ايها الاحبة .. في يوم عظيم وسعيد بمناسبة تتجدد في كل عام لنقف ونستلهم منها دروسا وعبر في بناء واقعنا واستشراف مستقبلنا ، مناسبة تمثل الامل والمدخل لحل الكثير من المشاكل التي نعانيها ، عيد الغدير الاغر ، عيد الله الاكبر ، اليوم الذي وضعت فيه الملامح والاطار لبناء الحكم العادل لتستمر هذه المسيرة ويسعد بها الانسان ، يوم عظيم نعيش فيه فرحة وبهجة وسرورا وسعادة ونعيش فيه عزما وثباتا واصرار في ان نواصل مسيرة بناء بلدنا ومجتمعنا وبناء واقعنا ، نحن على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي علينا ان نبني أنفسنا ونستلهم الدروس من الغدير ، الحديث عن الغدير هو الحديث عن الوالي والحاكم ومواصفات هذا الحاكم وأي شخصية يمكن ان تكون نبراسا كشخصية علي (ع) بعد رسول الله (ص)  ، والحديث عن الغدير هو حديث عن الولاية والحب وطبيعة القواعد والمحددات والضوابط التي تجعل هذا الحكم حكما عادلا قادرا على ان يشيع العدل بين الناس .
ايها الاحبة يكفينا ان نقف عند ماقاله القرآن في هذه المناسبة "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم " حينما بلّغ رسول الله (ص) واقعة الغدير وأخبر الناس بما خططته السماء في استمرارية الحكم العادل ، حيئذ الله تعالى يقول " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم " الكفار كانوا منتظرين ويقولون ان رسول الله قد كبر بالعمر وحين يموت نعود بالامور الى المربع الاول، كان عندهم طمع ورغبة بالاستحواذ وسرقة التجربة الاسلامية ، ولكن في اليوم الذي حددت فيه ملامح الحكم العادل بعد رسول الله (ص) يقول الله " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني " " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " أذن كمال الدين وتمام النعمة ورضى الرب بالاسلام دينا انما حصل بهذه الواقعة ، واقعة الغدير تحمل الرسائل العظيمة التي منها اكمال الدين وتمام النعمة ورضا الرب بالاسلام دينا ، رسول الله (ص) كما يحدثنا التاريخ كان مترددا ، عليّ صهره وتربى على يده ويخاف ان يقول الناس انه (ص) جعلها اسرية ووراثة وسلم الراية لابن عمه ! كان عنده قلق كيف يبلغ الامر  وكيف يخبر الناس بهذا الامر الالهي واذا أخبرهم ماذا ستكون ردود الافعال وكيف سيتعاطى مع مثل هذه الاتهامات التي قد تصدر ممن قد تكون له رغبة في ان يكون هو من  يتسلم هذه الراية ، وتتدخل السماء لتطمئن رسول الله (ص) " ياأيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته "  بهذا التبليغ تكتمل مسيرة ال23 عاما من النضال والجهد ، نلاحظ في الصوم الانسان يصوم من الفجر الى قريب الغروب فلا يحق له ان يشرب ماء حتى لو أمسك بعدها لمدة ساعتين او اكثر ، اذا شربت ماء دقيقة قبل المغرب  فالصوم من الفجر حتى هذا الوقت يكون باطلا وغير مقبول ، قبول الصيام باكماله الى اللحظة الاخيرة ، "ياءيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس "  الخطوة الاخيرة والتي فيها اكمال الدين واتمام النعمة اذا لم تبلغها يعني انك لم تبلغ الرسالة الاسلامية باكملها ، لا تقلق بشان ما يقوله الناس فالله يتكفل بذلك ويعينك على هذا الامر، الملفت ان حديث الغدير لم يشكك فيه احد فهو من الاحاديث المتواترة التي جاءت على لسان كل الرواة من مختلف التوجهات والتيارات الاسلامية ، الكل يقر بحصول يوم الغدير ، وماحصل انه في 18 ذي الحجة   وفيما كان الحججاج يرجعون الى اهليهم وبلدانهم ، وحينما وصل رسول الله في حجة الوداع الى مفترق طرق في منطقة تسمى خم فيها ماء فسميت غدير خم ، وهو مفرق طرق يتوزع منه الحججاج الى بلدانهم ، وقف رسول الله في ذلك المكان وكان هناك أناس قد عبروا المنطقة وتم استدعائهم لحضور خطبة النبي (ص) كماكان هناك أناس لم يصلوا بعد وتم انتظارهم حتى يصلوا ، في ذروة الصيف والحر اللاهب في وقت الظهيرة ويصعب الوقوف حيث ورد في الروايات ان بعض الحجاج كانوا يخلعون بعض ثيابهم ويلفون بها ارجلهم من شدة الحر في الرمال ، ساعات في الانتظار حتى يكتمل الحجاج صعد رسول الله (ص) وقال " ايها الناس الست اولى منكم بانفسكم  قالوا بلى يا رسول الله ، ثم رفع يد علي (ع) وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله " هذه الخطبة والكلام لرسول الله (ص) الكل يعترف به ويقرّه ولكن الاختلاف في تفسيرها ، نحن بناء على النصوص الواردة والفهم الذي كان من الناي يومذاك وبناء على القرينة " الست اولى بكم من انفسكم " فهذه ولاية وحكم ، لذلك نقول هذه ارادة السماء كانت في تنصيب علي (ع) .
هناك قراءة اسلامية اخرى تقول ان هذه الولاية بمعنى المحبة  ورسول الله اوقف الناس لساعات في هذا الحر اللاهب حتى يقول لهم انا احب علي بن ابيطالب وعليكم انتم  محبته ايضا ! وقد قال احد العلماء ان هكذا محبة نزلت في القرآن والناس تنتظر وفي الحر اللاهب ويقال للرسول ان هذه المحبة اذا لم تخبر بها الناس معناه انك لم تبلغ الاسلام كله " فما بلغت رسالته " هكذا محبة لا يمكن ان تكون محبة عادية وانما محبة فيها طاعة والتزام  ، وحتى اذا كانت بمعنى المحبة فهي بهذه الاجواء فانها رسالة الطاعة والالتزام ، هذا ما حصل في واقعة الغدير ..وهناك قراءتان ..قراءة ترى ان هذه الواقعة لا تعني تسليم الراية لعلي وانما نحبه ونحترمه ونجلّه ونعتز به ، والقراءة التي تنسجم مع طبيعة الظروف وطبيعة الايحاءات والاجواء ان الولاية هنا بمعنى تسليم الراية ٍوتنصيب علي (ع) ، وبذلك طرح الله تعالى مبدأ الامامة الالهية وهي امتداد للرسالة والنبوة لوجود النبي ، بغياب النبي القيادة المعصومة هي التي تمسك الراية وتاخذ بايدينا الى الامام .
الشيء الملفت اليوم نلاحظ الفكر الغربي وهم يعملون دراسات في قضية الحكم ، يقولون عندنا خيارين اما ان نعطي الحكم لرجل قوي يتمتع بصلاحيات كاملة بحجة انه حينما يمتلك صلاحيات كاملة سوف يتمكن من تحقيق كل شيء ولن يكون عنده طمع  وعندها يسعى لنجاح البلد واشاعة العدالة بين الناس ، الغرب درس هذه التجربة ورأى ان فيها مشكلة وهي ان هذا الحاكم الاوحد ذو الصلاحيات الكاملة اذا انحرف واصبحت لديه انانيات معينة واذا ابتعد عن الاطار الصحيح ولا يمكن لاحد ان يقوّمه او ينصحه وهذا يعني انحراف شعب وضياع امة وهذا مانراه في الانظمة الديكتاتورية.
النظرية الثانية هي حكم الشعب وهي الديمقراطية وهنا ايضا واجهوا مشكلة وهي ان الشعب لا يمكن ان يتفق على شخص واحد لذلك تم اعتماد الانتخابات ومن يحصل على اكثر الاصوات هو من يحكم ، وهنا مشكلة اخرى كم هي عدد الاصوات ، يقال مثلا ان فلان اصبح رئيس في الدولة الفلانية لانه حصّل على 30 % من الاصوات ولكن ال70 % ما هو حالهم ، هل هذا عدل ، عندما ياتي هذا الشخص ليكون حاكما وان 70 % من الشعب لم يصوت له هل سيعدل معهم وهل سيكافئهم ، ام يثأر منهم ، فاين العدالة ، ولكن قالوا عند المقارنة بين الديكتاتورية والديمقراطية نرى مساويء الديمقراطية أقل لانه يبقى هناك توازن باعتبار حصول الانتخابات كل اربع سنوات  وهي تعتبر افضل طريقة للوصول الى عدل منقوص ولكن اضراره اقل من الديكتاتورية ، حتى كتب بعضهم ان الديمقراطية افضل الخيارات السيئة لان فرص التغيير افضل والظلم بها اقل ، ثم عادوا في الغرب وقالوا ان الحل الاساسي ليس في الديكتاتورية ولا في الديمقراطية وانما في الحاكم والرجل المثالي وهو الرجل الذي لا يخطأ ولايشذ ولاينحرف ، شهوة السلطة ووهج السلطان لاتغرّه ، وهو يعطى الصلاحية الكاملة وهو لا ينحرف فيشيع العدل بين الناس ونصل الى المجتمع العادل ، ولكن قالوا ان هناك مشكلة وهي اين نجد ذلك الرجل المثالي لآن هذا ليس من سمات البشر فالناس خطائون ، وهذه النظرية افضل النظريات ولكنها غير ممكنة التطبيق لعدم وجود الرجل المثالي بين البشر ، ونحن نقول ان هذه افضل الحلول والنظريات نتفق معكم ولكن الرجل المثالي غير موجود نختلف معكم ، الله تعالى في القرآن الكريم ينظّر للرجل المثالي ..
اولا يفترض ان الامامة الالهية بالجعل والتنصيب وليس بالتنخيب " اني جاعلك في الارض خليفة " وهذه قضية اساسية حينما ننظر هناك دائما عملية جعل  وتعيين لابراهيم (ع) " اذ ابتلى ابراهيم بكلمات فاتمهن "نجح في الاختبار " قال اني جاعلك في الارض خليفة قال ومن ذريتي" هل تمتد هذه الخلافة والامامة فقال له الله تعالى " لا ينال عهدي الظالمين " . الظلم والاساءة الى الناس ظلم والخروج عن جادة الصواب ظلم والتعدية والتهميش والاقصاء كله ظلم ، الظالم لا يمكن ان يكون حاكما ، اذن المعصوم هو الذي لا يظلم ، وغير المعصوم لا يمكن ان يكون امام " لا ينال عهدي الظالمين " . اذن نظرية الرجل المثالي التي يتحدث عنها الغرب موجودة في القرآن الكريم قبل 1400 سنة بل هي النظرية الصحيحة التي تفترض الامام ينصّب من قبل الله تعالى .
هناك من يقول لماذا الاحتفال بعيد الغدير وقد يكون هناك من يعتقد رأي آخر وقراءة اخرى مما يتسبب في خلاف بين الناس ، وهذا الكلام غير دقيق ، فحادثة الغدير ليست حدث لتفريق الناس وانما هي مصدر من مصادر وحدتهم  ، تثقيف الناس على المجتمع العادل وعلى الحقوق وحق المواطنة الصالحة وعلى اعطاء كل ذي حق حقه وعلى ابعاد الظلم والتهميش والاقصاء بحق الناس لنرى كيف يتقدم المجتمع ويتطور وينصلح ، اذن مشكلتنا في الوقت الحاضر والقادم وفي الماضي هي مشكلة الحكم العادل ،حينما تشعر الناس بالانصاف ستكون هناك النتائج الطيبة في الاعمار والبناء والوئام والوحدة والتماسك وقوة المجتمع ، كلما كنا اقرب الى العدل كلما كنا اقرب الى الوحدة والتماسك فيما بيننا وكلما ابتعدنا عن ذلك   كلما كانت المشاكل بيننا ، اليوم في تجربتنا العراقية كم نحن بحاجة الى ترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية وانصاف الناس وحل مشاكلهم ومعالجة همومهم ، تقليل الفجوة في التمييز بين الناس ، اليوم الفقير يزداد فقرا والغني يزداد غنى وهذه ليست ظاهرة مثالية وهي ليست مؤشرات حكم عادل ولذلك تحصل هناك نقمة وامتعاض وعدم ارتياح ، رسالة الغدير ليست رسالة شيعية وليست رسالة اسلامية بل هي رسالة انسانية ، كيف نبني حكما عادلا نشيع فيه العدل والانصاف ونحقق المزيد من الالفة والمودة والمحبة بين الناس ، واذا اردنا ان نحقق ذلك فلابد من العودة الى الشباب فهم الاقدر على تحقيق التحولات الكبرى والانجازات العظيمة بما يمتلكون من العقول والطاقة والرغبة والحماس في تحقيق الانجازات ، الشاب قليل المؤونة كثير المعونة ، كلما استعننا بالشباب واعطينا الفرصة والدور لهم كلما كانت الانطلاقة اكبر واعظم ، نساله تعالى ان يوفقنا لبناء تجربة عادلة نستقيها من واقعة الغدير ومن رسالة السماء في هذا اليوم وان نرى شبابنا قتيانا وفتيات متكاتفين متماسكين متحمسين حريصين على انجاح تجربتهم وتقدم العراق ،والحرص على بناء النفس علميا وعمليا وسلوكيا حتى يكون الشاب شخصا نافعا قادرا على خدمة بلده ونهوضه وانطلاقه .