بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتِم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
السلام عليكم ايها الأخوة والأخوات  ورحمة الله وبركاته.
كثيرةٌ هي وظائفُ الشِّعر في حياة الشعوب ، وقديم ٌ هو الشِّعرُ في تاريخها، فالشعوب كثيرة تتسع باتساع الفكر ومفردات التعبير الإنساني، والشعر قديمٌ بِقِدَم النُّطق ومحاولات البحث عن أسلوب أكثر جمالية في التعبير عن الأفكار والمشاعر والاحاسيس.
أمّا البحث في دور الشعر في التواصل الحضاري، فهو بحقّ بحثٌ مبتكرٌ يحاول أن يُوظّف هذا الفعل الإنساني الرّائع من أجل إيجاد وشيجةَ اتصالٍ بين الشعوب، وهي الوشيجةَ التي قطّعتها السياسةُ بفعل تقاطعاتها ومصالحها.
إن الشعر هو جزء من التعبير الانساني في أيٍّ مجتمعٍ من المجتمعات القديمة والحديثة، وقدكان وما زال يُعبّر عن تطلعات الانسان وهمومه، والشعوب وقضاياها، وهو لا ينفصل عن تراثها وإرثها الحضاري، بكل ما فيه من الانتصارات والانكسارات ، والحروب بين الامم والشعوب .
ان السياسة بما تفرضه من الاختلافات بين الدول ستعكس مثل هذه الاختلافات في التعبير الأدبي شعرا او نثرا بدون شك، وهذا أمر لا مناص منه ، إذ لا يمكن فصل الشعر عن مؤثرات الحياة العامة في بلد من البلدان والاّ أصبح يعيش في عالم خاص لا ينتمي الى بيئته ، وعندها سينعدم تأثيره وتاثره ، وستجفُّ منابع الالهام فيه .
ان علينا ان نبحث في القواسم المشتركة في حركة الشعر، وتجلياته الانسانية الراقية، الكاشفة عن رؤية شاملة للحياة والانسان، وحرياته وكرامته وحقوقه في الحياة الانسانية الكريمة ، وانفعاله أو تفاعله مع قضايا الانسان في كل مكان ، وقضايا الشعوب الساعية الى تحقيق حريتها وكرامتها.
وعلى هذا الصعيد سنجد اننا نقترب في المنطلقات الانسانية كثيراً مع الآخرين ، لاننا جميعنا بشرٌ ، نتفاعل مع الخير ، نرفض الشر، ونعتقد أن الآخرين يملكون من الحقوق مثلما نملك نحن من الحقوق.
إن شعرنا العربي قديمه وحديثه ملئ بالحس الانساني الجميل ، وسنجد الكثير من المشاعر الانسانية الفياضة في شعر الغزل أو الرثاء ، أو غيرهما من ابواب وأغراض الشعر ، وهذا بحدّ ذاته يمثل كنزاً كبيراً من كنوزنا التي لم تٌكتشف عند الاخرين بالشكل المطلوب.
ان تاريخنا وثقافتنا تعرّضت للتشويه عند الغرب حين تركنا الآخرين يتحدثون عنّا ، وعلينا أن ندرك الآن بعد توفر كل الامكانات وبعد تطور وسائل الاتصال بشكل مذهل ، ان الوقت قد حان لنتحدث نحن الى الاخرين عن أنفسنا ، وهذا يتطلّب قيام مؤسساتنا الثقافية المنتشرة في الوطن العربي والاسلامي وفي مقدّمتها هذه المؤسسة الرائدة مؤسسة عبد العزيز البابطين بتحمّل جزء من هذه المهمة الكبيرة ، وهي نقل التراث الشعري العربي الى العالم عبر الترجمات الدقيقة باللّغات الاُخرى ، ليكون التواصل مشهوداً من الطرفين ، كما نعتقد ان من المُهم اقامة المنتديات المشتركة بين الشعراء العرب وبين الشعراء من غير العرب ليستمعوا ونستمع ما يساعد الجميع على ايجاد الوشائج الانسانية البعيدة عن تقاطعات السياسة وتقلّباتها.
إن الُمهم في هذا المجال أن نقّدم الصورة الحقيقية للانسان العربي في ذهن الانسان الغربي ، بعد ان تشوّهت هذه الصورة الى أبعد الحدود بفعل الكثير من العوامل .
وإذا كان المؤرخ يمارس مهمة تدوين الاحداث والوقائع ، فإن الشاعر يقوم بمهمة تدوين الحِسّ الإنساني تجاه تلك الوقائع والاحداث ، ومن هنا كانت دراسة الشعر في كل مجالاته تمثل حاجة طبيعية للتعرف على ثقافة الشعوب وتعاملها مع القضايا الانسانية.
وإذا اردنا ان نتحدث عن الشعر في العراق ، فأننا نتحدث عن مكوّن مهم من مكونات اهتمام العراقيين وافتتانهم بهذا التعبير الانساني ، فقد عبّر الشعر في العراق عن تفاعل الانسان العراقي مع قضايا الشعوب المختلفة عابراً للحدود والقارات ، ولعل من جميل ما نذكره بهذا الخصوص ان يكون للشاعر الشيخ محمد رضا الشبيبي قصيدة رائعة تناولت وبحسٍّ انسانيٍّ متعالي مأساة السفينة تيتانيك المعروفة حين غرقت في البحر سنة 1912م ، وكان الشاعر حينها في النجف الاشرف وهي تحت الحكم العثماني ، ليؤكد أن مهمة الشاعر الانسانية هي مهمة أبعد من حدود الجغرافية والقومية والانتماء الديني والمذهبي.
ان الحِسّ الانساني سيكون اكثر قدرة في الانطلاق حين تتوفر الحرية في التعبير ، ونحن نعتقد ان الشعر في العراق يعيش ربيع الحرّية ، بعد ان تم القضاء على الدكتاتورية التي حاولت ان تسخّر الشعر والشعراء لخدمة اغراضها الضيقة.
إن العراق اليوم قدّم تجربة إنسانية مهمة على صعيد بناء النظام الديمقراطي ، يجب ان تُدرس في سياقها وظروفها التاريخية بعيداً عن التجّني والتعصب لأراء مسبقة ، فرغم مرارة هذه التجربة وثمنها الغالي ، ومعاناتها ، الاّ أنها ستبقى تجربة مهمة في تاريخنا المعاصر.
ان ما يكرّس الإستقرار في العراق ، هو إيمان الجميع بحقائقه الفعلية والتاريخية ، والشراكة هي الحقيقة الكبرى التي يجب ان يقرّ بها ويحترمها الجميع أيضاً ، ففي العراق المتعدد الأعراق والأديان والمذاهب ، لا نرتضي لأي شريك شراكته الناقصة و أنما يجب ان تكون شراكة كاملة للجميع ، وهذا هو كما نعتقد المدخل الأساس لتحقيق الاستقرار في العراق.
إن هدفنا في العراق هو إعادة بناء الإنسان وتخليصه من كل تراكمات الفترات الماضية التي كبّلت حرياته ، وصادرت حقوقه وحاولت ان تحوّله الى آلة ، وحتى آلة غير منتجة ، وإننا بحكم كوننا جزء من هذا الشعب العظيم ، نلمح نهوضاً صاعداً لهذا الانسان ، يحتاج الى زمن ووقت ، ليشهد العالم قدرة هذا الانسان على تجاوز التحديات ومواجهتها ، وقدرته الابداعية في كل المجالات.
إننا نتطلع الى الاشقاء العرب والمسلمين ان يقفوا الى جانب هذه التجربة الديمقراطية التي ستنعكس ايجابيا على كل المنطقة ، بحكم موقع العراق ودوره الاستراتيجي في النهضة العربية القادمة.
اننا نتطلع الى بناء علاقات ايجابية مع الجوار خصوصا ومع دول العالم عموماً ، انطلاقاً من تقديرنا بأن مصالح الجميع يمكن ان تتحقق من خلال السلام ،والعلاقات المتبادلة القائمة على أُسس سليمة.
ان الربيع العربي الذي نشهده اليوم هو استحقاق تاريخي لشعوبنا العربية التي عاشت لعقود تحت وطأة الدكتاتوريات والاستبداد ، ونعتقد أن مرحلة جديدة من الحياة الثقافية ستنطلق في عالمنا العربي ، ولن يكون الشعر بعيداً عنها حتماً بل سيكون في صميمها ، تعبيراً ، وتوثيقاً انسانياً يتجاوز بعد التدوين التاريخي الى بُعد الكشف عن المضامين الانسانية لهذا الربيع.
ايها السيدات و السادة ، حين ينعقد هذا المؤتمر في هذه الارض الطيبة المعطاء ، فلذلك دلالته المهمة ، فهذه الارض شهدت انطلاقات كبرى على الصعيد الاقتصادي ، والاعلامي ، وهي تشهد اليوم انطلاقة مهام مؤتمر ربما يؤسس لانطلاقة ثقافية كبيرة في عالمنا العربي ..
وإذا كانت من كلمة شكر لمؤسسة البابطين على هذا الجُهد المهم في تشجيع الحركة الشعرية العربية فإن الشكر موصول لقيادة دولة الامارات العربية المُتّحدة و امارة دبي على احتضان هذه الدورة ، وهو احتضان يعِدُ بالكثير إنشاء الله.
ختاماً اتوجه اليكم بالشكر ايها الحضور الكريم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.