بسم الله الرحمن الرحيم

( وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) صدق الله العلي العظيم ...

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين ...

السلام عليكم ايها الاخوة الاكارم والاخوات الكريمات من حجاج بيت الله الحرام ورحمة الله وبركاته.

في البداية اتقدّم اليكم بالتبريك والتهنئة ، لحصولكم على هذا الشرف العظيم وهو الحج الى بيت الله الحرام بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ، واستجابة لما دعا اليه ، فهنيئا لكم هذا التوفيق ، وهنيئا لكم هذه الاستجابة.

ايها الاخوة الكرام ...والاخوات الكريمات..

الحج ينطوي على معاني عظيمة سامية علينا ان نتدبر فيها ، فهو بالاضافة الى كونه يمثل استجابة وطاعة لله سبحانه وتعالى فيما دعا اليه ،فإن الاثار النفسية والمعنوية للحج آثار عظيمة على الانسان في سلوكه وهديه ..

ومن اول هذه الأثار:

هي التوبة الى الله سبحانه وتعالى عن ارتكاب الذنوب والمعاصي ، والعهد معه جل شأنه ، في الالتزام بما أمر به ونهى عنه..

وفي ذلك أثر عظيم على بناء الجماعات الصالحة التي نحتاجها في مجتمعاتنا اليوم بكل ما تشهده هذه المجتمعات من انتشار لوسائل الابتعاد عن الله وعن الاسلام العظيم.

ومنها :

الشعور الواضح بوحدة المسلمين ووحدة مصيرهم ، فهذه الملايين التي تجتمع في هذا المكان المقدس ، تنادي كلها بالتحميد والتوحيد والشكر لله سبحانه وتعالى ، وقيامها بشعائرها في وقت واحد ، هي كلها مظهر عظيم من مظاهر وحدة المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ..

ان شعور المسلمين بوحدتهم ..سيقلل الفوارق بينهم وسيحببهم بعضهم الى بعض ، كما يمنحهم الشعور بالقوّة في مواجهة التحدّيات التي تواجه مصيرهم في هذا العالم الملئ بالتحديات والمشاكل ....

كما أن شعورهم بوحدتهم سيدعوهم الى الإطّلاع على أوضاع بعضهم البعض ، ليكون ذلك مدخلا الى تدارس اوضاع المسلمين في كل العالم ، وبالتالي سيمهد الطريق امامهم لايجاد الآليات التي توفقهم لمساعدة بعضهم الآخر في النهوض والتطور .

ومنها:

 أن كل الشعائر التي نؤديها في الحج تدعونا الى التأمل في خلق السماوات والارض ، وفي انفسنا ، وهو تأمل سيقودنا حتماً ، الى الايمان العميق الراسخ بقدرة الله وعظمته ، وبالتالي التوجّه الصادق للاقتراب منه عز شأنه بالعمل الصالح وطلب رضاه في الاخرة ،وتقديم ذلك على مُتع الحياة الدنيا الزائلة ، للفوز بنعيم الاخرة وثوابها المقيم ..

ومنها :

ان اجتماع الناس على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم في صعيد واحد ..وفي وقت واحد ،كلهم يسعى بين يدي الله سبحانه وتعالى ، يلبّي ( لبيك اللهم لبيك ) ، سيدعو النس جميعا الى التواضع وخفض الجناح ، فالكل يسعى لنيل رضاه ملبيا ساعيا مهرولاً بين يدي رب العالمين ، وكل تشغله ذنوبه وطلب الغفران عما حوله من الناس ، وكأنهم في يوم المحشر ( يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها...وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ......)..

هذه المضامين السامية وغيرها الكثير لابد لنا ان نستفيد منها ما دمنا هنا عند بيت الله الحرام ، لأننا لن نجد في أي مكان آخر هذه الروحية التي نحس بها ونحن هنا ..فاستفيدوا من هذه الفرصة السانحة التي منحكم الله اياها .

ايها الاخوة والاخوات الافاضل..

ان وجودكم اليوم في هذه الديار المقدّسة ، يمثّل فرصة عظيمة لاجتماعكم كعراقيين في صعيد واحد ..للتدارس في اوضاع بلدكم وشعبكم ، انها فرصة كبيرة للتأكيد على وحدتكم ، من أجل بناء هذا الوطن الذي يواجه الكثير من التحديات ، وهي تحدّيات لا يمكن التغلب عليها الا بوحدة العراقيين .

وإننا في هذا المجال نشير الى مجموعة من المسائل المهمة في عالمنا العربي والاسلامي وفي بلادنا العزيزة العراق لوحدتنا الوطنية ومنها :

1 ـ إن حصول التطورات الكبيرة والتاريخية في منطقتنا العربية فيما يُعرف بالربيع العربي تدعونا الى التوقف قليلا عند هذه التطورات المهمة ، فقد اطاحت بعض الشعوب العربية بحكامها الظالمين ، في نمط جديد من العمل الجماهيري ، بعيداً عن طريقة الانقلابات العسكرية التي شهدها القرن الماضي في منطقتنا ، لقد سقطت مجموعة من الانظمة بارادة الشعب ، وهذا يعطي المؤشر والدليل الواضح على إمكانية الشعوب في تغيير واقعها المؤلم المزري الذي تمر به.

إننا نبارك لكل الاخوة الاشقاء العرب الذين حققوا هذه الانجازات الكبيرة ، وندعوهم الى المحافظة عليها ، لإنها ملك للجميع ، ونأمل أن يتجاوزوا بسرعة جميع العقبات التي تقف أمام تحقيق نظام سياسي يقوم على أساس الدستور ، كما نبارك للاخوة في تونس على أجراء الانتخابات بسلاسة ونجاح، ونهنئ الفائزين بها ، ونحن نعتقد ان الشعب التونسي هو الفائز في تلك الانتخابات لانها تعتبر اللبنة الاولى في النظام الديمقراطي القائم على أساس الدستور والتداول السلمي للسلطة.

وفي نفس الوقت نؤكد على أن الحرية والكرامة هي حق من الحقوق الاساسية للإنسان ، ونحن ندعم مطالبة الشعوب العربية بحقوقها لأنها مطالبة مشروعة بل وأساسية ، وندعو من هنا جميع الأنظمة العربية والإسلامية الى الحركة السريعة نحو الاصلاح السياسي، ورفع الظلم والحيف ، وإطلاق الحريات ، والابتعاد عن السياسات الفئوية والطائفية التي تكرّس الطبقية الاجتماعية والكراهية بين أبناء الشعب الواحد .. 

2 ـ إن هذه التحولات الكبيرة التي أُنجزت لحد الآن والتي ستتحقق لاحقاً ستؤسس كما نعتقد لحقبة جديدة من الحياة السياسية في عالمنا العربي ، ورغم كل الصعوبات التي ستواجه هذا العالم في عملية التحول من الدكتاتوريات الى الديمقراطية ، الاّ أنها ستمثل عاملاً من أهم عوامل نهوض وتطور المنطقة العربية وتعاظم دورها السياسي العالمي ، فالسلطة هنا ستكون سلطة الشعب وليس سلطة الفرد الواحد المتحكم بكل مفاصل القرار.

3 ـ إننا في العراق مررنا بعدة ادوار منذ سقوط نظام صدام المقبور والى اليوم ، وكانت تجربتنا مريرة وقاسية من أجل بناء العراق ، والمحافظة على وحدة شعبه وارضه ، ورغم كل الاخطار والتحدّيات الكبرى التي واجهتنا الا أننا تجاوزناها بنجاح كبير رغم كل المراهنات على اسقاط التجربة ، وقطعنا اليوم شوطاً بعيدا في النجاحات مما يصلح أن يكون موضع استفادة من قبل اشقائنا العرب وهذا ما حصل في الانتخابات التونسية حيث كانت الخبرة العراقية في مجال الانتخابات حاضرة هناك ، وهذا أمر يدعو الى الاعتزاز والفخر .

4 ـ إن خروج القوات  الاميركية من العراق اصبح وشيكا ، وهنا نؤكد على المزيد من الوحدة والتلاحم بيننا من أجل تفويت الفرصة على كل الذين يجدون في هذا الانسحاب فرصة لاعمالهم الاجرامية الرامية الى قتل المزيد من العراقيين وتمزيق وحدتهم الوطنية .

إن خلو العراق من وجود القوات الاجنبية على أراضيه يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخه ، وعلينا جميعاً أن ندرك طبيعة هذه المرحلة ومتطلباتها واستحقاقاتها ، ولابد من عقد إجتماعات لكل الشركاء في العملية السياسية في العراق من أجل الوصول الى رؤية مشتركة لكل المتطلبات والاستحقاقات.

وقد حان الوقت ليتحمل العراقيون عبر مفهوم الشراكة الحقيقية مسؤلياتهم الكاملة في بناء بلدهم وحمايته من كل الاخطار الداخلية والخارجية.

كما يتحمّلون مهمة بنائه والانطلاق به نحو آفاق مسقبلية رحبة من التطور والازدهار.

5 ـ إن هناك مهام كبيرة وعظيمة ملقاة على عاتق كل مفاصل الدولة العراقية في جوانبها التشريعية والتنفيذية ، والقضائية ، ونحن جادّون كما في السابق في تقديم الدعم والاسناد لكل من هذه السلطات الثلاثة في سبيل النهوض بمسؤلياتها الكبيرة في بناء العراق الجديد ، كما ندعو الى التعاون بين هذه السلطات من أجل خدمة المواطن العراقي ، وصيانة حقوقه ، وتقديم الخدمات له فإن للمواطن حقوق وعليه واجبات، وعلينا أن لا نفكر بواجباته دون حقوقه.

إننا نؤكد هنا رؤيتنا السابقة في علاقة الدولة بالمواطن ، وهي أن الدولة مسؤولة عن حماية المواطن من الاخطار ، كما هي مسؤولة بالدرجة الاساس عن توفير الخدمات له . وتشريع القوانين التي تحمي حقوقه الاساسية التي كفلها الدستور.

ومن هنا ندعو الوزارات كافة الى الاهتمام الجاد بمسألة الخدمات التي اصبحت تؤرق العراقيين وتقض مضاجعهم ، عبر وضع الحلول السريعة الفعالة في معالجة نقص الخدمات كل في مجال اختصاصه.

6ـ ان عمليات قتل العراقيين عبر التفجيرات المتكررة في مختلف مناطق العراق هي عمليات اجرامية تهدف الى زعزعة الامن والاستقرار داخل البلاد ، كما تهدف الى تمزيق وحدة العراقيين ، وأن من مسؤليتنا مقاومة الاهداف الشريرة التي تسعى اليها الزمر الارهابية ، وإننا مدعوون الى التسلّح بالوعي بطبيعة المخططات الرامية الى زعزعة أمن العراق والى دعم كل الخطوات التي تبذلها الحكومة العراقية في مساعيها الرامية الى بسط الامن ومكافحة الارهاب ، لأن أمن العراق خط أحمر لا يمكن التهاون فيه ، وهو مسؤولية الجميع كل من موقعه.

كما ندعو قواتنا الامنية الشجاعة الى بذل اليقظة والحذر ، من محاولات الاندساس والاختراق التي يقوم بها اعداء العراق من أجل تمرير مخططاتهم الاجرامية.

7 ـ ان العراق لايستطيع أن يعيش بعيداً عن محيطه العربي والاسلامي ، ونحن نعتقد ان خروج القوات الاجنبية من العراق ستمثل انطلاقة جديدة للعراق في الوسطين الاقليمي والدولي ، ومن هنا نطمح ان يتم بذل المساعي الحثيثة والجادة لبناء احسن العلاقات مع دول الجوار ودول المنطقة والعالم ، وهي علاقات تقوم على حسن الجوار والمصالح المشتركة ، كما ندعو المحيط الاقليمي و المجتمع الدولي الى الانفتاح على العراق والمبادرة الى فتح صفحة حسنة وجديدة للعلاقات مع العراق.

ونؤكد بشدّة هنا على ضرورة حل الاختلافات عبر الحوار الايجابي ، وبعيدا عن التصعيد الاعلامي مما لايخدم العلاقات الطيبة بين شعوبنا العربية.

8 ـ كما ندعو كل شركائنا في العملية السياسية الى إدارك طبيعة المرحلة الجديدة للعراق ، وتوثيق أُسس الحوار البناء ، الذي يستند الى التعامل الجاد مع القضايا العالقة بين الشركاء ، وصولا الى وضع حلول تضمن للجميع حقوقهم كل ذلك في إطار الدستور فهو عقدنا الاجتماعي الذي صوّتنا عليه ودفعنا من أجله ثمناً غالياً من أرواح العراقيين الشرفاء ، وهو ضمان استقرار العراق ، ولا يجوز لأي احد ان يتجاوز الدستور او يعتدي عليه ، لأن ذلك يمثل تجاوزا واعتداءً على عقدنا الذي تعاقدنا عليه ، منطلقين في الحوار من إيماننا بان العراق ملك للجميع ، وللجميع ان يعيشوا فيه آمنين مصانة أموالهم ودمائهم وكرامتهم  وحقوقهم.

9 ـ اننا ندعو منظمة المؤتمر الاسلامي الى الاضطلاع بدورها المهم في تقريب وجهات النظر بين الدول الاسلامية ، وإننا في العراق ندعم اي توجّه للتقريب بين المسلمين ففي ذلك وحدتهم وقوّتهم وتقدّمهم ، معتقدين إن ذلك سيساهم بدرجة كبيرة في تحقيق السلام والامن في المنطقة والعالم.

ايها الاخوة والأخوات .. اننا نسعى جادّين في المرحلة المقبلة كما كنّا في المراحل السابقة ، إلى تحقيق الأمن والإستقرار في بلادنا ، كما نسعى الى نيل الجميع حقوقهم التي كفلها الدستور ، ونرفض اي تهميش أو إقصاء لاي أحد كما نرفض العدوان والتجاوز على حقوق اي حد.

إننا نسعى الى تحقيق العدالة في العراق ، فبالعدالة يحقق الجميع طموحاتهم المشروعة ، وبالعدالة يشعر الجميع انهم مواطنون متساوون امام مسؤلياتهم وواجباتهم وحقوقهم.

أسال الله سبحانه وتعالى أن يتقبل اعمالكم بأحسن قبول ، وأن يعيدكم ألى أهاليكم حجاجا مبرورين وساعين مشكورين ، موفوري الصحة والعافية.

كما أساله سبحانه وتعالى . أن يحفظ العراق والعراقيين من كل مكروه ، وأن ينعم علينا بالامن والاستقرار والازدهار.

                                                                                       عمار الحكيم .                                                                       رئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي

                                                                              6/ذي الحجة الحرام /1432هـ.