بسم الله الرحمن الرحيم

ايها الأحبة ..
نقف اليوم في جوار علي (ع) في النجف الاشرف، وقد تعودنا أن نقف هذه الوقفة بين فرح وحزن، بين عيد وعزاء،  بين خلافة وشهادة، بين غدير ومحرم، نقف لنعيش الفرحة والحزن معا نعيش عيدنا بالغدير وحزننا بالحسين(ع) ومحرم.
والحدثين على اختلاف اتجاهاتهما ولكنهما يمثلان رسالة واحدة رسالة الحكم والادارة في الاسلام والمواصفات المطلوبة في الحاكم والوالي، والموقف المطلوب فيما اذا اختلت هذه الشروط وتغير المسار وانحرف الاداء.
ففي الغدير رسالة السماء، هي تنصيب الولي الذي يتصدى لهذه المهمة وهي مهمة تصل من الخطورة الى أن تنزل آيات من الذكر الحكيم وتنطق السماء بتنصيب الوالي، وهي من الخطورة مايربط بلاغ الرسالة بابلاغه، وهو من الخطورة ما يعد اكمالا للدين واتماما للنعمة ورضا للرب بالاسلام دينا.
ورسالة محرم هي رسالة الموقف المطلوب من القيادة الدينية من المرجعية الدينية ومن الامة تجاه الحكم حينما ينحرف عن مساراته في اشارة واضحة الى اهمية هذا الموقع وضرورة الحفاظ على صدقيته، وصحة التزاماته تجاه الشعب والامة، فرسالة الغدير ورسالة محرم الحرام هي رسالة واحدة تتعدد فيها الاتجاهات ولكنها تتوحد في المغزى والمضمون والدرس البليغ الذي يقدمه الاسلام لنا.
ايها الاحبة.. ان هذا الموقع المتميز للحسين (ع) والمركزي في مجمل الرؤية الاسلامية والسلوك الاسلامي انما جاء من هذه الخلفية، ائمتنا وفي مقدمتهم علي (ع) ابو الائمة وسيدهم استشهدوا وضحوا وقدموا، ولكن للحسين مركزية لانجدها في هذا الحجم لاي من الائمة الاطهار الآخرين، مامن ليلة جمعة الا ويستحب فيها زيارة الحسين، وما من عيد الا يستحب فيه زيارة الحسين (ع)، وما من مناسبة ويوم من ايام الله الا ويستحب فيه زيارة الحسين.
ياتي يوم عرفة فمن لم يدرك عرفة عليه ان يدرك ابي عبد الله الحسين، وهكذا على مدار السنة نجد التركيز الكبير على زيارة وذكر الحسين حتى قيل كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء، هذه الحالة المركزية والمحورية في قضية الحسين (ع) لانها ذات صلة بواحدة من المفردات الاساسية المؤثرة في مسارات الحياة والانسان وتكامل الفرد وتكامل الجماعة واحقاق الحقوق والدفاع عن المظلوم واصلاح مسار الحياة، هذا هو الحسين وهذه هي دروسه في مدرسته المعطاء، وعلينا ان نقف طويلا ومليا وعميقا عند هذه المدرسة.
اننا مكلفون في شهر محرم الحرام لان نتعاطى مع الحسين تعاطي الرواية ونذكر بما جرى على سيد الشهداء  وننقل الى الناس تفاصيل المصيبة التي المت بالحسين وباهل بيته وباصحابه، ولكن علينا ان لا نقف عند تعاطي الرواية وانما ننتقل  لتعاطي الدراية بمعنى اننا نقف عند الدروس والالتفاتات والاشارات والاضاءات التي قدمها الحسين من خلال هذه المدرسة المعطاءة، وبهذا تكتمل الصورة.

"الحسين علمنا كيف نعيش ونبني هذه الحياة على اساس الحق والعدل"
علينا ان نتعاطى مع قضية الحسين (ع) تعاطيا مشاعريا نعبأ النفوس ونجيش العواطف ونشحذ الهمم نصرة ووفاء والتزاما بالحسين شخصا وبالحسين منهجا وفكرا وعقيدة ومدرسة ورسائلا للحياة قدمها الحسين (ع).
ان رسالة الحسين ليست رسالة الموت انها رسالة الحياة فالحسين علمنا كيف نعيش والحسين علمنا كيف نبني هذه الحياة على اساس الحق والعدل، واذا ما تطلبت هذه الحياة وبنائها العادل ان يضحي البعض منا فالحسين علمنا كيف نضحي ليعيش الآخرون فرسالة الحسين ليست رسالة الموت انها رسالة الحياة ومن يضحي انما يضحي ليعيش الآخر ويبني وينطلق الاخر في هذه الحياة على اساس الحق والعدل. ولذلك فان رسالة الحسين (ع) رسالة انسانية لا يمكن ان تختزل وان تنحصر في طائفة او ديانة معينة وان كان يعتمد المبدأ ويعتمد القيمة الاسلامية في مسارات وخطوات ولكن المشروع الذي قدمه الحسين في بناء الحكم العادل وفي تقويم الانحراف وفي تصحيح المسار حينما يشذ عن الطريق  وحينما يعتدي الحاكم بسلوك ظالم وينحرف عن التزاماته تجاه شعبه وامته هذه الرسالة الكبيرة التي قدمها الاسلام (ع) رسالة انسانية تعم الشعوب والامم من كان منهم مسلما او لم يكن، فرسالة الحسين هي رسالة الانسان والحياة والعطاء ورسالة البناء لمجتمعنا ولذواتنا وواقعنا ولذلك نجد ان كل الامكانات المعنوية والتعبوية والفكرية تستنفر لاثارة الاحاسيس والمشاعر مع الحسين في هذه القضية لان الفكر بمفرده غير قادر على هذه التعبئة الواسعة للشعوب والامم، ومن هنا ياتي استدراك طبيعة وفهم طبيعة الاجر العظيم الذي وضع لاستنزال الدمعة على الحسين والبكاء على سيد الشهداء.
البكاء على الحسين ليس انكسارا وليس تراجعا او ضعفا وانما هو قمة الشموخ والكبرياء والشعور بالقوة حينما يقف الانسان يحرك مشاعره في اتجاه النصرة والوقوف بوجه الظالمين وفي اتجاه الانتصار لكل مظلوم فقد حقا في حياته وفي واقعه وسلوكه ، نجد عن الامام الصادق (ع) قوله " من ذكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذبابة كان ثوابه على الله عز وجل ولم يرض له بدون الجنة " ثواب لا يقدر ولا يثمن ، هذا هو الاجر هذه الدمعة انما تحصل على هذا الاجر العظيم وتضمن الجنة للانسان لانها دمعة تدفع الانسان للانطلاق نحو تحقيق الاهداف السامية للانسان لبناء الحياة على اساس الحق والعدل.

المحور الثاني

ملاحظات سريعة علينا ان نتذكرها على الدوام ونحن ننطلق في مهمتنا التبليغية ، عمل عظيم مهمة الانبياء والرسل ان يذهب الانسان وينصح ويدعو ويذكر الناس بواجباتهم والتزاماتهم تجاه الله وتجاه الانسان وتجاه الحياة.
ولاحظنا كم هي عميقة ودقيقة الملاحظات والتوجيهات التي قدمها مراجعنا العظام في كلماتهم هذا اليوم، وأشير هنا الى بعض العناوين الاساسية:

أولا / الاخلاص .. التوكل على الله ، الاخلاص لله سبحانه وتعالى ، الحرص في ان يكون هذا العمل من اللحظة التي نخرج فيها لحين ما نصل الى تلك المساحة التبليغية والمنطقة التي نبلغ فيها، وتفاصيل هذه المهمة لحين استكمالها ان يكون الله تعالى حاضرا وشاهدا ودافعا لكل حركة وكل سكنة وفي كل كلمة وفي كل نظرة وفي كل فرحة وحزن نعيش تفاصيل المهمة التبليغية، وما كان لله ينمو ، هنيئا لكم هي مهمة الانبياء بشرطها وشروطها والاخلاص لله من اولى شروطها علينا ان ندقق ونتاكد ، حينما ترتبك هذه النية والعياذ بالله وما اكثر التحديات التي  تقف بوجه المبلغ والتي تدفعه لتحرفه عن المسار الصحيح وعن الالتزام بهذه النية الخالصة من وجاهات من احترام من حسن ظن كبير من الناس تجاه المبلغ من عطاءات اسهامات تكريم يقدم الى المبلغ الى غير ذلك من الامور والتي تحتاج الى مراقيبة ودقة حتى يبقى الانسان بنفس الطهارة والنقاء في النية التي انطلق على اساسها وعلى ضوئها في مهمته التبليغية.

القاعدة التبليغية.. قاعدة السماء للمبلغين 

سبحان الله في التبليغ ما ان ترتبك النية حتى يرتبك الاداء والتأثير، ويقل قدرة المبلغ على ايصال رسالته التبليغية والارشادية الى الناس ، عن الامام الصادق (ع) " من اراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب " يتحدث للآخرة يتمظهر بمظهر الدين والاتزام ولكن دوافعه دنيوية بواعثه دنيوية طموحاته دنيوية  ، فلا يحصل من الآخرة شيء ، لانه تجلبب بجلباب الدين ولان المهمة مهمة رسالية عادة الدنيا لا يحصلها ولا يوفق فيها وسوف يسقط في عين الناس عاجل ام آجل ، " ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة " ، فالقاعدة التبليغية قاعدة السماء للمبلغين اذاكنت تريد الدنيا اما ان تحصل على هذه الدنيا او لا تحصل عليها ، ولكن اذا كنت تريد الآخرة فسوف تحصل على الدنيا والآخرة ، فمن يطلب الآخرة تضمن له الدنيا والآخرة ومن يطلب الدنا لا تضمن له الدنيا ويضمن له عدم استيفاء الآخرة ونصيبه من الآخرة . اذن الاخلاص مطلوب.

" علينا ان ندعو الناس ونحن ملتزمين بما ندعو الآخرين"

ثانيا / القدوة ، تقديم النموذج الصالح ، تقديم وتجسيد الشخصية المثالية ، الناس تنظر الى سلوكنا قبل ان تسمع الى اقوالنا ، كيف نتعامل وكيف نتعاطى وكيف نجسد ما نقوله بسلوكنا وافعالنا ، كيف نعبر عن التزام كامل بما ندعو الآخرين الالتزام به ، هل نحن ملتزمين ، طبيب يداوي الناس وهو عليل ، كما ان طبيب الاجساد كلامه غير مؤثر اذا لم يكن ملتزما بما يقول كذلك طبيب الارواح المتمثل بكم يكون كذلك، علينا ان ندعو الناس ونحن ملتزمين بما ندعو الآخرين، القدوة " اتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون " غريبة هذه الآية افلا تعقلون لان العقل معياره، ان يكون الانسان مجسدا لما ينصح ويوصي ويوجه به الآخر.
عن الصادق (ع) "كونوا دعاة للناس بغير السنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاح والخير " حينذاك ياخذون بكلامنا ويتاثرون بسلوكنا ويتفاعلون مع توجيهاتنا وتوصياتنا وما نوصله لهم ، ومن قوامه ان يجمع المبلغ والمبلغة بين الهيبة والوقار من ناحية والتواضع وخفض الجناح من ناحية اخرى ، كيف يكون الانسان متواضعا ترابيا خدوما لكن مع مراعاة وقيود وحدود يحفظ عليها، على الهيبة والوقار والقداسة لهذا الزي الذي يرتديه والعنوان الكبير الذي يمثله، هذه الموازنة دقيقة جدا وتحتاج الى مراعاة " وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا " هكذا يجب ان نكون حتى نستطيع ان نؤثر ويتطلب ذلك ان يستشعر الانسان بالحماس والحرص والاندفاع لانجاح المهمة.

"ليس صحيحا تأدية الواجب فحسب، بل يجب ان يكون الانسان حريصا على توفير مناخ الاستماع والاصغاء والاستفادة منه"

ليس صحيحا تأدية الواجب فحسب والمهم هو اطلب الاجر من الله تعالى " وما على الرسول الا البلاغ المبين " " اللهم اشهد اني قد بلغت " ، هذا غير صحيح ، يجب ان يكون الانسان حريصا على توفير مناخ الاستماع بل الاصغاء والاستفادة منه ، يجب اختيار الوقت الذي يستفيد منه الحضور ، ويجب اختيار الاسلوب والطريقة المناسبة والمعبرة والجذابة للناس، مصطلحات الحوزة قد لايستوعبها عامة الناس ولا يتفاعلون معها ويتطلب تفسيرها وترجمتها بامثال وشواهد شعبية مفهومة للناس حتى يتاثروا بها، ليس المهم ماذا اقوله انا ولكن المهم ماذا يفهم الحضور من كلامي باعتبار انا المبلغ، انما مهمتي ان اكون في خدمته وافهمه، المهم الناس ماذا يفهمون ، هذا الشعور بالمسؤولية والحرص بالحماس في من يوصل الرسالة، هناك فرق بين الصدور وبين الوصول، البعض منا همه صدور الرسالة والبعض الآخر همه ايصال الرسالة يجب ان نكون من هذا النوع، كيف نحقق النجاح كيف نوصل الرسالة ، هذه التوجيهات القيمة التي استفدنا منها من مراجعنا العظام في الجانب الديني والاخلاقي والتربوي والاجتماعي والجانب السياسي ، كيف نستطيع ان نوصل هذه الرسائل الى الناس ليعوها ويتعرفوا عليها ويتعاملوا معها هذا هو المطلوب.
في القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم " لعلك بخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" لم يقل وما على الرسول الا البلاغ المبين ، لا ، تستنفر كل طاقتك وكل امكانياتك وقدراتك ومشاعرك حتى توصل الرسالة حتى تهدي هؤلاء الناس " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " انت تعيش في الم عميق وحسرة يارسول الله ، لاحظوا الحرص عند رسول الله كيف يوصل الرسالة.

ثالثا / الحديث على اساس الحكمة ، ان يكون حديثنا فيه حكمة ، ماذا يعني الحكمة ، ان يكون اختيار الحكمة بالموضوعات المطروحة في المكان المقصود، ان نعمل دراسات بنوعية الحضور والمستمعين، هل هم نخب مثقفين اساتذة شرائح اخرى طبقات عمالية فلاحية، ما هو مستواهم الثقافي ماهي الشبهات العقائدية  والفكرية والدينية الموجودة في هذه المنطقة، ماهي احتياجاتهم الفكرية والدينية والثقافية ثم التحدث ليس بما انا اريد وانما اتحدث بما يريدون وما يحتاجون وما يفتقدون وما يخص دينهم ودنياهم، في هذه الامور نتحدث.

" الدنيا اكبر والثقافة اوسع من اي بيئة ومن محيط  ومن اي اطار يمكن ان نتواجد فيه لايصال رسالة تبليغية، وهو مايتطلب التسلح بالعلم والمعرفة"

الحكمة اختيار الموضوعات بشكل دقيق تحديد الاولويات بشكل دقيق تحديد مستوى الخطاب، هناك اماكن ربما اطالة الحديث يزعج الحضور، في هذه الحالة يجب تقليل الوقت ولكن بمواضيع ذات فائدة ويجعل الحضور يتفاعلون في نصف ساعة مثلا اكثر من ساعة ونصف، الايجاز أو الاطناب، الاجمال او التفصيل ، قد يكون التفصيل يؤدي الى مضايقة الحضور ولكن في نفس الوقت انا عندي قضية عليّ أن أوضحها، هنا علي ان ابينها بشكل موجز واوصل الرسالة وأعبر، اذا لم يتقبل المستمع اصبح هناك حاجز وسوف لا يسمع، اذن الايجاز والاجمال وغيرها كلها مسائل ترتبط بالحكمة، تحديد المكان والزمان وطريقة عرض الموضوعات وطبيعة ادارة الامور ، ربما من خلال سؤال وجواب يمكن شد الحضور وتوصيل الموضوع الى الحضور بهذه الطريقة ، مراعاة الحساسيات والظروف التي تعيشها كل منطقة ، ومقتضى الحكمة ان لا يكون الحديث ينظر الى اليوم والى هذا الواقع ولكن من الممكن اعطاء الحضور صورة  أوسع وفتح ذهنهم ، ينظر للمستقبل والآفاق حتى تصبح عنده نظرة اوسع من مساحتهم ومن منطقتهم ومن حساسياتهم ومن الواقع الذي يعيشون ، الدنيا اكبر والثقافة اوسع من اي بيئة ومن محيط ومن اي اطار يمكن ان نتواجد فيه لايصال رسالة تبليغية ، وهذا يتطلب ان نكون ايضا مسلحين بالعلم والمعرفة ونمتلك هذا الافق الواسع حتى نقدمه الى الآخر.

رابعا / حسن الخلق .. كيف نتعامل مع الاخرين وكيف نجذب الاخرين وكيف نؤثر بالاخرين كيف نحسن العشرة معهم اذا احبونا سمعوا منا واذا حصل حالة من الصدود والانكماش سوف لن يسمعوا لنا ولن نتوفق في مهمتنا ولن تنجح المهمة التبليغية، ماهي الوسائل النفسية التي نستخدمها حتى نؤثر في الاخر وحتى نوصل رسالتنا الدينية الى الاخرين، اخلاق المبلغ تؤثر قبل كلامه وينظر لها ويقيم المبلغ على اساسها قبل سماع حديثة وكلامه وسلوك المبلغ ومن طلاقة وجهه وطيب الكلمة ولين المعاملة وتجنب اللجاج والخصومة والصراع والمنافسة وفرض الرأي على الناس الى غير ذلك، هذه مسائل مهمة في إدارة الحوار وفي اقناع الآخرين والتحبب اليهم والدخول الى القلب ومنه نصل الى عقولهم ونستطيع ان نوصل رسائلنا اليهم، تجنب الانفعالات والغضب والسخط على الناس حتى لو كان يتطلب رد فعل عنيف لكن علينا ان نتحلى بسعة الصدر وكظم الغيض والهدوء والحلم حتى نعالج الامور وحتى نستطيع التأثير، ماذا يقول القرأن لنبيه الكريم وفي خطابه مع الانبياء (( فلو كنت فظا غليض القلب لأنفضوا من حولك )) وانت سيد الانبياء وخاتم المرسلين لكن اذا كنت فض غليظ القلب لانفضوا من حولك (( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين )) لكي يبقون منشدين لأن الإنسان لحم ودم ومشاعر وعواطف ويحتاج الى مثل هذا الخفض في الجناح (( وقولوا للناس حسنى )) الدقة في الكلمات والمفردات لا تكون جارحة وكاسرة ولا تكون صادمة ومانعة حتى لو كانت ملاحظة تريد بيانها ممكن ان تكون بعبارات هادئة ورقيقة مصحوبة بأبتسامه ممكن ان تصل الرسالة دون ان يكسر الطرف الاخر وهذا الامر مهم جدا (( ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم )) اذا تعاملت بالحسنى العدو ممكن ان يتحول الى حميم تقل هذه الحواجز ويفتح قلبه لك فكيف اذا كان صديق اكيد سوف يكون التأثير اكبر (( فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون )) حينما تتعامل معهم اصفح عنهم وتساهل معهم ولا تتحدث كثيرا في قضايا شكلية ولا تقف عندها ، وعن رسول الله (ص) (( انكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم )) بالاخلاق تستطيع ان تمسك زمام المبادرة وتؤثر في هؤلاء الناس.

خامسا / الانفتاح الاجتماعي .. العزلة والانطواء قد تكون مقبولة لمن يمارس الكتابة اي انه باحث طريقه للتواصل مع الناس من خلال كتاباته ومؤلفاته، العزلة قد تكون مقبولة للعابد لكن التبليغ يعني إيصال رسالة الى الناس كيف يمكن ايصال هذه الرسالة وأنت لاتملك العلاقات الاجتماعية الكافية، ولا تملك الاحتراف في كيفية الوصول الى قلوب الناس ولا تعرف مجمل الأعراف والعادات المطلوبة ليكون الإنسان عزيزا ومحترما ومقدرا لدى الناس.

" علينا ان نعرف ونألف ما يألفه الناس ويرغبون به"

وهذه الأشياء مهمة لذا يجب التواصل مع الناس في مناسباتهم لأن ذلك يؤثر حتى في انشدادهم الى المجلس والاستماع لتوجيهات المبلغ وتوصياته ، علينا ان نعرف ونألف ما يألفه الناس ويرغبون به ، ان يكون المبلغ خفيف الظل على الناس كثير المعونة قليل المؤونة ، اذن لابد لنا من نمط أخر في التعامل مع الآخرين ليستطيع الناس التفاعل معنا ونكون بذلك قادرين على التفاعل والتأثير بالاخر.
ورد في وصف رسول الله (ص) (( طبيبا دوار بطبه )) ، اذن فأن اساس النجاح هو القدرة على بناء علاقات مؤثرة وناجحة مع الناس والاحتكاك المباشر معهم بشكل ايجابي صحيح وبناء حتى يأخذوا منا لأن رسالتنا هي فائدة الناس.

سادسا / القدرة على الحديث والاقناع .. وهذا ما يتطلب اولا ان يكون لدينا رؤية متكاملة عما نريد الحديث عنه ولدينا العلم بعمقه وبفهمه، اي انه يجب ان يكون لدينا الخلفية والإلمام والإحاطة في المعلومة التي نريد تقديمها الى الناس لأنها تمكننا من إقناعهم واقامة الحجة عليهم في هذه الشؤون والمسائل خصوصا في القضايا العقيدية والفكرية لأنها حساسة وهي ليست كالأحكام الشرعية فليست بالضرورة العلم باسبابها لكن القضايا الفكرية والعقلية لا بد فيها من الشرح والتوضيح وتأتي بالدليل وتدفع الشبه ولديك القدرة على الإجابة على كل التساؤلات مما يتطلب هذه الإحاطة والإلمام بالموضوع ومن ثم القدرة على البيان.

"يجب ان لا يبتني الحوار على قاعدة الغالب والمغلوب"

ان ضعف الحوار لا يعني ضعف المعلومة وقوة المعلومة الانتصار في الحوار دائما ، حقانية المطلب لا تعني انك المنتصر فقد تكون لديك كلمة حق لا تستطيع الدفاع عنها وقد يكون الاخر على باطل لكنه يمتلك فنون الحوار والجدل يستطيع التغلب عليك، اذن كما ان علينا الذهاب الى المعلومة الصحيحة والإحاطة بها علينا التسلح بالوسائل والاليات التي تساعدنا على اقناع الآخرين بهذه المعلومة، وهذا يتطلب ان لا نكون في موقع المنافسة اوالصراع العلمي مع الآخر ، بل يجب ان لا يبتني الحوار على قاعدة الغالب والمغلوب وابدأ مع معلومة الاخر ومن مسلماتها وبالتدريج اسحبه ليؤمن معي بالمعلومات الاخرى التي نريد ايصالها اليها وهذا شيء مهم جدا معرفة وسائل ادارة الحوار وكيفية النقاش وهذه قد يختلف من مجموعة الى اخرى وشريحة الى اخرى حسب طبيعة المساحات والجمهور والمستمعين ، ماذا يقول علي (ع) (( اذا حدثتم بحديث فاسندوه الى الذي حدثكم )) حينما تأتي بفكرة او موضع اسنده الى مصدره الذي اخذته منه، والقضايا التي لها مساس بالدين يجب ان تؤخذ من مجتهد لأبراء الذمة في بيان هذه الفكرة ((اذا حدثتم بحديث فاسندوه الى الذي حدثكم فأن كان حقا فلكم وان كان كذبا فعليه )) فقد تكون الفكرة خاطئة او غير صحيحة هنا لا يلام الناقل بل يلام المصدر الذي أخذت منه المعلومة ، وهذه مهمة في توثيق المعلومة وهذا الامر يشمل حتى في القضايا الاجتماعية ، كما الحال اليوم نلاحظ في وسائل الاعلام كثير مايقولون مصدر مطلع او تسريبات اعلامية من قالها واين وماهو الدليل ؟ منهج امير المؤمنين ورسول الله (ص) ومنهج الاسلام هو التثبت من المعلومة ومعرفة مصدرها.

سابعا /  الصبر والتحمل .. ان مهمة التبليغ تعني التعامل مع الناس وهؤلاء الناس على اصناف فمنهم من هو حاد المزاج ومنهم من هو كثير السؤال ومنهم لا يعرف الوقت هنا على المبلغ الذي يعمل على خدمة الناس التحمل ويتجاوز المنغصات من الناس ويستوعبهم والصبر هو مفتاح النجاح في المهمة التبليغية.

"نحن بحاجة الى رؤية ستراتيجية لبناء مشروع ثقافي شامل ومتكامل  في بناء واقعنا الفكري والثقافي"

ايها الاعزاء مهمتكم هي مهمة الانبياء ومهمة اساسية وضرورية وهي حاجة ملحة للأنسان ومشكلتنا في القضايا المادية نعرفها ونركض خلفها لكن الطعام المعنوي اذا تصدع ليست بالضرورة ان يشخص الانسان هذا الامر ويندفع باتجاه المعلومات الصحيحة التي تنور قلبه لذلك نحن مهمتنا كبيرة وفي ظل الغزو الثقافي والفكري الذي تتعرض له مجتمعاتنا الإسلامي نحن بحاجة اكثر الى هذه الحركة الواسعة والشاملة والتي يجب ان تنتظم وتتكامل ، والنجف في تاريخها الطويل لعلها لم تشهد سياق في تنظيم كما نشهده في هذه السنوات لحضراتكم لعدد كبير من المبلغين والمبلغات الحاضرين في مؤسسات اخرى وفي مشاريع اخرى مرتبطة بالحوزة العلمية كل هذه الجهود الكبيرة والطيبة واليوم الالاف من المبلغين والمبلغات يأتون قبل كل موسم ليأخذوا جائزتهم من المراجع الكرام العظام الذين ينقطون لهم ان تحدثوا بهذه الاحاديث في شتى المجالات الدينية والاجتماعية والسياسية لذا يكون الجميع لهم كلام ورأي واحد ويوجهون بأولويات واحدة وهذا نصر عظيم وفرصة كبيرة علينا ان نستثمرها لنطور انفسنا وادائنا التبليغي وهذا ما يجعل العمل المؤسسي التبليغي عمل ضروري واساسي في هذه المرحلة ، نحن بحاجة الى رؤية ستراتيجية لبناء مشروع ثقافي شامل ومتكامل  في بناء واقعنا الفكري والثقافي ولا يمكن أن نكتفي بالجهود الخيرة مهما كانت كبيرة ويجب ان  تنتظم ضمن رؤية متكاملة وضمن مشروع كامل ومتكامل .

المحور الثالث / السياسي

في الجانب السياسي والاجتماعي لا اريد ان اطيل كثيرا سمعنا الكثير من مراجعنا العظام في كلماتهم القيمة ليست لدي الكثير ان أضيفه ، شد العزائم واستنهاض الهمم وبعث الامل في الناس وهم يعيشون الظروف الصعبة في واقعنا الخدمي والامني ، المواطن العراقي يعيش اليوم ظروف صعبة يحتاج الى شد العزيمة ويحتاج الى بعث الامل ويحتاج الى اثارة الحماس والى تطمين وتهدئة وتطييب خواطر ويحتاج الى موضوعية وصدقية في وصف المشكلة ، تجاهل مشاكل الناس والالتفاف على الحقيقة التي يعيشها الناس في يومياتهم سيؤدي الى شعور وكأننا لانعرف ماذا يعانون ونريد ان نغطي على المشاكل وغير مهتمين لهم وهذا خطأ ، التهويل من المشاكل حتى يشعر المواطن بالاحباط واليأس هذا ايضا خطأ فنحتاج الى وضع النقاط على الحروف وتحديد المشاكل ليعرف الناس اننا معهم نعيش هذه الهموم ونعيش هذه المحنة ونتألم لآلامهم ولكن نزرع فيهم الامل ونبعث فيهم الحماس ليواجهوا هذه المشكلات حتى نخرج من عنق الزجاجة.

"نحتاج الى ساحة سياسية مستقرة"

تهدئة الساحة السياسية ونحن في ظرف حساس فالقوات الأجنبية تغادر نحتاج الى ساحة سياسية مستقرة وهادئة ليس فيها تصعيد ومهاترات ليس فيها اساءة من الاطراف بعضهم للبعض.
هذا الاستقرار السياسي ينعكس على الناس ويصبح استقرارا شعبي وينعكس على الامن ليكون هناك استقرار امني وينعكس على الاقتصاد ليكون هناك انتعاش اقتصادي وخدمات تقدم الى المواطنين الى غير ذلك، فالقوى السياسية والقيادات السياسية الكريمة تتحمل مسؤولية عظيمة في هذه المرحلة الحساسة والحرجة ، الاستقرار يتحقق بالوحدة الوطنية والوحدة الوطنية تحصل حينما يشعر الجميع بالشراكة في الادارة والشراكة في القرار نأخذ القرار سوية ونمضي في الدفاع عنه وفي تنفيذه ، نتعاون في القرار ونتعاون في ادارة الساحة لتنفيذ هذه القرارات والوقوف بوجه الأخطار والتحديات والتهديدات التي تطالنا ، هذا هو المنهج الذي لامناص عنه في بلد متعدد الأعراق والقوميات والطوائف والاديان والتوجهات السياسية بهذه التعددية الكبيرة والواسعة التي نشاهدها في العراق لا يمكن ان يتوحد وينتظم الا بشراكة وتعاون وبثقة بين الاطراف ولا يمكن ان يكون هناك ثقة اذا كان كل منا يحتفظ بجزء من المعلومة او جزء من المساحة فلذا علينا ان نتشارك مع الجميع نشركهم ونحملهم المسؤولية في ظل موازنة دقيقة بين الحقوق والواجبات الكل عليه واجبات ولكن الكل له حقوق ايضا اعرف حقوقه وضمنها ثم طالبه بواجباته ، هذه ستكون هي الموازنة الدقيقة التي تحقق لنا الامن والاستقراروتطور بلادنا.
السلام عليك سيدي ابا عبد الله ونحن ماضون على نهجك الذي رسمته لنا وللانسانية جمعاء وسنبقى اوفياء لدمك الطاهر ولمشروعك الانساني والاسلامي الكبير ونمضي في الترويج له وفي التثقيف عليه وفي تذكير الناس به على الدوام لعل ذلك يساهم في بناء مجتمع عادل كما نتمناه.