بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واصحابة المنتجبين.

السلام عليكم ايها الأخوة والاخوات ورحمة الله وبركاته.
يطيب لي ان أُشارككم مؤتمركم الكريم هذا، وأشكركم على اتاحتكم لهذه الفرصة للحديث اليكم.
ولابدّ في البداية من ان أثمّن واقدّر هذه المبادرة الكريمة والتعاون البنّاء بين جامعة ذي قار وبين مؤسسة شهيد المحراب في إحياء ذكرى عيد الغدير الاغر ، سائلاً الله سبحانه وتعالى ، ان يكلل هذه التعاون بالنجاح الكامل ، وداعياً الى المزيد من التعاون بين مؤسساتنا العلمية وبين مؤسسات المجتمع المدني التي تضطلع بدور مهم في بناء العراق الجديد.
في مثل هذه الايام المباركة نعيش أجواء ذكرى عظيمة في تاريخ الاسلام والمسلمين وهي ذكرى عيد الغدير الاغر..ذلك العيد الذي شهد اكمال الدين وإتمام النعمة ، والامر السماوي الذي نزل على الرسول الاكرم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( بسم الله الرحمن الرحيم : اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا).
والاية الشريفة ( يا ايها الرسول بلّغ ما أُنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ).
والتدّبر في الايات الشريفة الآنفة الذكر ، يقودنا الى التوقف عند معاني سامية جليلة ، في معنى اكمال الدين واتمام النعمة ، وفي معنى التبليغ ، والعصمة من الناس .
إن يوم الغدير يستمدّ عظمته في تاريخ الاسلام ، من تلك المعاني الكبيرة التي تقودنا اليها الايات الشريفة التي ذكرناها ، فهو عيد اكمال الدين واتمام النعمة ، بعد ان بلغ الرسول في ذلك اليوم ما أمره الله ان يبلغه الى المسلمين ، بعد حجة الوداع التي حجها الرسول العظيم.
ففي ذلك اليوم الذي شهده المسلمون من مختلف بقاع العالم الاسلامي يومذاك ، ابلغ الرسول المسلمين بالولاية الكبرى من بعده ، حيث قال : ( من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ..)...
إن من يدرس تاريخ الاسلام وسيرة الرسول الاعظم سيكتشف أن بيعة الغدير لم تكن مفصولة عما قبلها من سيرة الرسول وممارساته واشاراته العلنية وغير العلنية الى معنى الغدير ، حتى انه يمكن الذهاب الى ان ما حصل في ذلك اليوم العظيم كان تتويجاً لما سبق من اشارات صدرت من الرسول الاعظم ( ص) بحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، سيّما وان حديث الولاية والغدير جاء متزامناً مع توصيات الرسول الاخيرة للمسلمين ، في حديث طويل ، كما ان واقعة الغدير لم تنفصل ايضاً عما بعدها من تاريخ قصير في حياة الرسول الاعظم ، وممارساته وتوصياته وتعامله مع امير المؤمنين عليه السلام وهو يعدّه لمنصب الخلافة العظمى ، حتى أنه استثناه من الذهاب مع جيش أُسامة بن زيد ، مع أنه لم يستثنِ كبار الصحابة من ذلك بل أكدّ عليهم الذهاب في ذلك الجيش وأمرهم بالكفّ عن اعتراضاتهم في تأمير اٌسامة عليهم قائداً للجيش .
كل ذلك يقودنا الى القول بإنّ حديث الولاية لم يكن معزولاً عن اتمام الدين وإكمال النعمة ، وأنه جزءٌ من البلاغ الذي أمر الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم في ذلك اليوم .
من هنا كانت هذه القضية ، قضية الولاية والبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام في ذلك اليوم المهيب ، من القضايا الهامّة والمصيرية التي اختلف فيها المسلمون بعد وفاة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا زالت الى اليوم محل نقاش وخلاف بين المسلمين .
إن الخلاف الدائر لا يتعلق بأصل الواقعة فهناك اتفاق وإجماع بين المسلمين على حصولها ، بل هناك إتفاق كبير حتى على النص الذي تحدّث به الرسول الاعظم ، إنما الخلاف الذي وقع ويقع بين المسلمين اليوم هو في تأويل النص ، والوصول به الى معاني متباينة عن بعضها.
إن هناك من حاول ويحاول أن يذهب بالنص الى معنى هو اقرب الى الموقف النفسي منه الى معنى الموقف العقائدي  من بيعة الغدير، فصار (الولاء) ، عندهم حٌبّاً ينطلق من داخل النفس ، وليس ( موالاة) تنطلق من موقف عقائدي تستمد قوتها وشرعيتها من الموالاة لله ورسوله ، وهي الموالاة التي عناها الرسول الكريم ( ص) ، يوم اعلنها في ذلك اليوم العظيم.
وحتى على هذا المقدار من التفسير ، فإن هناك من ناصب أمير المؤمنين العداء ، في حياته وجنّد الجنود لمقاتلته ، وقاد حملات التضليل ضدّه حتى بعد شهادته .
ان التاريخ الذي نقرأه اليوم ، ملئ بالزيف والتحريف للحقائق ، فقد كتبته على الاغلب أيدي كانت صنيعة السلطة والحاكمين في عهد الدولتين الاموية والعباسية ، وهو تاريخ سعى جاهداً في الكثير من الاحيان الى طمس الحقائق ، ومعاداة أهل البيت عليهم السلام ، والطعن على اتباعهم وشيعتهم ، الا إن كل ذلك ، لم يستطع أن يغير من الحقيقة شيئاً ، وهي أن قضية الغدير ، وبيعته ، كانت ، بداية مرحلة جديدة في تاريخ الاسلام والمسلمين ، وأنها كانت عملية تمهيد للحدّ الفاصل في مسيرة الرسالة الاسلامية ، بين مرحلة حضور الرسول الاكرم في حركة هذه الرسالة ، وبين استمرارها في غيبته على أيدي من أختارهم لخلافته في قيادة مسيرة هذه الرسالة.
ورغم كل ما حصل من احداث مؤلمة بعد وفاة الرسول الاعظم ، ومن ثم المحاولات المستمرة لابِعاد أمير المؤمنين من قيادة المسيرة الاسلامية ومن بعده ولده عليهم السلام ، وإشهار السيف بوجهه بعد توليه الخلافة ، فإنه عليه السلام لم يتخلً عن مسؤلياته الرسالية التاريخية ، التي حملها من بعده أولاده المعصومين ، رغم تعرضهم للنكبات تلو النكبات ، مما نعرف تفاصيلها جميعاً.
ان علينا ان نتدبر فيما نقرأه من كتب التاريخ ، ونتوقف طويلاً عند تلك الاحداث التي سبقت الغدير ، والتي اعقبته في حياة الرسول وبعد حياته صلوات الله وسلامه عليه ، ونحلل ما نقرأ ، كل ذلك من اجل الوصول الى حقائق نطمئن اليها ولو بالحد المعقول ، لا أن نأخذ كل ما احتوته كتب التاريخ على أنها من المسلمات ، أو أنها من الحقائق التاريخية .
ان ما نتعلمه ونستمدّه من هذه الواقعة العظيمة في حياة الرسول الكريم ، اشياء كثيرة بصرف النظر عن البعد العقائدي المصيري الذي دخل في حياة الناس منذ ذلك اليوم ، ولعل مما نستفيده من هذه الواقعة على صعيد السلوك الفردي ، هو أن حمل الرسالة وتحمّل المسؤوليات لهي من أهم صفات الانسان الرسالي ، الذي يؤمن بهدفية رسالته ، واحقيتها ، وأن حمل الرسالة والإيمان بها على الصعيد الفردي لايكفي ما لم يتجسّد ذلك الايمان بالعمل مهما كلف ذلك العمل من تضحيات ، ومن هنا علينا ان ندرك وكل من موقعه ، أن علينا الاستمرار برسالتنا التي نؤمن بها رغم كل التحديات والصعوبات ، ورغم كل العراقيل ، لاننا بذلك وحده نستطيع ان نغيّر الى الاحسن ، امأ الركون الى الدعة والهدوء ، والخوف من الناس ، أو من المعترضين او المستهزئين فلن يقودنا الا الى المزيد من الانحراف عن جادة الصواب ..
كما نتعلم من هذه الواقعة العظيمة ، أن عدم تقديم النصرة للحق سيقود الامة الى الانحطاط ، والتخلف ، والجهل ، بل سيقودها الى تسلط من لا يريد لهذه الامة خيراً ، وفي ما حصل للمسلمين طيلة القرون التي تلت وفاة الرسول الاعظم ( ص) خير شاهد على ما نقول . فقد تسلّط على الامة من يحكمها باسم الخلافة للرسول الاعظم ، فيقتل سبط الرسول ، ويشّرد ابنائه ، ويلقي بهم في سجونه ، ويطاردهم ، ويقض مضاجعهم ، وفي قصره تُقام الملاهي ، وتُشرب الخمور ، وتبذّر أموال المسلمين بالبذخ ومظاهر الثراء الفاحش وتنفق على ملذات فئة حاكمة قليلة على حساب الملايين من المسلمين الذي كانوا يشكون الفقر  والعوز.
إن التضحيات التي يقدّمها المجتمع من اجل مقاومة الانحراف اول حصوله هي بالتاكيد اقل بكثير من تلك التضحيات التي يجب ان تبذل من اجل ايقاف الانحراف بعد استشرائه وتطوره ، وهذا درس علينا ان نتعلمه في حياتنا العملية ، فالانحراف أي انحراف حينما نقف له بالمرصاد اول حصوله ، لا يكلفنا ربما الا القليل من الجهد بكلامٍ شجاع او موقف شجاع ، لكننا حينما نسكت ، فلن يمضِ الا وقت قصير حتى يجرفنا هذا الانحراف بتياره في وقت لا ينفعنا الكلام الشجاع ولا الموقف الشجاع.
إننا اليوم نعيش في العراق نهضة كبيرة على صعيد بناء الذات ، وعلى صعيد بناء الانسان العراقي ، بعد الخروج من ظلمات عقود طويلة من الزمن حاولت خلالها الانظمة تحطيم الانسان العراقي ، وجعله مجرد كيان خال من روح الاحساس بالمسؤولية والانتماء الوطني ، كيان يستجدي حقّه من دولة ظالمة وحاكمٍ لا يتورع عن ارتكاب ابشع الجرائم لاشباع رغباته ونزواته.
إن تاريخ العراق الحديث ملئ بالمآسي والمحن التي طبعت حياة العراقيين بطابعها طيلة العقود الماضية، لكننا اليوم نسعى جاهدين ، من أجل أن يعود هذا الانسان ، الى ممارسة دوره العظيم في بناء العراق الجديد ، عراق الانطلاقة الى الامام .
إننا حينما نتحدث عن المواطن ، ودولة المواطن ، وحقوق المواطن ، وواجباته ، إنما نتكلم عن الانسان الواعي لمسؤولياته ، حقوقه وواجباته ، وهو الانسان الذي سعى الاسلام العظيم ويسعى الى بنائه ، فالانسان المسؤول ، هو الانسان الذي يستطيع أن يبني ، ويبدع ، ويتحرك في مجاله ، من أجل تطوير ذاته وتطوير مجتمعه ، هذا الانسان هو الذي نريد الوصول اليه.
نحن اليوم نواجه تحديات كبيرة وصعوبات جمّة من أجل تحقيق ما نصبو اليه في بناء عراق قوي مزدهر وآمن ، وتزداد هذه الصعوبات ، حين تشيع ثقافة خاطئة تقول ان الحكومة هي المسؤولة اولاً وأخيراً عن هذا البناء ، وهي الثقافة التي سادت طيلة القرن الماضي في العراق ، بل لابد من اشاعة ثقافة اخرى تقول ان الفرد والمجتمع والحكومة هم شركاء معاً في بناء المجتمع والدولة الجديدة، لان العراق الجديد لا نريده نتاج ارادة حكومة بدون ارادة شعب يدرك مسؤولياته ويعرف حقوقه ، ويدافع عنها ، وأول تلك الحقوق أن يكون له دور في بناء الدولة والمجتمع.
إننا حينما ننطلق من واقعة الغدير ، في فهم معنى تحمّل المسؤوليات ، سنجد ، أن تحمل المسؤولية ، لا تعني اكتساب المزيد من الامتيازات ، بل تحمّل المزيد من التّضحيات في سبيل النهوض بالواجب المقدّس ، ومن خلال ذلك ، سيدرك كل منّا ومن موقعه ، السياسي والديني والاجتماعي وغيرها من المواقع ، انه أمام مسؤوليات محددة عليه انجازها في دائرة عمله واهتماماته ، وإن مسؤولياتنا جميعاً ، هي التي ستحدد طبيعة دولتنا التي نريدها ، وطبيعة الثقافة التي ستحكمنا اليوم أو غداً او بعد غد.
إنني ادعو الاخوة والاساتذة الجامعيين في هذه الجامعة المباركة الى ايلاء هذا الموضوع اهمية خاصة ، وهو موضوع ـ سلبيات الثقافة القديمة في التعامل مع الدولة ـ وهذ الثقافة التي زرعتها الانظمة المتعاقبة ، واقتراح الحلول لها ، من أجل تقديم رؤية علمية تساهم في بناء العراق الجديد.
كما ادعو كل اخواني الاساتذة واعزائي الطلبة ، الى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية في بناء الوطن ، وترسيخ فكرة المواطنة الصالحة ،فهذا الوطن للجميع ، شركاء فيه ، شركاء في خيراته ، وشركاء في احزانه ومآسيه.اننا اليوم مقبلون على مرحلة جديدة في تاريخنا ، وهي مرحلة خروج القوات الاجنبية من بلادنا ، وهو أمر يجب ، أن يزيدنا عزماً وإصراراً على مواجهة كل التحديات المحتملة ، وعلينا ان نتسلح بالوعي ، والعزيمة والاصرار على تحمّل مسؤولياتنا في بناء العراق ، وحماية منجزاتنا التي تحققت خلال السنوات الثمانية الماضية .
إن التحدّي الأمني والمحافظة على الدستور والتجربة الديمقراطية التي يقوم عليها النظام السياسي الجديد ستكون في اولوية قائمة التحدّيات ، وعلينا ان نقف جميعا في مواجهة هذه التحدّيات ، من خلال تحملنا جميعا للمسؤولية تجاه ذلك.
ان الحكومة أي حكومة لن تستطيع لوحدها بناء وطن قوي ، او دولة قوية بدون ان يكون هناك تعاون من قبل شعب قوي مع هذه الحكومة ، ومن هنا نقول ان دولة المواطن لا تعني ان ينال الانسان حقوقه فقط ،بل تعني ايضا ان يقوم هذه المواطن بواجباته ، وإن بناء الوطن ، وتحقيق الانجازات ، والقيام بعمليات التطوير ، وحماية أمن الوطن ، هي كلها من الواجبات المشتركة التي يجب ان تتحملها الحكومة والمواطن معا.

ايها الاخوة والاخوات..
اتمنى ان يخرج مؤتمركم هذا بنتائج طيبة تساعدنا جميعا في بناء العراق الجديد ، وتساهم في بناء وحدتنا العراقية الراسخة ، لتكون مثل هذه المؤتمرات خطوة ايجابية على صعيد بناء العراق الجديد وترسيخ ثقافة دولة المواطن ، وأسأله تعالى ان يتقبل منكم عملكم هذا بأحسن القبول .
كما أسأله سبحانه وتعالى ، ان يتغمد شهداء العراق برحمته الواسعة ، وأن يحفظكم جميعاً من كل مكروه سلام على المراجع العظام و على الشهيدين الصدرين و شهيد المحراب و عزيز العراق  و جميع المضحين من اجل هذا الوطن العزيز.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

                                                                    عمار الحكيم
                                                                     رئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي .
                                                                         كتب ببغداد في
                                                                     15 ذو الحجة 1432هـ .
                                                                    الموافق 12/11/2011م.