كان حديثنا في الليالي الماضية عن نظرية الحقوق وفق الرؤية الإسلامية وقلنا ان البحث عن مجتمع قوي ومتماسك لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال منظومة واضحة للحقوق والالتزامات بين أبناء المجتمع . وقلنا ان نظرية الحقوق تعم لتشمل علاقة الإنسان مع ربه وعلاقة الإنسان مع نفسه وعلاقة الإنسان مع الآخرين .
وقد استشهدنا الليلة الماضية بنموذج راق من نماذج  الإنسان المتألق كما ورد في سورة الإنسان آية 8 و 9 " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " ، واستعرضنا عن ابن عباس ان هذه الروايات الشريفات قد وردت بحق علي وفاطمة والحسن والحسين وفضة وهي جارية لهم ، هؤلاء الخمسة الذين صاموا لثلاثة أيام وكل ما حان وقت الإفطار طرق الباب سائل أو يتيم أو أسير فقدموا له الطعام وبقوا لثلاثة أيام يفطرون على الماء .

الطاعة لوجه الله ..

هذا العطاء من أجل الله النموذج المتميز في ان يقدم الإنسان كل ما في يديه ومن الجود بذل الموجود ، حينما لا يكن لهم الا هذا الطعام يقدموه للسائل واليتيم والأسير ويؤثرون على أنفسهم في ذلك ، هناك ما ورد في سورة الليل آية 17 وما بعدها " وسيتجنبها الأتقى " ، التقي الصالح الورع المطيع لله تعالى سيتجنب نار جهنم يتجنب ويبتعد عن العذاب ، ومن هو هذا المتقي والورع " الذي يؤتي ماله يتزكى " الذي ينفق  من ماله ويعطي ما لديه من أجل ان يطهر وان  يطهر ذلك المال   " ومال احد عنده من نعمة تجزى " أحيانا قد يكون الإنسان مستدان ويوفي دينه والتزامه ، الإيفاء بالالتزامات شيء طيب ومكرمة أخلاقية ولكنه يبقى واجبي وواجبك إن إذا تدايننا من احد علينا إيفاء ذلك الدًين ، وتارة أخرى ان الآخر لا يطلبك في شيء ومع ذلك تنفق عليه وتعطيه ، " ومال احد عنده " وهذا المتقي يعطي من ماله ليطهر نفسه وماله من دًين لأحد حق عليه " ومال أحد عنده من نعمة تجزى " ليس هناك من نعمة واجبة الجزاء والإيفاء حتى يعطي ،  وهذه هي المنقبة والكرامة ، إذن لماذا يعطي وينفق اذا لم يكن هناك حق للآخرين عليه ، " إلاّ ابتغاء وجه ربه الأعلى " هو يعطي ابتغاء وجه الله ، يريد رضا الله ويريد الكمال من خلال هذا العطاء والجود والإنفاق ، " ولسوف يرضى " وكأن الله تعالى يقول يا عبدي أنت أردت رضاي وأردت وجهي أعطيك مقام الرضا ، تصل الى منزلة الرضا ، الله يرضى بك ويرضى عليك ، وأنت ترضى بما انعم الله تعالى عليك ، اذن هناك من يطيع الله طلبا للجنة ويعطيه الجنة ، وهناك من يطيع الله خوفا من النار والله يمنع عنه النار ، وهناك من يعبد الله لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار وإنما شكرا وطاعة والتزاما وحبا لوجه الله تعالى ، كما لاحظنا في هذه الآيات الشريفات  من سورة الليل أو من سورة  الإنسان  ، " إنما نطعمكم لوجه الله" هكذا ورد في سورة الإنسان ، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ، وفي سورة الليل " الا ابتغاء وجه ربه الأعلى " وهؤلاء  لا يكتفي الله تعالى بان يعطيهم الجنة ويكفيهم لنار وإنما يمنحهم مقام الرضا " ولسوف ترضى " ومقام الرضا والقرب الإلهي ، والجوار الإلهي وان يكون الإنسان شاهدا وحاضرا في المحضر الربوبي وهذه منزلة ومقام أسمى من الجنة يعطيه الله تعالى لهؤلاء الذين يعطون ليس لشيء وإنما لوجه الله تعالى ، وبما أن أهل البيت (ع) هم المصداق البارز والواضح لحالة الإنسان الكامل الذي يقدم كل شيء لوجه الله ومن اجل الله ورضاه جاء الأمر الإلهي بإتباعهم والالتزام بنهجهم " إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا " ، هذا الذي يعطي كل وجوده من أجل الله وليس عنده أي اعتبارات أخرى حتى لمصلحته الأخروية ، لم يضع الجنة ولا تجنب النار أمامه بل يريد الله تعالى بعيدا عن كل هذه الاعتبارات ، السير وراءه والالتزام بنهجه يأخذك الى الهدى والرشاد ، ليس في هذا الطريق ضلالة او انحراف ولابد من التمسك بهما كتاب الله وهل البيت (ع) .

 محاسبة النفس قبل يوم الحساب ..

الموضوع الآخر في تبيان هذا الحق وهو النفس هو موضوع محاسبة النفس ، هذه النفس تحتاج الى مراقبة ومحاسبة ومعاتبة والى إعادة تقويم حتى يحرز الطهارة والنقاء ، دائما الانحراف يبدأ من زاوية بسيطة ثم يأخذ مديات أوسع ، طريق الإلف ميل من الصلاح يبدأ من الميل الواحد من خطوة واحدة وطريق الألف ميل من الضلال يبدأ من خطوة واحدة ، ثم تتلوها خطوات ولكن الذي يراقب ويحاسب ويراجع نفسه ، الخطوة الأولى نقطة سوداء في القلب على الإنسان ان يمسحها فورا ويستغفر رب العالمين  حتى يرجع قلبه ابيض نقي ، لكن اذا لا سامح الله اخطأ الإنسان خطا آخر ووقع في مشكلة ، أيضا بالمحاسبة يرى هذه النقطة السوداء ويمسحها بالاستغفار حتى لا تصبح نقطتان أو ثلاثة او أكثر ، وان من شان ذلك أن تحصل لدى الإنسان حالة المناعة من الوقوع في الحرام  ، فالقلب يجب ان يبقى طاهر نظيف وأي نقطة سوداء يحرص الإنسان على تنظيفها بالمحاسبة والمراجعة . لاحظوا في وصية رسول الله (ص) لأبي ذر (ع) " يا أبا ذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب " عليك ان تبادر ، إذا كان هناك التزامات عليك ادفعها ، اذا كان هناك حقوق للناس عليك يجب ان توفيها ، استبق الحدث دائما وعاتب نفسك قبل ان تعاتب ، " فانه " عندما تحاسب وتعاتب نفسك " " فانه أهون لحسابك غدا "  وكأن رسول الله يقول يا ابا ذر حاسب نفسك وراجع أمورك يكون أفضل من الحساب في يوم القيامة لان ذلك الحساب يكون عسيرا ، "وزن نفسك قبل أن توزن " ، على الإنسان ان يزن نفسه ويقيمها ويراجعها قبل يوم الحساب ، " وتجهز للعرض الأكبر " استعد ليوم القيامة ، نلاحظ فريق كرة القدم يتدرب قبل يوم المباراة وكذلك الطالب يجد ويقرأ قبل يوم الامتحان ، يوم القيامة يوم عسير ، " يوم تعرض لا تخفى منك على الله خافية " كما ذكرنا يوم أمس " كتابا يلقاه منشورا " كتاب مفتوح كل التفاصيل موجودة ومستحضرة ، سوف تظهر يوم القيامة بكامل حقيقتك ، وعليك الاستعداد التام لذلك ، المشكلة انك لن تظهر أمام الله فقط ولكن سوف تظهر أمام كل الخلائق  ، إلى أن قال " يا أبا ذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه " الرسول يوصي أبا ذر ان يقسي على نفسه أكثر من قسوة الشريك لشريكه ، ثم يعطي الرسول الأكرم الشواهد بقوله " فيعلم من أين مطعمه " من أين تأكل ومن أين أتيت بالمال لشراء هذه اللقمة ، لقمة الحلال تؤدي إلى طهارة ورقة في القلب والى  نزعة نحو الطاعة ، أما لقمة الحرام فإنها توجد حجاب على القلب وتعمل قسوة ، الإنسان يريد أن يقرأ القرآن تراه غير مقبل على ذلك ، وغير مستأنس بالصلاة ، يريد ان يدعي ولكن باله في مكان آخر ، ترى قلبه يدلّه الى المشهد والمكان الحرام ، والسبب هو أثر الحرام  في وجود الإنسان ، " ومن أين مشربه ومن أين ملبسه "   عليه أن يعرف أنه  يشرب الشراب الحلال ، على الإنسان وعلى الشباب أن يقف أمام المرآة ويقيّم ملبسه فإذا ذكر الآخرة فهنيئا له وإذا كان شيئا آخر فليعرف أن هذا الشيء غير صحيح ، الملبس والمظهر مسالة مهمة جدا ، طبعا الشاب والروح الشبابية مفهومة ولكن أيضا يجب  أن يكون السياق العام لا يخرج الإنسان عن سمات المؤمنين  ، سمات الصالحين ، اليوم هناك قصات شعر بتأثير المسلسلات الممثلات والممثلين الأجانب ، وهي حالات فيها تشويه لمنظر الإنسان ، " أمن حلال أم من حرام " ، هذا الأكل والملبس مصدره من حلال أم من حرام  ، دقق في التفاصيل في المأكل والمشرب والملبس ، ويجب عدم التساهل في هذه الأمور ، رسول الله يوصي الدقة في التفاصيل ، " يا أبا ذر من لم يبالي من أين اكتسب المال " بعض الناس كان فقيرا قبل مدة قصيرة وإذا به فجأة يملك البيوت والسيارات والخدم والحشم ، " لم يبال الله من أدخاله النار "  مادمت غير مبال في مصادر المال فان الله تعالى  لا يبالي في إدخالك النار ،   وحاشى لله ان يظلم أحدا ولكن كأن رسول الله يقول ان من يتساهل تكون حصيلته الضياع والعذاب ونار جهنم . الإنسان بحاجة الى مراجعة يومية ، يقول الإمام الكاظم (ع) " ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فان عمل حسنا استزاد الله ومن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه" ، هذه التوبة اليومية تجعل الإنسان مستقيما في عمله وحياته .

عن الإمام الصادق (ع) "  إذا أراد أحدكم أن لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم " أحيانا تعرض علينا خدمات من أناس لا نعرفهم ، لا مؤثر في الوجود الا سبحانه وتعالى ، أيها الإنسان عليك بالتواصل والانفتاح على الآخرين وبناء العلاقات معهم حاول ان تصل الى مبتغاك بوسائل طبيعية ولكن لا يصبح عندك شعور في يوم من الأيام انك بشطارتك حققت ما تريد ، الله تعالى هو الذي يجعل هذه الأسباب مؤثرة ، وأحيانا لا تكون مؤثرة بإرادة الله ، المهم علينا ان ننظر بان الله بيده كل شيء ، " فإذا علم الله جل وعز ذلك من قلبك " اذا رأى الله تعالى بان قلبك عليه ، وليس لك عين على الناس وتقول له يا الهي أريد هذا الأمر منك ، إذا تحققت فأنت القادر عليها وإذا لم تتحقق  فهذا معناه ان نيتي غير خالصة ، وإذا رأى الله ذلك في قلب ذلك الإنسان  لم يسأل الله شيئا الا أعطاه ، يقول عبدي أنت انقطعت عن الآخرين ووضعت رجائك في ّ وأنا أحقق لك مبتغاك ومطالبك المشروعة ، " فحاسبوا أنفسكم قبل ان  تحاسبوا عليها " أنت حاسب نفسك وانظر هل عندك النية الصالحة المخلصة ، هل ترتجي رحمة رب العالمين أم تنظر للآخرين  " فان للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقداره ألف سنة  " ثم تلا قوله تعالى " في يوم كان مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون "  لذلك المقام يكون عسيرا وعليك ان ترتب أوضاعك حتى تدخل على الطريق المستقيم الآمن ، هناك في الآخرة إذا كنت في وضع حسن ومستعد للحساب بالشكل الذي يرضي الله تعالى فان أمرك هيّن وتسير نحو الجنة  بسهولة ويسر ولكن إذا كانت لديك تبعات ستكون في مأزق .

 العاقل له ساعات ..

 عن رسول الله (ص) قال " وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا " العاقل الحر والذي يتحرك بإرادته " أن تكون له ساعات " أن ينظم وقته في عدة مجالات  ، لا تدع الأيام تمضي دون الاستفادة من وقتك ، نظم وقتك يا إنسان يا عاقل ، " ساعة يناجي فيها ربه "،  ساعة لله يجب ان تكون العلاقة مع الله وثيقة ، إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها بلا سبب ،  " وساعة يتفكر فيها صنع الله إليه " على الإنسان ان يفكر ويتأمل ، الإنسان العاقل لا ينظر للأمور نظرة بسيطة ، دائما يقرأ ما بين السطور ، ويفهم الأمور بعمقها ، وهذه يحتاج لان يجلس الإنسان ويفكر في نعم الله تعالى وكيف يستفيد منها ، " وساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال " اجعل وقت للراحة ، تقضي وقت مع عائلتك وتجلس في مجلس فيه مزحة بالمعروف ، تحتاج الى وقت للترويح ، " فان هذه الساعة عون لتلك الساعات " ساعة تعمل بها وساعة تتعبد فيها وساعة تتفكر فيها ، وتحتاج الى ساعة لترتاح فيها بالحلال وبالمعروف بالموازين الشرعية ، " واستجمام للقلوب " القلب يحتاج الى راحة والى استجمام " وتفريغ لها " يجب ان يفرغ الإنسان هذه الشحنات الجدية والعمل الدؤوب من الشد ، الإنسان بحاجة الى ترويح .

الرؤية بعيدة المدى ..

في رواية أخرى عن الإمام العسكري في تفسيره عن آباءه عن علي عن النبي (ص) وهذه الروايات المروية عن الأئمة المعصومين عن النبي تسمى بالروايات الذهبية " أكيس الكيّسين " أذكى الأذكياء ، " من حاسب نفسه لما بعد الموت " وهذا مبدأ عام ليكن لديك بعد نظر ولا تبقى تفكر في يومك بل فكر بقادم الأيام  ، ليكن لديك تخطيط ، التخطيط الستراتيجي بعد 10 سنوات الى أين ،  وهذا يختلف عن الأماني الطويلة التي تحرف الإنسان عن مساره ، نحن نتحدث  في خط الطاعة ، أنت كجماعة في شركة في مصنع أو في أي مكان ، نحن كبلد يجب أن نعرف العراق الى أين خلال عشر سنوات او عشرين او خمسين سنة قادمة ، عندما تقول إننا لا نعرف ماذا نعمل يوم غد ، وهذا هو الخطأ لان من شان ذلك ان تبقى سياستنا سياسة إطفاء النيران ، نعمل بخطط قصيرة الأجل وحل المشاكل والأزمات وقت حدوثها دون المعالجة الجذرية لها ،  ونبقى دائما في دوامة وتمر السنوات ولا تجد خدمة ونصرف المليارات ولا تأتي الكهرباء ، لا توجد خطة ولا رؤية واضحة بعيدة الأمد ، رسول الله يقول ليكن لديك بعد نظر في حياتك وانظر للمستقبل وليس ليومك فقط ، "فقال رجل يا أمير المؤمنين كيف يحاسب نفسه قال (ع) اذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال يا نفسي ان هذا يوم مضى عليك  لا يعود إليك أبدا الله يسال عنه بما أفنيته فما الذي عملت فيه ، أذكرت الله أم حمدته ، أقضيت حوائج مؤمن فيه ، أنفّست عنه كربه ، أحفظتيه في ظهر الغيب في أهله وولده ، أعنت مسلما ، ما الذي صنعت فيه ، فان ذكر انه جرى منه خير حمد الله وكبّره على توفيقه ، وان ذكر معصية وتقصيرا استغفر الله  وعزم على عدم معاودته " .