في الليلة الثانية من الليالي المنسوبة لسيدنا ومولانا سيد الوصيين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين علي بن ابي طالب (ع) هذه الليالي الحزينة المؤلمة التي نستذكر فيها فجيعة المصاب بسيدنا علي (ع) كنا قد تحدثنا في الليلة الماضية واستعرضنا العديد من النصوص والروايات الواردة عن رسول الله (ص) في فضل علي (ع) وفي الخصال التي توافرت في علي وهي خصال الانبياء وما شبهه رسول الله (ص) بالعديد من الانبياء في خصالهم وقلنا ان علي (ع) في حياته الرسالية مر بأربعة مراحل ..
المرحلة الاولى هي السنوات العجاف التي كان فيها في ركاب رسول الله (ص) قبل الهجرة في مكة المكرمة 13 عاما قضاها مع رسول الله (ص) في عملية الدعوة والإرشاد والتبشير بالرسالة الإسلامية والمرحلة الثانية السنوات العشر التي قضاها علي مع رسول الله (ص) في تأسيس الكيان الإسلامي في مدينة رسول الله الى حين وفاة الرسول الكريم والمرحلة الثالثة هي ربع قرن مرت على علي (ع) من حين وفاة رسول الله لحين تسلمه الخلافة والمرحلة الرابعة هي التجربة السياسية للأمام امير المؤمنين (ع) في ادارة دفة الحكم واستمرت اربع سنوات .

 علي (ع) ..شخصية عملاقة وتحديات كبيرة

حينما ينظر الانسان الى شخصية عملاقة والى اسطورة بحجم علي (ع) مع قطع النظر عن الجوانب الغيبية والمعنوية والعدالة المطلقة التي نعبر عنها بالعصمة لعلي (ع) كما نعتقد ، لو اردنا ان نضع هذه الابعاد جانبا ، شخصية بحنكة علي وبعلمه وبحلم وشجاعة علي بخبرة علي ، بطبيعة الظروف والتحولات التي مرت على علي (ع) خلال هذه العقود من الزمن وتراكمت لديه الخبرة وهو يتعلم من رسول الله (ص) منذ نعومة اظفاره ومنذ طفولته الى حين تصدى لأدارة الحكم في السنوات الاربع التي تصدى فيها ، حينما ينظر الانسان الى شخص يمتلك هذه القدرات والطاقات والامكانات الكبيرة يعتبر ان شخص بتجربة علي لابد ان يكون رجل دولة من الطراز الاول ان يكون قادرا على ادارة دفة الحكم بأفضل ما يمكن ولكن حينما نراجع هذه السنوات الاربع نرى مليئة بالحروب والاضطرابات مع الناكثين والقاسطين والمارقين في النهروان والجمل وصفين كلها حروب واضطرابات وكلها مشاكل وتحديات مما تثير استفهاما لماذا لم يستطع علي (ع) ان يهدأ الأوضاع وان يدير البلاد بالشكل المناسب دون ان ينجر الى مثل هذه الحروب الدامية والتي راح ضحيتها اعداد كبيرة من المسلمين في الطرفين ، وما كان يميز هذه الحروب عن تلك الحروب والغزوات التي خاضها مع رسول الله (ص) انها تلك كانت مع الكفار والمشركين ولكن الحروب التي خاضها علي (ع) في مرحلة حكمه كانت مع مسلمين وهذه كانت ظاهرة جديدة طرأت بحكم الظروف والتحولات التي عاشها علي في تلك الحقبة فلماذا لم يستطع علي (ع) ان يقود التجربة الاسلامية دون ان ينجر الى مثل هذه الحروب هذا السؤال مهم وحيوي ويشتد الاستغراب حينما نتعرف على قدرات علي وطاقاته فشخص بهذه الطاقات والقدرات يفترض ان يتمكن من تذليل العقبات وادراة البلاد دون الوقوع في مثل هذه الحروب اذا اردنا ان نستجلي الاجابة على هذا السؤال لابد لنا ان ننظر الى الكتل والخارطة والمشهد الساسي في عهد علي (ع) ماهي الكتل وما هي توجهاتها والتزاماتها وردود افعالها وكان علي هو جزء من كل وكان يتعامل مع مجتمع فلابد ان نتعرف على هذا المجتمع وطبقاته ونسيجه الاجتماعي وتوجهاته السياسية حتى نتعرف على السبب الذي لم يستطع معه علي ان يدير الامور من دون الانجرار الى الحروب .

 الخط الانتهازي ..

اذا اردنا ان ننظر سنجد ان هناك توجه وكتلة سياسية وخط عام كان حاضر في ذلك المشهد يمكن ان نطلق عليه بالخط الانتهازي ، الانتهازيون هؤلاء لا يعرفون ما هي المصلحة العامة وهذا المفهوم غير وارد في قاموسهم وكل ما يعرفونه مصالحهم الخاصة اين هي الامتيازات والفرص والمواقع من يدفع اكثر ، مع أي طرف يمكن ان احصل على مكاسب وامتيازات ومواقع وفرص فأنا من يعطي ، هكذا يقول الانتهازي وهو دائما يصطف مع من يعطيه اكثر ، يبحث عن دنياه يبحث عن مصالحه الشخصية ومصالحه الحزبيه والفئوية ومصالحه الطائفية والقومية هذا هو شأن الانتهازي ، ولعل من ابرز الانتهازيين في حقبة علي (ع) هو عمر ابن العاص هذا كان متفاعل مع علي كان عارف بحق علي في صفين حينما قتل عمار ابن ياسر (رض ) ذكر الناس بمقولة رسول الله (ص) بحق عمار حيث قال تقتله الفئة الباغية وحينما انتشر الخبر والناس كانوا قد سمعوا عن رسول الله (ص) هذه المقالة فحصلت بلبلة في الجيش الاموي في صفين لأنهم تذكروا هذه الرواية وعرفوا ان هذا الجيش هو الفئة الباغية كما عبر رسول الله (ص) واذا به عمر ابن العاص المستشار الخاص لمعاوية ابن ابي سفيان ولم يدخر جهدا في تقديم النصحية وتثبيت اركان حكم معاوية واضعاف علي (ع) نتيجة الاغراءات المادية ، فقد اعطي عمر بن العاص من خراج مصر والمواقع وجعل المستشار الخاص وباع دينه لهذه المواقع والفرص هذا الخط الانتهازي وهؤلاء عادة لديهم خبرات وقدرات حيث يتقربون من السلطة والحاكم ومواقع القرار وهذا ما نراه في كل زمان وفي زماننا ايضا حيث نرى اناس كانوا متصدرين في زمن النظام البائد ويلبسون الزيتوني ويخيف الناس والمواطنين واليوم يلبس المنقط ايضا ،  وكذلك يتأسد على المواطنين كيف حدث ذلك في نظامين مختلفين فذلك النظام نظام ديكتاتوري وهذا نظام ديمقراطي كيف يعود هؤلاء ويتصدرون ويأخذون الواجهات ؟ لا ندري كيف  ؟ هذه هي سمات الانتهازي ، 9 سنوات يتعاقب الوزراء على الوزارات حيث يأتي وزير من جهة اسلامية  ترى ان اللحى تطول وتكثر الخواتم في اليد ثم يذهب هذا الوزير ويأتي وزير علماني حيث تحلق اللحى وترمى السبح ويأتي الى الوزير الجديد ليقدم فرض الطاعة ، وحينما نتسائل عن توجهات هؤلاء نرى ان المصلحة تحركهم ، فاذا كان المناخ ديني فانا اول المتدينين او اذا شيء اخر انا اول هؤلاء الاخرين ايضا وهكذا ، هذه هي سمات الخط الانتهازي ، اليوم المؤمنون في العديد من دوائر الدولة محاصرين وملاحقين ومطاردين ومضيق عليهم من نفس اؤلئك كانوا متصدرين في العهود السابقة ويكتبون التقارير الكيدية على الناس ويمتلك القدرة الاقناعية الكبيرة حيث يصل الى المسؤول ويقنعه من انه هو المخلص والحريص ويفعل ما يفعل من اجل تثبيت اركانه وابعاد كل الخصوم والمنافسين في تلك المساحات ، هذه هي ابرز سمات الخط الانتهازي وكان هذا الخط حاضر بقوة في زمن علي (ع) وهذه كتلة سياسية هي الكتلة الانتهازية .

 خط النفاق ..

الخط الثاني هو خط النفاق ونستجير بالله من المنافقين وهو اشد من الانتهازي لأن الاخير واقف ويعلن عن نفسه اما المنافق فهو كتلة من العقد من الحساسيات من الامراض النفسية يظهر شيئا ويبطن اخر ، خط النفاق هو خط الازدواجية ، خط الدهاليز المظلمة ، خط المواقف العشوائية احيانا المنافق مستعد ان يضحي بمصلحته والمهم لديه ان لاتصل انت ، شخصيا ومن خلال متابعتي اجزم في زماننا جزء مهم من التوترات بين القوى السياسية والاطراف ناتج من هؤلاء المنافقين يهمس في اذن هذا شيئا ويهمس في اذن الاخر شيئا اخر ويوقع الناس بعضهم بالبعض فتتركب المواقف على خلفيات ومعلومات مغلوطة ، ظاهرة النفاق مع الاسف الشديد من الظواهر المتجذرة في المجتمع الاسلامي  منذ اليوم الاول والى يومنا الحاضر ، حينما نراجع القرأن الكريم نجد ان 10% من آيات القرآن الحكيم يعني 600 اية وردت في النفاق ، القرآن وصفة طبيب فدائما العلاج الذي يوصف يكشف عن طبيعة المرض ، القرأن كتاب هداية جاء ليعالج معضلات وامراض اخلاقية واجتماعية يعيشها المجتمع فحينما يكرس القرآن الكريم عشر اياته لمناقشة ظاهرة النفاق حيث يستعرض المنافقين واوصافهم وماهي سلوكياتهم كيف يتعاملون وما هي الطريقة والخطط للتضييق عليهم وكيف نعالج ظاهرة النفاق وهناك سورة نزلت في القرأن الكريم اختصت بظاهرة النفاق هي سورة المنافقين ولكن ايات الذكر الحكيم في شأن النفاق وفي معالجة ظاهرة النفاق مبثوثة في اغلب السور القرآنية ، هذا خط اخر واجهه علي (ع) خط النفاق والعياذ بالله وهذه الكتلة السياسية الثانية في حكومة الشراكة الوطنية لعلي (ع) هذه الكتل خط الانتهاز وخط النفاق .

 خط أهل الحديث ..

الخط الثالث هو خط اهل الحديث خط القشرية والسطحية والنظرة البسيطة للأمور  وهؤلاء يحرمون كل ما لم يكن موجودا في زمن النبي (ص) ، جمود على النص والتقولب بقوالب محددة ، والواقع ان الأحكام الشرعية مبتنية على مصالح ومفاسد فحينما تكون هناك مصلحة يقال ان هذا مستحب وحينما تكون هناك مصلحة اكيدة يقال هذا واجب وحينما تكون هناك مفسدة يقال هذا مكروه وحينما تكون المفسدة اكيدة يقال هذا حرام ، اذن هناك مصالح ومفاسد ورؤية ، وعلمائنا جمعوا الروايات التي تحدثت عن علل الشرائع والفوا كتب في علل الشرائع كيف تأخذون المور على ظاهرها ، ومن مظاهر أهل الحديث في عهد علي (ع) هو أبو موسى الأشعري ، وكان عالما وله كلمة مسموعة في الناس وكان عليه أن يظهر للناس الحقائق وينصر عليا (ع) الا أنه لم يفعل وكانت حجته أنه قال سمعت رسول الله (ص) يقول أنه "ستأتي من بعدكم فتن الماشي خير من الراكب والجالس خير من القائم والقاعد خير من الواقف والنائم خير من الماشي " ونحن مالنا ومال الفتن ! وهذا كلام عجيب ، أي فتنة ، هناك حق وهناك باطل ، وهذا علي بن ابيطالب وهو وصي رسول الله (ص) وأخوه وهذه مكانته ومنزلته وهو لا يدخل في معارك طمعا في قضايا شخصية ومصالح فئوية ، اليوم علي (ع) يدافع عن بيضة الاسلام وعن التجربة الاسلامية ، هذه ايضا ظاهرة من الظواهر التي مرت على علي (ع) وهذه ايضا كتلة أخرى من الكتل السياسية في عهد علي (ع) ، هناك من يقول أن لا علاقة لنا بالسياسة ، ولكن ما هي السياسة ، السياسة نوعان وصنفان ، هناك سياسة المكر والخديعة والتدافع على الدنيا ، ونحن جميعا ضد السياسة من هذا النوع ، ولكن السياسة التي يتحدث عنها علي (ع) حينما يقول " والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر" ، طبعا مثل هذه السياسة غير مقبولة لانها ليست ذكاء او شطارة ، هناك من يمتلك القيم والمباديء والمنظومة الاخلاقية ولكن هناك من لا يمتلك مثل هذه القيم ويفعل ما يريد .
ولكن في المقابل هناك سياسة أخرى وهي المعنى الصحيح للسياسة نطلقها على رسول الله وأهل بيته (ع) " وساسة العباد " في زيارة الجامعة ، أي خدمة الناس والاهتمام بالمصالح العامة والوقوف عند القضايا الاساسية والجوهرية للامة ، احقاق الحق ونصرة المظلوم ، هذه أيضا سياسة ومن يدعي التدين ويقول أنا ليس مع السياسة ، فاي سياسة تنفيها ، اليس أنت مع الناس ومع هموم الأمة ، أين أنت من هذه السياسة في معناها الحقيقي ، أين أنت من نصرة الحق ، اليوم نرى مراجعنا العظام يمارسون هذه السياسة بمعنى هموم الناس ، يتحدثون ويطالبون بالخدمة للناس وحل مشاكلهم ، مرجعنا وعلمائنا يتصدون ، يهتمون بأمور المسلمين ، "من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم " هذه السياسية ، يا متدين أين أنت مما يجري وأين دورك وموقفك ووقفتك مع الحق ، تحت يافطة عدم التخل في السياسة خذل ابوموسى الاشعري عليا (ع) . وهذه هي الكتلة الثالثة التي واجهها علي (ع) ، كتلة اهل الحديث .

 الخوارج ..

الكتلة الرابعة هو خط الخوارج ، الخوارج أناس أشداء ليس لهم مصلحة شخصية ولكنهم (قافلون) كما نعبر في لهجتنا العامية ، هم يرون الحق كما هم يرونه ، لا يدعون مجالا للحوار والكلام والمناقشة ، وهم لا يعيرون المصالح والعناوين الثانوية أي اهتمام ، في الاسلام هناك فقه الاولويات والتزاحم ولكنهم متشددين ومتمسكين برأيهم وأي خطوة غير ذلك لا يؤمنون بها ، نّيته طيبة ولكن فهمه للامور فهم خاص فهو يقفل على حالة معينة وغير مستعد أن يسمع أي شيء آخر ، هذه ايضا ظاهرة أخرى ، اشداء مستعدين للتضحية بانفسهم ويقدمون كل شيء ، لعل بعض الظواهر التكفيرية وليس جميعهم يكونوا من هذا النمط لان بعضا منهم اصحاب أجندة ،  لذلك تجد أن عليا (ع) يقول  " لا تقاتلوا الخوارج من بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه " وهذه شهادة من علي أن هؤلاء الخوارج يطلبون الحق ولكنهم ذهبوا بالاتجاه الخاطيء وهؤلاء ليس كمن طلب الباطل فاصابه ، هناك من يملك أجندة ومشاريع ومؤامرات ومخططات للنيل من التجربة السياسية واستهدافها ، ولكن هناك من يفهم الامور بطريقة   أخرى وغرر به وهو لا يقبل ان يسمع اي شيء آخر ، وهؤلاء أيضا جماعة ابتلي بهم أمير المؤمنين .
حينما رفعت المصاحف بوجه علي (ع) في تلك المكيدة  لمعاوية بمشورة مستشاره الخاص عمر بن العاص  وقالوا حسبنا الله بيننا وبينكم ، جاء الخوارج لعلي وقالوا هل نقاتل كتاب الله !، وكلما أراد علي أن يفهمهم ان هذا المصحف رفعوه لمآرب خاصة ، هل تترك عليا وتستدرج لمخططات الآخرين ، أنا القرآن الناطق وأنا علي وأقول لكم هكذا ،  ولكن الخوارج رفضوا القتال وأرادوا التحكيم حتى كادوا أن يقتلوا عليا ، ولكن علي (ع) اضطر تحت هذه الضغوط أن يستجيب لهم وذهبوا للتحكيم ، عندما اراد علي أن يضع ابن عباس وهو شخصية مرموقة وحكيم العرب رفضوا بحجة انه من اقرباء الامام ، وعندما أراد علي أن يجعل مالك الاشتر رفضوه ايضا وبذلك فرضوا أبو موسى الاشعري على علي (ع) بقوة السلاح وحدث ما حدث ، ولكن الخوارج حينما رأوا أنهم قد خسروا ورأوا نتائج التحكيم المهينة رفعوا سيوفهم بوجه علي (ع) بحجة كيف انهم خسروا وعلي قائدهم ونسوا  أنهم هم الذين عصوا أمر علي (ع) بالقتال وارادوا التحكيم  وكذلك عيّن علي شخصيات رفضها الخوارج ايضا وهم أتوا بأبو موسى الاشعري ، هؤلاء هم الخوارج يسيرون بعقلهم وغير مستعدين للحوار ولا يعرفوا شيئا من فقه الاولويات ، وهذه هي الكتلة الرابعة في حكومة الشراكة الوطنية  لعلي (ع) .

 خط علي (ع) ..

الكتلة الخامسة هو خط علي (ع) وهم الذين لهم منظومة قيمية  واخلاقية ، ولهم مباديء وليس لهم مصالح خاصة ، يريدون الخير لهذا الشعب ويعملون ليل نهار من اجل عباد الله ، يفهمون منظومة الاولويات وفقه الاولويات ، أناس متّزنين منضبطين معروفين لهم فهم وأصول وتاريخ ويمتلكون رؤية ومشروع ولكن هؤلاء عدد مقاعدهم في حكومة الشراكة قليل أمام الكتل والخطوط الاخرى ، خط الانتهاز والنفاق وخط أصحاب الحديث والخوارج وكان اصحاب خط علي لا يستطيعون أن يتقدموا بشيء ، ولذلك علي (ع) لم يتصدى لادارة الامور وبقي يصلح ويرشّد حتى انهال الناس عليه بعد مقتل الخليفة لثالث  وطالبوه بان يتصدى وكان رافضا وأصروا عليه في التصدي لادارة الحكم ، في حديث معروف لعلي (ع) يقول " فو الذي برء النسم وفلق الحب لولا حضور الحاضر " اي لولا كثرة الناس واصرارهم على تصدي علي للحكم " وقيام الحجة بوجود الناصر " الحجة الشرعية قامت على علي ، " وما أخذ الله على العلماء أن لايقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم " لولا هذا العهد الذي أخذه الله على العلماء في الانتصار للمظلومين وفي الوقوف بوجه الظالمين ، " لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيت دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز " الله تعالى أخذ على العلماء أن يتحركوا حينما يكون هناك ناصر ، و علي كان يعرف ان هذه الاجواء وهذه التركيبة غير منتجة للنتيجة التي يترجاها ويتمناها في خدمة الناس ولكن كان لزاما عليه  أن يتحمل المسؤولية ، علي (ع) يعبر عن هذا الامتعاض يقول " فما راعني " الروع حالة القلق والخشية ، " فما راعني الا والناس كعرف الضرع ينثالون عليّ من كل جانب "الناس حاصروا البيت حتى يستجيب لهم في التصدي وادارة الدولة ، " حتى لقد وطيء الحسنان وشق عطفاي مجتمعين عليّ كرييضة الغنم " علي (ع) كان يدرك ان هذه الظروف لا تساعد على الانطلاقة الحقيقية ، لا توجد فرصة لتحقيق النجاح ولكن الحجة الشرعية هي التي دفعت علي ، وفي ذلك درس عظيم بوجوب تصدي الناس المخلصين للمسؤولين وخدمة الشعب ، لم يتراجع علي عن اداء دوره في خدمة الناس وتحمل كامل المسؤولية وتصدى لادارة الامور وهو الذي يعرف كل هذه التعقيدات التي عاشها المسلمون في تلك الحقبة الزمنية ، هذه هي مجمل الخارطة السياسية التي عاشها علي (ع) وهذه هي التعقيدات وان عليا كان يعرف ان النجاح امر عسير وصعب وغير ميسر الا ان قيام الحجة الشرعية بالتفاف الناس وتمحورهم حوله (ع) دفعه ليتصدى ويتحمل المسؤولية .