كان حديثنا في الليالي الماضية من هذا الشهر الفضيل عن منظومة الحقوق في النظرية الإسلامية وقلنا اذا أردنا ان نتحدث عن مجتمع قوي فالقوة تكمن في تماسك المجتمع وانسجامه واذا اردنا ان نصل الى مجتمع متماسك فالتماسك والانسجام انما يكون في حقوق معرّفة لأبناء هذا المجتمع وحيث ما نتحدث عن الحقوق علينا ان نتحدث عن الواجبات والالتزامات لأن الحق لأي منا هو التزام من الآخرين تجاهنا بهذا الحق والعكس صحيح ، فالحديث عن منظومة الحقوق في الرؤية الإسلامية هو حديث عن الواجبات والحقوق ، والحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة لا يمكن التفكيك بينهما ، وقلنا ان هذه الحقوق قد تكون حق لله سبحانه وتعالى على عبده وقد تكون حق للنفس على الإنسان وقد تكون حق للجوارح على الإنسان وقد تكون حق للإنسان على الإنسان بعناوينه المختلفة قد يكون ابنا فحق الأب على الابن وحق الولد على أبيه والزوجة على زوجها وبالعكس وحق الجار على الجار الى غير ذلك . وانتهينا للحديث عن حق اللسان على الإنسان وقلنا ان اللسان نعمة عظيمة ولكنها سلاح ذو حدين يمكن ان يوظف توظيفا صحيحا لطاعة الله ونشر الهدى والحديث ونقل المعرفة والمعلومة في الإطار الصحيح فيكون سببا في سعادة الإنسان ويمكن ان يوظف لا قدر الله في اتجاهات خاطئة فيكون سببا في الضلال والانحراف ويؤدي بالإنسان للشقاء في الدنيا والآخرة .

 مسؤولية اللسان مضاعفة وكبيرة ..

قلنا ان الله سبحانه وتعالى في قرآنه حينما يتباهى بنعمه يذكر نعمة البيان (( علمه البيان )) وتشير الآيات القرآنية الى ان اللسان والبيان تمثل حالة متميزة في النعم الإلهية تستحق ان تقارن بخلق السموات والأرض كما ذكرنا في الآيات الشريفة ونتيجة لهذه الأهمية الكبيرة للسان نجد ان المسؤولية الملقاة على اللسان مسؤولية مضاعفة وكبيرة وعظيمة وجليلة والسبب في ذلك ان هذا اللسان مهم جداً وتأثيره كبير في حياة الإنسان سلبا او إيجابا فالمسؤولية المترتبة عليه مسؤولية عظيمة ، نتيجة لحجم الأخطار التي يمكن ان يقع فيها الإنسان من جراء اللسان ، نجد ان هناك تأكيدا كبيرا على موضوعة الصمت والسكوت وعدم الحديث الا عند الضرورة ، لنقرأ اولا العبارات التي يتحدث فيها إمامنا زين العابدين الإمام السجاد (ع) في قضية حق اللسان فيقول (( واما حق اللسان فإكرامه عن الخنا )) وقلنا ان الخنا هو كلام السوء وهذا اللسان اجل وأكرم من ان يتفوه بالسوء ، يجب ان تجله وتكرمه عن الوقوع في حديث السوء (( وتعويده على الخير))  عود لسانك ان يكون سببا في إشاعة الخير ، حديثه حديث خير وبركة وتذكير بنعم الله سبحانه وتعالى ، (( وحمله على الأدب )) كلمة واحدة وقضية واحدة ممكن ان تقال بطريقة تخلق مشكلة عويصة وكبيرة ونزاع وخصومة ودماء ونفس الفكرة ممكن ان تطرح بطريقة تكون سبب في الألفة والمحبة والاحترام والتقدير (( واجمامه الا لموضع الحاجة )) اذا اقتضت الحاجة ان يتحدث أطلقه ولكن اذا لم تكن هناك حاجه امنعه من الحديث (( والمنفعة للدين والدينا )) او اذا كان هناك مصلحة دينية او دنيوية فلا بأس ان تطلقه بمقدار ما يحقق تلك المصلحة (( وإعفائه من الفضول الشنيعة )) أعفه عن الحديث الذي يمتاز بالزيادة السلبية الذي فيه ثرثرة وإزعاج وحديث غير موفق (( القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها )) حينما يكثر الحديث تكثر الزلات والأخطاء والمشاكل وقد يقتنص الآخرون من حديثك (( مع قلة عائدتها )) وفائدتها قليلة وقد يكون فيها ضرر

العاقل .. بسلوكه وحسن لسانه

فهكذا حديث يجب الامتناع عنه (( ويعد ( أي اللسان ) شاهد العقل والدليل عليه )) اللسان دليل على العقل ( المرء مخبوء تحت لسانه ) ما ان تحدث حتى عرف ما هي قيمته ووزنه (( وتزين العاقل بعقله وحسن سيرته في لسانه )) كيف تعرف وزن هذا الإنسان من خلال سلوكه وتعامله وحديثه وحسن لسانه ، فإذا تحدث الإنسان بحديث جيد وكريم هذا دليل على ان هذا الإنسان عقله يعمل ويفكر به وإلا فان عقله معطل ، ومع الأسف هناك الكثير من هذا النوع ، البعض قد جمد عقله فيقع في مطبات لذا على الإنسان التأمل والتفكر قبل اخذ أي موقف من المواقف ، (( ولا قوة الا بالله العلي العظيم )) الإمام زين العابدين يتعوذ بالله من اجل السيطرة على اللسان وتوظيفه في الاتجاه الصحيح ، قلنا نتيجة لهذه الأهمية لللسان وخطورة إطلاقه بطريقة عشوائية ليتحدث بما يريد وينطق بما يريد نتيجة هذا الأمر المشاكل ، ونلاحظ ان الثقافة الإسلامية هي ثقافة التشجيع على الصمت وقلة الحديث الا عند الحاجة كما لاحظنا في هذه العبارة التي ذكرها الامام السجاد (ع) ، حينما يكثر حديثك سوف تتحدث بأمور خارجة عن الإطار الصحيح وتقع في مطبات  ، كالذي يتنزه في ساحة الألغام ، واللسان ما ان أطلق حتى صار مضنة الوقوع في مخاطر ، لا تتحرك ولا تكثر الحديث لغير المفيد او لغير الضروري بهذا اللسان . لاحظوا في الكافي الجزء الثاني صفحة 116 الحديث 21 عن ابي عبد الله الصادق (ع) قال (( لا يزال العبد المؤمن يكتب محسنا ما دام ساكتا فإذا تكلم كتب محسنا او مسيئا )) ما دام الانسان ساكتا وهو مؤمن اذن هو في قائمة المحسنين لكن نفس هذا الانسان اذا تحدث هنا قد يبقى في قائمة المحسنين وقد يتحول الى قائمة المسيئين بحسب طبيعة الكلام الذي يصدر منه ، ايضا

امساك اللسان الاّ بالمفيد..

عن ابي عبد الله الصادق (ع) قال (( قال لقمان لابنه يا بني ان كنت زعمت ان الكلام من فضة فان السكوت من ذهب )) ايضا قال رسول الله (ص) (( امسك لسانك فإنها صدقة تصدق بها على نفسك)) هذا الإمساك صدقة ، ومدخل لكمال الإنسان ، وهي صدقة تقدمها لنفسك حينما تمسك اللسان وتخلص نفسك من باب اذا فتحت لا تعرف الى اين يصل بك ، ثم قال (( ولا يعرف عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه )) حقيقة الايمان تظهر حينما تمسك اللسان وتسيطر عليه ولا تطلقه الا بالمفيد وعند الحاجة ، ايضا عن رسول الله (ص) قال (( نجاة المؤمن في حفظ لسانه )) ما دمت حافظا للسانك فان النجاة والسعادة مضمونه ومحفوظة لك ولكن ما ان تطلق اللسان بطريقة عشوائية حتى تستعد للبلاء والمشاكل ، عن ابي بصير قال سمعت ابا جعفر الإمام الباقر (ع) يقول (( كان ابو ذر رحمه الله يقول يا مبتغي العلم ان هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك )) والإنسان يتحفظ على الأشياء الثمينة وهذا اللسان ايضا لابد ان يحفظ ولا ينطلق الا عند الحاجة والضرورة  ، ايضا عن رسول الله (ص) (( من كف لسانه ستر الله عورته )) العورة والخلل والثغرة تظهر حينما يطلق هذا اللسان بأحاديث لا تورث الا الندم ولا يفيد حينئذ التبرير (( ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه )) الموقف الذي يكون ساعة الانفعال موقف غير مدروس ، في ساعة الغضب اكظم الغيظ لحين ما تهدأ في ذلك الوقت تستطيع التفكير بالقرار الصحيح والخطوة الصائبة لمعالجة هذا الموضوع او ذاك  والعذاب يقع حينما تحصل الزلة والانحراف وما دام الإنسان غاضب فهو في مضنة الوقوع في الانحراف في كل وقت (( ومن اعتذر الى الله قبل الله عذره )) الله سبحانه وتعالى يقبل عذر المستغفرين والمنيبين جعلنا الله وإياكم من التائبين ومن المستغفرين في هذا الشهر الفضيل .

 الصمت .. عبادة

عن صفوان بن سليم قال قال رسول الله (ص) " ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن ، الصمت وحسن الخلق" اذن الصمت عبادة ، وحسن الخلق هذه الابتسامة يجب ان تكون حاضرة ، أمير المؤمنين يقول " الله الله أن يسبقكم بالعمل به غيركم يأخذون منا الاسلام فيتقدمون علينا " اليوم في علم التسويق موظف يريد ان يعمل في محل فيدخل دورة تسويق ، أول مفتاح من المفاتيح في نجاح العمل هو أن تبتسم ، كلما يقول لك الزبون يجب ان تقول له نعم حتى لو كان ما يقول خطأ فعليك ان تقول هذا صحيح ، يجب ان تكون صبورا ويجب ان تكون مبتسما وتعطي الحق للزبون في كل الاحوال ، ولكن هذه هي قواعد ومباديء الاسلام " المؤمن هش بش " تفنن في استخدام المفردات الرقيقة واللطيفة ، حسن الخلق عبادة لانها تحل مشاكل كثيرة وتوثق عرى العلاقة والصداقة فيما بين الناس .
عن رسول الله  (ص) " من كثر كلامه كثر سقطه " كلما تكلم الانسان كثيرا تكثر معه السقطات " ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه " الذنوب هي السقطات والخروج عن جادة الصواب " ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به " ، فلابد أـن نسيطر على هذا الامر .
نتيجة هذه الاخطار العظيمة والفادحة جاءت التوصية بالصمت وقلة الحديث لان الحديث والكلام واستخدام اللسان كما في جانب الخير يفتح علينا بابا لها أول وليس لها آخر من مشاكل وتحديات وألغام .

 آفة اللسان  .. الحديث بما  لا  يعنيه  

ومن الآفات التي يقع فيها  اللسان والاخطار التي يمكن ان يقع فيها الانسان جراء اللسان ..

أولا / الحديث بما لا يعنيه .. حب استطلاع ودخول في خصوصيات الناس ، كثرة السؤال من الناس والتدخل في الشؤون الشخصية للناس وبالاستفسار في قضايا الآخرين ، كلها توقع الطرف المقابل في احراجات كثيرة ، المنهج الاسلامي أن لا تسأل عن قضايا لا تعنيك ولا تخصك ، لندع الآخرين وخصوصياتهم وشؤونهم الشخصية وعدم التخل فيها ، هذه الامور فيها مضيعة للوقت وفيها مخاطر للانسان حينما يتفحص ويتعرف على خصائص الناس وأسرارهم وقد يقع في الحرام ويوقع الآخرين في الحرام والمعصية . ولذلك لاحظنا في حديث الامام السجاد " هو اجمامه " امنع اللسان من الحديث " الاّ لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا " عند الحاجة والمنفعة وأكثر من هذا لا تطلق اللسان . في الكافي ج2 ص237 حيث 25 عن رسول الله (ص) " ان أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرى " الولي الانسان الصالح يكون سكوته ذكر لانه بوعي كامل يسكت ولا يتفوه ولا يتحدث " ونظروا فكان نظرهم عبرة " لا ينظر الى كل شيء يركز على ما فيه فائدة وفيه درس له في حياته  ، هناك من يضع كرسيه في الطريق وينظر للذاهب والراجع ويبحث عن عثرات الآخرين بلا مبرر بحجة قتل الوقت ، الوقت ثمين ويجب استثماره في امور مفيدة ، " ونطقوا فكان نطقهم حكمة " الانسان الصالح لا ينطق الا حينما يكون هناك منفعة للحديث وحكمة يقولها للآخر ويفيد الآخرين بكلامه ، " ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة " يكون حضوره حضور خير وبركة وفائدة فحيثما حل حلت البركة معه ، في الآية الشريفة " وجعلني مباركا أين ما كنت " ، البركة تحل بوجوده لانه ليس له مواقف عشوائية .

 القلب النظيف وترك مالا يعنيك ..

عن محمد بن كعب قال قال رسول الله (ص) " ان أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة " رسول الله كان جالسا مع اصحابه فأخبرهم بان اول شخص يدخل من هذه الباب هو من أهل الجنة ، المسلمين اهتموا لان يروا هذا الشخص ، " فدخل رجل اسمه عبدالله بن سلام فقام اليه ناس من اصحاب رسول الله فأخبروه بذلك وقالوا أخبرنا بأوثق عملك في نفسك ترجو به " ما هو أفضل عمل قمت به وتعتقد ان هذا العمل هو الذي يدخلك الجنة ، " فقال أنا لضعيف " انا انسان بسيط وليس عندي اعمال خاصة ولست من العباد والزهاد المعروفين ولست من العلماء ، " وان أوثق ما أرجو به الله سلامة الصدر وترك ما لا يعنيني " عندي في هذه الدنيا شعارين سلامة الصدر قلب نظيف ، ليس عندي من الاغلال والاحقاد ضد أحد من الناس ، هناك من يقاطع أخوه 20 سنة لا يسلم عليه ولا يصله ولاسباب ليست ذات قيمة ، سلامة الصدر القلب النظيف حسن الظن بالآخرين الصفح عن الآخر ، ترك مالا يعنيني ، القضية التي لاتعنيني لا أتدخل فيها ولا أتقرب اليها هذا شعاري في الحياة وضًمًن الجنة لهاتين الخصوصيتين ، دخول الجنة ليس بالامر الصعب ولكنه في نفس الوقت ليس بالامر الهين " أحسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم نبأ الذين خلوا من قبلكم مستهم الباساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله الا ان نصر الله قريب "  ، اذن القلب الطاهر النظيف وعدم التدخل فيما لا يعنيه أدخلت هذا الرجل البسيط الى الجنة .
وقال ابو ذر (رض) قال رسول الله (ص) " ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن ثقيل في الميزان قلت بلى يا رسول الله ، قال (ص) هو الصمت وحسن الخلق وترك ما لا يعنيك " العمل بهذه العناوين الثلاث تضمن الجنة وسيكون ميزان الاعمال ثقيل عند الله تعالى ، نسال الله تعالى ان يوفقنا الى ذلك وان لا نتحدث الا بالمفيد وعند الحاجة وان لا نتدخل في شؤون الناس وخصوصياتهم .

عن رسول الله (ص) " طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس " .