتها (لا سامح الله) فيتجاوز الله عن السيئات ولكن المشكلة انها اذا كانت حسنة ووقعت في الإعجاب بها ولا تعالج المشكلة فيضيع العمل ، في الكافي الجزء الثاني صفحة 214 عن الإمام الصادق (ع) (( دخل رجلان المسجد احدهما عابد والآخر فاسق فخرجا من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق وذلك انه يدخل العابد المسجد مدلاً بعبادته فتكون فكرته في ذلك وتكون فكرة الفاسق التندم على فسقه ويستغفر الله مما صنع من الذنوب  )) يدخل الفاسق للمسجد مطأطأ الرأس ليس لديه ادعاء وليس له دالة على احد وجاء بقلب منكسر وعين باكية متواضع وفي حالة من الإذلال أمام الله سبحانه وتعالى فيغفر الله له فيخرج صديقاً أما العابد فنتيجة لحالة العجب التي يصاب بها يضيع عمله فيخرج فاسقاً وهذه هي المفارقة الكبيرة ، في نفس المصدر عن رسول الله (ص) (( ان الله تبارك وتعالى خاطب داود يا داود بشر المذنبين وانذر الصديقين قال كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين

 

العجب بالحسنات مهلكة ..

قال الله تعالى يا داود بشّر المذنبين بأني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب ، بشّر المذنب حتى ترجعه إلى صوابه ، لنعود إلى الله ، الله تعالى يصفح عنا ويغفر ، "وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم " هؤلاء الصديقين  الذين تكون أعمالهم كبيرة وعباداتهم عظيمة عليهم أن لا يفسدوا عملهم بالعجب " فانه ليس عبد يعجب بالحسنات الا هلك " ، عن علي بن سويد عن أبي الحسن الكاظم (ع) ، سألته عن العجب الذي يفسد العمل فقال (ع) " العجب درجات منها أن يزين للمرء سوء عمله " من مراتب العُجب أن العمل يزين للإنسان ويراه لطيفا " فيراه حسنا فيعجبه " يأخذه العُجب بعمله وعبادته " ويحسب أنه يحسن صنعا " وهنا الإمام استخدم نفس مفردات الآية الشريفة " قل هل أنبئكم بالاخسرين أعمالا" ، " ومنها أن يؤمن العبد بربه  فيمن على الله (عز وجل) " ولله عليه فيه المن " ، يتباهى ويتحدث انه صلى صلاة الليل وقدم هذا المبلغ للفقير الفلاني  وأنهينا المشكلة الفلانية لفلان من الناس ، يعجب بها ويجمل لله فيما ان لله الفضل والمنة . عن اسحق بن عمار عن الإمام الصادق (ع) قال " أتى عالم عابداً فقال له كيف صلاتك فقال (العابد) مثلي يسأل عن صلاته " كيف تسألني وأنا العابد وقضيت حياتي كلها في الصلاة ، اذهب واسأل إنسان بسيط  " فقال وكيف بكائك ، قال أنا أبكي حتى تجري دموعي من خشية الله " وأخذ يشرح له عن الدمعة وكيف تنزل وما الى ذلك ! فقال له العالم " فان ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل على رب العالمين ، ان المدل لا يصعد من عمله شيء " مادام  مصاب بالعجب لا يصعد من عملك شيء ، اذن العُجب يبدأ بتناسي المعصية بتناسي العمل السيئ ، وهذه هي الخطوة الأولى والخطوة الثانية حالة الشعور بالعجب والرضا والمنة على الله تعالى لأنه قام بهذا العمل أو ذاك ، وقد يسأل سائل ما هو الفرق بين العجب وبين التكبر ، المتكبر أيضا عنده اعتداد بنفسه ، العجب أيضا حالة الاعتداد بالنفس ، والفرق بين العجب وبين التكبر هو في إظهار هذا الاعتداد بالذات ، المتكبر يظهر ذلك ، يرى نفسه اكبر من الناس في حركاته وسكناته ، أما العجب والمعجب بنفسه يرى في قرارة نفسه أنه أحسن من غيره ولكنه لا يظهر ذلك للآخرين ، قد يظهر نوع من التواضع ولكنه في الواقع يرى نفسه الأفضل ، الآخرين عملهم غير صحيح ولكنه فقط عمله صحيح ، إذن الفرق بين التكبر والعجب تكون في طبيعة إظهار ذلك وليس في أصل الحالة والمًلًكًة النفسية والعياذ بالله .

 

الرياء .. الشرك الأصغر ..

المشكلة الأخرى التي تصيب المخلصين والتي دائما يقع بها الإنسان المطيع لله تعالى وينخر حالة الإخلاص هي حالة الرياء ،  أن يرائي الإنسان ، أن يتظاهر بالعبادة ولكن في قلبه ليست الأمور كذلك ، اذا كان لوحده تكون صلاته كنقر الغراب ، ولكن اذا كان معه عدد من الأشخاص وهم ينظرون ويسمعون تراه في حالة معينة ويكون متأنيا في القراءة ، الله يرى الصلاتين ، الصلاة الأولى بشكل والثانية بشكل مختلف ، اذن هذه الصلوة ليست لله وإنما للآخرين ، إظهار الإنسان نفسه متعبدا طائعا ، وهذه الأيام هناك موضة بان يأخذ التربة يحميها ويضعها على جبينه حتى يكون من يراه يعتقد انه يقضي الليل في سجدة تستمر ساعات ، هذه العملية وضع التربة الحامية على جبينك يمكن ان تمررها على عدد من الناس البسطاء ولكن هل يمكنك ان تمررها على رب العالمين ، وهناك الكثير من التصرفات التي يحاول البعض إيهام الناس بتدينهم ، لحية طويل وسبحة وعدد من المحابس ، وكأن هذه الأمور هي المقياس والعيار للتدين والالتزام بهذه الأمور ، في سورة الماعون " ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون " متساهلون في صلاتهم وليسوا معطين وزن وقيمة لصلاتهم  " الذين هم يراءون " يراءون يعني يتظاهرون  خلاف الواقع " ويمنعون الماعون " يمنعون الآخرين من ضروريات حياتهم ، يمنع الناس من حقوقهم ، وهؤلاء ويل لهم ، يصلي في وقت الدوام وفي وقت حاجة المواطن له لتمشية معاملته ، تذهب للصلاة وتترك المواطنين ساعة او ساعتين في الحر ، حتى يقول الناس ان فلان يصلي ، وهذا يؤدي ان يكره الناس الصلاة اذا كانت  تعطل مصالح الناس  ، في سورة النساء آية 142 " ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم " يريدون أن يخدعوا الله ولكن الله يخدعهم ، بلاء يقع فيه الانسان حينما يتظاهر خلاف الواقع " واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى " اذن هذا لايصلي عن اندفاع ورغبة ولكنه يريد أن يخدع الآخرين  " يراءون الناس " الغرض من صلاة هؤلاء هي المراءاة " ولا يذكرون الله الا قليلا " ليس عندهم توجه حقيقي نحو الله سبحانه وتعالى ، في سورة البقرة آية 262 " ياءيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " لا تمنوا على الشعب في أي تقدم لهذا الشعب لأنها من أموال هذا الشعب ، الفضل لله تعالى والفضل لهذا الشعب ان اختار فلان وفلان وأصبح مسؤول ووزير وأمير حتى يخدم الناس ، " كالذي ينفق ماله رئاء الناس " الرئاء المرآة من الرؤية ، يعطي وينفق أمواله حتى يقول الناس انظروا لفلان كم يصرف وينفق ويطعم الفقراء ، هدفه الأساس ليس خدمة الناس وليس في سبيل الله وانما من اجل الحصول على السمعة ، " ولا يؤمن باليوم الآخر" الدافع شخصي حتى يمتدحه الناس " فمثله كمثل صفوان " الصفوان الصخرة الملساء الصلدة ، " عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا "   تصاب بمطر شديد تغسل التراب وسوف تظهر الصخرة كما كانت من قبل ويضيع العمل " لا يقدرون على شيء مما كسبوا " اذن عملك هباء وفاشل ، أنت يا مرائي ويا من تعمل من أجل السمعة حتى هذه السمعة لن تحصل عليها وسوف ينكشف أمرك ، اعمل لله والله تعالى هو الذي يجلب لك السمعة ، " من أحبه الله ألقى الله محبته في قلوب الناس" عندما تعمل لله فسوف يلقي محبتك في قلوب الناس ، ولكن لو تصرف مليارات من اجل ان يحبك الناس  تنكشف على حقيقتك في أول قضية كذلك الذي يزرع على الصخر " والله لا يهدي القوم الكافرين " عن رسول الله (ص) " ان أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال (ص) هو الرياء ، وعبر عنه في روايات أخرى بالشرك الخفي  ، ويمثل بالنملة السوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ، من يستطيع ان يراها وهكذا هو الرياء الذي يصاب به الإنسان .

إذن الإخلاص يواجهه العُجب ويواجهه الرياء ، اذا أردنا العبادة الخالصة يجب أن نتجنب العجب والرياء .