قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز "بسم الله الرحمن الرحيم ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " صدق الله العلي العظيم " .

أيها الأحبة .. في يوم الكرامة في الذكرى 32 لاستشهاد الإمام الشهيد الصدر وأخته العلوية الفاضلة الشهيدة بنت الهدى ، نستذكر علما كبيرا من أعلام أمتنا ، نستذكر رمزا من رموز وأعلام ونجوم ساحتنا وشعبنا ، نقف اليوم لنستذكر صدر العراق ، لنستذكر صدر التضحية والإباء والعطاء ، ولنستذكر كيف انتصر الدم المظلوم الدم البريء ، الدم الواعي كيف انتصر هذا الدم على السيف وعلى كل تلك الماكنة الضخمة وتلك الأجندة الملتوية وتلك الخطوات الظلامية ، نقف اليوم لنستذكر الإمام الشهيد الصدر (قدس سره الشريف ) ، ماذا نقول فيه وقد اختزل في منهجه ذلك الفكر العلوي والإباء الحسيني ومثّل مشروعا واعدا لامتنا وشعبنا لازلنا ننتهل منه ونجلس على مائدته ونبني عراقنا ووطنا على أساس تلمك الملامح المهمة لمشروعه ، الشهيد الصدر كان كتلة من العطاء والتضحية والجد والاجتهاد والجهاد في سبيل الله ، الشهيد الصدر استطاع أن يستوعب في وقت مبكر طبيعة التضحيات وطبيعة الآفاق المرجوة لبناء مشروع وطني إسلامي في العراق فكان يسبق زمانه تلك الظروف وأولئك الذين عايشوه وعاصروه بكثير ، ولم يعرف الشهيد الصدر كما هو الكثير من المصلحين  والمجددين المؤثرين في تاريخ الإنسانية لم يعرف إلاّ بعد حين ، وهذا هو واقعنا الإنساني لا نعرف قيمة هذه الدرر وهؤلاء الأعلام من ذوي القامات العالية إلاّ بعد أن نفقدهم وأحيانا بعد عقود أو قرون من الزمن . حينما نقف عند شخصية الإمام الشهيد الصدر نتلمس الضوء في المحطات المظلمة التي مررنا بها ونمر بها في مسيرتنا الشاقة والمريرة لبناء هذا الوطن ، الشهيد الصدر فجّر الوعي قبل أن يفجّر الثورة فكان عالما ومفكرا وفقيها وفيلسوفا قدّم نظريته لمواجهة التحديات الفكرية في مجتمعنا ووفر البيئة الملائمة لتلك الثورة التي استمرت حتى تعصف بذلك النظام الصدامي لتكون نهايته في نفس اليوم الذي استشهد فيه الإمام الشهيد الصدر ، ولذلك نجد أن الشهيد الصدر بقدراته الفكرية والعلمية الفائقة استطاع أن يحرق المراحل في مدة زمنية قصيرة وان يبني ملامح مشروع لم يفهم بعمقه في حينه ولكن قدّرت الأيام أن تنضج الرؤية وتزداد الفهم لذلك المشروع الكبير ولكن قوى الظلام أدركت وفي وقت مبكر ماذا يعني الإمام الشهيد الصدر وما هي الطفرة الفكرية والاجتماعية التي يمكن ان يحدثها الإمام الصدر فاجتمعت كلمتها على تغييبه وإبعاده لتساهم بوعي أو بغير وعي ، بقصد أو بغير قصد في غرس تلك الرؤية وذلك المشروع بعمق في جذور شعبنا وأمتنا لأنهم لا يفقهون سنن الحياة ،  الدم والتضحية لا تمثل النهاية وقد تكون البداية في كثير من الحالات وهي كذلك في مشروع الإمام الشهيد الصدر ، أرادوا أن يغيبوا الإمام الحسين في يوم عاشوراء حينما سقط مضرجا بدمه فكانت انطلاقة الثورة الحسينية من يوم عاشوراء ، وأرادوا أن يغيبوا الإمام الشهيد الصدر في التاسع من نيسان فكانت الانطلاقة الحقيقية التي أسقطت عروش الظالمين في التاسع من نيسان أيضا ، هذه سنن الكون وهذه القواعد التي تتحكم بمجرى التاريخ والأمم والشعوب ، فكان التاسع من نيسان هو البذرة وهو النتاج وهو بداية الانطلاق وهو يوم جني الثمار حينما سقط الظالم في ذلك اليوم . ان الإمام الشهيد الصدر يمثل محطة مفصلية في تاريخنا المعاصر وفي مسار أبناء شعبنا سواء كان في بعده الفكري او الاجتماعي او السياسي ولذلك نجد ان هذا المشروع المنوع المتكامل الذي قدمه الشهيد الصدر استطاع ان يلبي الاحتياجات الضرورية للواقع الفكري والعقيدي كما هو الواقع الاجتماعي والسياسي ، حينما نجد الرؤية الواضحة والعميقة التي قدمها الشهيد الصدر لمعالجة تحديات حقيقية كان يعيشها أبناء شعبنا بل امتنا الإسلامية والعربية ، ان هذا التقابل بين استشهاد الصدر وسقوط النظام الصدامي ليس صدفة وإنما هو تأكيد لهذه السنّة الإلهية .
أيها الأعزاء إننا حينما نقف في هذه المناسبة نستذكر الدور المحوري الذي كان للامام الشهيد الصدر في مجمل التطورات والأحداث التي أعقبت استشهاده وصولا الى يومنا الحاضر وحينما نستذكر الاقتران في الشهادة بين الإمام الشهيد الصدر والعلوية الشهيدة بنت الهدى نستذكر الدور المحوري للمرأة والمكمل لحركة المصلحين في التاريخ فلا تبرز ثورة الإمام الحسين في وهجها المعروف دون أن تكون للحوراء زينب وقفة أساسية ، وحركة الامام الشهيد الصدر ومشروعه ازداد رونقا وتأثيرا وكمالا بوجود شخصية فذة كالشهيدة بنت الهدى الى جانبه في هذا المشروع ، إذا أردنا ان نقف عند شخصية الإمام الشهيد الصدر ونتلمس المشروع الذي قدمه لشعبنا وامتنا لابد ان ننظر الى البيئة التي انطلق منها والمصلحون يتأثرون بالبيئة وبالظروف التي تكتنف مسيرتهم حيث نلاحظ انه انطلق في رحاب مرجعية الإمام السيد محسن الحكيم بما حملته من تطورات وانجازات كبيرة وبما شهدته من تحديات ضخمة ان كان على المستوى الاجتماعي او على المستوى السياسي ، وبدأ الشهيد الصدر يأخذ مدياته وانطلاقته في رحاب هذه المرجعية ليواصل مشروعها ومساراتها ويؤثر في هذا المشروع ويطور فيه في مرحلة ما بعد وفاة الإمام السيد محسن الحكيم (قدس سره ) ، وكانت المدارس والاتجاهات القومية وكذلك الاتجاهات اليسارية الصاعدة في تلك الحقبة وما تحمله من أيديولوجيات وأفكار ورؤى وتصورات وسلوكيات كانت تتطلب وقفة ووضع الرؤية والتصور الإسلامي الصحيح في التعاطي مع مثل هذه التوجهات فكريا وسياسيا واجتماعيا وقد قام الشهيد الصدر بعمل كبير ومؤثر في فلسفة هذا الواقع وتقديم الحلول والمعالجات لمثل هذا المسار .

الملامح والركائز التي ارتكز عليها مشروع الإمام الشهيد الصدر.....
الملمح الأول من ملامح مشروع الشهيد هو المرجعية الدينية ودورها الرائد والمتميز في شتى المجالات ودورها أيضا في المسار الاجتماعي والسياسي وحينما نراجع التطور الفكري والفقهي الذي سار فيه الإمام الشهيد الصدر نجد انه ابتدأ بالإيمان بالعمل الحزبي في إدارة المشروع السياسي ليتطور فيما بعد الى التوجه المرجعي والتيار المرجعي في العمل ليكون المرجع هو المحور وهو الأساس ومن خلال المؤسسات التي يمتد من خلالها الى الأمة وتمثل اذرعه في الأمة كي يستطيع ان يحقق الضمانات الكافية لحقوق الشعب ويمارس دوره في الرعاية وفي التدقيق وفي تقديم الرؤية الصحيحة التي تخدم مصالح الأمة . وشهيد المحراب في إصداره "النظرية السياسية عند الشهيد الصدر " يضع تصورا دقيقا لهذا التطور الفقهي والمساجلات والنقاشات العلمية التي كانت بين الشهيد الصدر وبين شهيد المحراب وأدت الى تطور في رؤية في موقف وفي رؤية الشهيد الصدر ، وهذه الوثائق والمداولات والتي كانت عبر رسائل خطية لازالت متوفرة ولم تنشر بشكل كامل وكان شهيد المحراب يرتئي ان تنشر بعد وفاته لما فيها بعض المديح والإطراء لشخصه ولبض الأفكار التي قدمها .

الملمح الثاني من معالم مشروع الشهيد الصدر هو التوازن الدقيق بين التجديد والتأصيل ، فكان الشهيد الصدر مجددا وقدم رؤية واضحة ونظريات طور فيها العديد من العلوم في الفقه والأصول وفي الرجال والدراية والتفسير والفلسفة والمنطق وهكذا في العديد من المجالات الأخرى ولكنه كان يستند في ذلك الى الجذور الأصيلة والأدلة الواضحة من الكتاب والسنة في تقديم مشروعه التجديدي والإصلاحي ما مثل مشروعا تجديديا يتمتع بكامل الأصالة المطلوبة في هذه المسارات والمتبنيات وصولا الى رؤية إسلامية متكاملة .

الملمح الثالث يتمثل في الشمولية في مشروع الإمام الشهيد الصدرويمكن أن نتلمس هذه الشمولية في العديد من الجوانب ، هناك شمولية في مساحات الحركة فكان الشهيد الصدر يهتم بشكل كبير في الجانب العلمي والمعرفي والفقهي لمشروعه والتنظير له وتقديم الرؤية الصحيحة التي كانت مطلوبة آنذاك لمواجهة التحديات الفكرية والأيدلوجية ولكن إلى جانب ذلك كان يهتم بالجانب الاجتماعي وكانت مرجعية الشهيد الصدر مرجعية ذات أبعاد اجتماعية ولها صلات كبيرة وجذور ممتدة مع الأمة .
 وفي جانب ثالث كان يهتم بالمشروع السياسي وكيفية إنقاذ الشعب العراقي وتخليصه من ذلك الحكم الظالم وكيفية ضمان حقوق  أبناء الشعب العراقي وله في ذلك الكثير من المواقف والبيانات والخطوات الكبيرة ولعل السبب المباشر في استهدافه كان يتمثل بتركيزه على هذا الجانب لأنه ذو حساسية اكبر من الجوانب الأخرى .
 الجانب الرابع  هو الاهتمام بالبعد الحركي وتنظيم النخب ودفعها في المسارات والاتجاهات التي تساعد أبناء الشعب العراقي على عملية المواجهة الفكرية للمدارس المنحرفة أو المدارس الأخرى التي كانت تأخذ خطا صاعدا وتواجه الرؤية والفهم الإسلامي آنذاك وكذلك التعبئة في المجالات الاجتماعية والسياسية .
وفي الجانب الخامس اهتم بشكل كبير بالحوزة العلمية والمناهج المطلوبة لهذه الحوزة وكيفية تطوير أدائها لتكون قادرة على مواكبة التطورات وتكييف نفسها مع الاحتياجات والضرورات المتسارعة في مجتمعنا وواقعنا واستطاع ان يقدم خطوات مهمة وأساسية في هذا المجال . كذلك الشمولية يمكن ان نتلمسها في اهتماماته العلمية فلم تنحصر في مجال واحد وإنما ولج في العديد من المجالات المعرفية واصل فيها وجدد فيها وقدم الكثير كما أسلفت في الفقه وفي الأصول والرجال وفي الفلسفة وفي التفسير وفي الكلام قدم الكثير من النظريات والتصورات والرؤى في هذه المجالات .
كما اننا نجد الشمولية في نظرته العلمية فلم يكن ينظر الى الواقع العلمي نظرة تجزيئية وانما يسعى ان يجمع هذه المفردات والتفاصيل والمواقف التفصيلية الفقهية ليستنبط منها قواعد وضوابط ينظم فيها المسارات فيما يطلق عليه بفقه النظرية وكان يمتاز كثيرا بهذه الرؤية الشمولية في وضع النظريات والرؤية الإسلامية في مختلف المجالات .
كما يمكن ان نتلمس هذه الشمولية في تعامله مع الأمة ، حيث كان يرى في نفسه مرجعا من مراجع المسلمين وحاملا للهم الإسلامي ولا بد ان يكون للشعب بكل أطيافه وبكل توجهاته فلم يكن يختزل نفسه ويحصر نفسه في مساحة واحدة وإنما كان شاملا ومنفتحا على كل القطاعات ما مثل نقطة قوة كبيرة في مشروع الشهيد الصدر.
ونلاحظ ايضا هذه الشمولية في فهمه للدولة العصرية وللمجتمع المتطور المبتني على القيم والمبادئ الإسلامية وهذا ما برز بشكل واضح في كتابه فلسفتنا وكتابه اقتصادنا حينما أراد أن يضع التصورات والنظرية الإسلامية لإدارة حكم عادل قادر على أن يفي باستحقاقات المرحلة.

الملمح الرابع في ملامح مشروع الشهيد الصدر هو التحدي، حيث نجد التحدي في خطوات الإمام الشهيد الصدر في مختلف المجالات ولكن ليس التحدي الناتج من الانفعالات العاطفية وإنما التحدي المدروس الناتج من قراءة واعية ودقيقة تتطلب منه الإقدام والخطوات الجريئة والشجاعة لكسر حاجز ولنقل الأمة إلى واقع جديد فنجد هذا التحدي في ميدان الفكر وكان السائد آنذاك هو موقف الدفاع ومحاولة تبرير الرؤية الإسلامية أمام التيارات والأيدلوجيات الصاعدة آنذاك وصولا الى الدفاع السلبي في بعض الأحيان الذي كان يمارس في التنظير وفي الكتابة من قبل المفكرين ولكن الإمام الشهيد الصدر انتقل من حالة الدفاع السلبي الى حالة الدفاع الايجابي ومنه الى الهجوم وتقديم الرؤية الإسلامية الواضحة في معالجة تلك المفاهيم التي كانت تقدم من قبل التيارات الفكرية الأخرى ولذلك نجد انه يقف ويتعرض بتفصيل ووضوح عمق النظرية الاشتراكية والنظرية الرأسمالية ولا يكتفي بإيجاد مقارنة بين هاتين الفلسفتين ليتبين من خلالهما نقاط القوة والضعف وموارد الاشتراك والاختلاف بينهما وإنما ذهب لإيجاد مقارنة بين هاتين الفلسفتين وبين الفلسفة الإسلامية في الاقتصاد واستطاع ان يبرهن ويثبت إن الإسلام له رؤية ونظرية اقتصادية واضحة ومتكاملة تختلف عن النظرية الرأسمالية كما تختلف عن النظرية وعن الفلسفة الاشتراكية في هذا الموضوع وهاتين المدرستين كانتا تبتنيان على خلفية تحليل مادي بحت لواقع الحياة فيما ان الإسلام يدخل عناصر جديدة مما تصبح النظرية متكاملة وواضحة وكان لهذه النظرية التي قدمها في كتاب اقتصادنا تأثيرات مدوية في واقعنا الإسلامي والغربي واليوم هذا الكتاب يدرس في جامعات مهمة في العالم الاسلامي وفي الغرب .
كما نجد التحدي من قبل الإمام الشهيد الصدر في المشروع السياسي وقف ليواجه السلطة والنظام آنذاك وهو يعرف ان هذه المواجهة ماذا ستعني في نظام دموي لا يعرف طريقا الا  القتل والاستهداف للناس ولمن كان يقف بوجه ولكنه كان يرى في ذالك مشروعا استشهاديا فان الأمة بحاجة لدمه الطاهر حتى يتحول هذا الدم الى هزة عنيفة تغير من واقع هذا الشعب وتحرك هذا الشعب للمطالبة بحقوقه .
كما ونجد التحدي في طبيعة الظروف الحرجة والعصبة التي مر بها الإمام الشهيد الصدر في مسيرته الطويلة حيث الثبات والصبر والصلابة كانت السمات الأساسية في كل هذه المسيرة والمراحل الطويلة لمشروعه .

الملمح الخامس نكران الذات والذوبان في المشروع، فالإمام الشهيد الصدر كان يفكر بالمشروع قبل ان يفكر بدوره وموقعه في هذا المشروع حينما رأى مرجعية صاعدة ولها إمكانية الحركة وفرص النجاح متمثلة بمرجعية الإمام الخميني ( قدس ) قالها بوضوح ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الاسلام ولم يتوقف عند الاعتبارات الأخرى ليرى في نفسه مرجعا والناس تلتف حوله وليس حول مرجع آخر، المهم فرص النجاح المهم كيف تعبأ الامة لتدافع عن حقوقها وتحقق أغراضها وأهدافها المشروعة هذا ما كان يفكر فيه الشهيد الصدر وكان يعرف جيدا ان قرار التصدي لتلك السلطة الحاكمة كانت تعني الشهادة بكل المعايير وكان يعرف ذلك ويبوح ويصرح بذلك وهو يقوم بعلمية استشهادية في هذا الأمر ليوجد هذه الهزة في ضمير الأمة وكان له تحليل في حركة الإمام الحسين (ع) ويرى ان الإمام الحسين إنما أقدم على الشهادة بالرغم من علمه بعدم وجود فرص لتحقيق نجاحات عسكرية في تلك المعركة انما هو إيجاد هذه الهزة في ضمير الأمة وهو كان يرى ان الظرف يتناسب ويواكب تلك الحالة فلا بد من دم بمستوى دم الشهيد الصدر حتى يوجد هذه الهزة في الأمة .
هذه السمات لشخصية عظيمة وكبيرة ومؤثرة لشخصية أرادت أن تسجل تاريخها وتاريخ شعبها وأمتها في أوراق بيضاء في تاريخ مضيء لهذا الشعب ولهذه الأمة وان تحفر مواقفها في ذاكرة وفي ضمير الوطن والمواطن ، وهكذا كان اليوم وبعد مرور 32 عاما يقف أبناء الشعب العراقي ومعهم الكثير من المخلصين عربا ومسلمين ومن غير العرب والمسلمين أيضاً من مختلف الديانات ومن مختلف المشارب ونرى اليوم في هذا الحضور الكريم من يمثل ديانات مهمة نعتز ونفخر بها في العراق وتمثل جزءا أساسيا من الفسيفساء العراقية الكل نجتمع هنا لنؤبن الشهيد الصدر نجتمع هنا لنستذكر الدور الكبير الذي قام به الشهيد الصدر وهذه رسالة واضحة عن مدى نجاح الشهيد الصدر في مشروعه وفي مساراته .

 شهيد المحراب امتدادا لمشروع الإمام الشهيد الصدر..
ومثل ما كان الشهيد الصدر نتاجا لمرجعية الإمام الحكيم فكان شهيد المحراب امتدادا لمشروع الإمام الشهيد الصدر اخذ على عاتقه ان يدافع عن هذا المشروع ويوضح هذا المشروع بعد استشهاد الشهيد الصدر وهذا ما كنا نلمسه دائما ، شخصيا لا أتذكر ان شهيد المحراب ارتقى المنبر في خطاب او كلمة  او ندوة إلاّ وذكر الإمام الشهيد الصدر فيها  وأشار الى نظرية او رؤية او موقف للشهيد الصدر في هذه الأمور ، وحتى في مؤلفاته يكثر من الاستشهاد والرجوع الى بعض المطارحات الفكرية التي كانت له من الإمام الشهيد الصدر وكان يرى في ذلك جزءً من الوفاء بحق هذا العالم الكبير وكان يتحدث عن مظلومية الإمام الشهيد الصدر لأن فكره ومشروعه لم يتضح كما ينبغي إلى الملأ وكان يحرص كلما كان له مشروع خدمي أو إنساني أو فعالية معينة أو إعلامي أن يكون اسم الشهيد الصدر في هذا المشروع وفاءا لرفيق دربه وأستاذه الإمام الشهيد الصدر .

الشهيد الصدر يركز على مفهوم الكرامة الإنسانية وخدمة المواطن ..
إننا حينما نستذكر هذه الشخصية الكبيرة نستذكر عمق الرؤية والمبدئية العالية التي اتسم بها الشهيد الصدر والمشروع الذي قدمه للأمة والتي أصبح منارا ومرتكزا أساسيا في بناء واقعنا  أيها الأعزاء حينما نتحدث عن مشروع الشهيد الصدر لا بد لنا ان نقف عند الأحداث الإنسانية في هذا المشروع أيضا فالإمام الشهيد الصدر اهتم كثيرا بمفهوم الكرامة للمواطن العراقي ويجب ان يكون المواطن كريما في وطنه ويجب ان نحرص على تعزيز هذه الكرامة وهذا ما نجده في العديد من الكلمات المهمة التي قالها وتحدث بها لترسيخ هذا المفهوم ومنها قوله (قدس سره)  لتتلاحم صفوفكم تحت راية الإسلام ومن اجل إنقاذ العراق  من كابوس هذه الفئة المتسلطة وبناء عراق حر كريم تغمره عدالة الإسلام وتسوده كرامة الإنسان .
 يركز الشهيد الصدر على مفهوم الكرامة الإنسانية ويعتبرها أساساً في نجاح الحكم والإدارة وسلط فوهاته وانتقاده لذلك الحاكم الظالم حينما تجاوز على كرامة العراقيين .
كذلك موضوع خدمة المواطن , كانت تمثل أساسا وركيزة مهمة وهذه الخدمة فيها بعد معنوي وفيها بعد مادي , البعد المعنوي يرتبط ببناء الإنسان والدولة تتحمل مسؤولية في هذا الشأن

الدولة الناجحة هي التي تعز المواطن وترفع من شأنه ..
وفي البعد المادي الرفاه والاعمار والبناء هذه مهمة أساسية , لاحظوا ماذا يقول الامام الشهيد الصدر في احد كلماته , وهو يصف الدولة يقول " تفجر في المواطنين طاقات هائلة " الدولة لا تكون دولة إذا لم توفر الفرص وتفجر هذه الطاقات الهائلة للأمة وتمدهم بزخم روحي كبير وتجعل كل فرد يشعر بان استجابته لعملية البناء التي تقودها الدولة هي استجابة لكرامته وعزته " الدولة الناجحة هي التي تشعر المواطن بان كل خطوة من خطواتها تعزز هذه الكرامة وتعز المواطن وترفع من شان المواطن والمواطن يجب ان يدرك ذلك وان يرى ويقيم هذا الأداء وهذا السلوك للدولة على انه يصب بشكل مباشر في عزته وكرامته , وهذا لا يكون الا حينما يتحول المسؤولون الكرام  الى  موقع الخدمة ويفتخروا في أنهم في خدمة هذا الشعب ورعاية هذا الشعب , إننا بحاجة الى دولة خدومة , الى دولة راعية وليس دولة مخدومة, هذا هو المنهج الذي قدمه الإمام الشهيد الصدر (قدس سره ) وهذه هي المهمة الثقيلة التي يضعها على عواتق السادة المسؤولين , في الاهتمام المادي والمعنوي والحفاظ على كرامة المواطنين وتوفير الرفاه الاجتماعي والاعماري والبناء , في موقع آخر يقول (قدس سره ) ان الثروة ليست هدفا بذاته , وليس المهم ان يكون لدينا نقود وأموال وميزانية ضخمة, لا وإنما هي وسيلة لإيجاد الرخاء والرفاه وتمكين العدالة الاجتماعية من أن تأخذ مجراها الكامل في حياة الناس والثروة المواطن يجب أن يراها على مائدة الطعام وهذا هو المطلوب , ثروة يتلمس آثارها المواطن في بناء واعمار وكهرباء وخدمات وماء وشق طرق وما شابه ذلك ومدارس ومستشفيات , هذه الثروة هي المطلوبة , الثروة التي تسهم بشكل كبير في تحقيق العدالة الاجتماعية هذه هي الثروة المطلوبة أما ثروة نسمعها بالتلفزيون ونقرأها بالصحف ولا يجدها ملموسة بين يديه ليست هي الثروة المطلوبة كما يصورها الإمام الشهيد الصدر في رؤيته للدولة ولمهام الدولة ومسؤولياتها .

مشروع الشهيد الصدر ..احترام الخصوصية والانفتاح على العراقيين بكل أطيافهم
أيضاً في المشروع الإنساني احترام الخصوصية والانفتاح على العراقيين بكل أطيافهم , هذه كانت تمثل معلما أساسياً الشهيد الصدر حينما يخاطب العراقيين حتى لا يكتفي بالقول ايها العراقيون, يا أبناء الشعب العراقي , ولكن يسعى ان يطلق الرسائل التي تعبر عن اهتمامه واحترامه لجميع القطاعات لهذا الشعب , يا أبناء علي وعمر , يا أبناء البصرة والموصل , والرمادي والنجف , وأمثال ذلك الكثير حينما نتابع بيانات وخطابات وكلمات الإمام الشهيد الصدر فكان حاملا لمشروع الوطنية وكان مدافعا عن الشراكة بين العراقيين , وكان مجسدا لهذا الانفتاح على كافة أطياف الواقع العراقي ولابد لنا ان نتعلم دروسا كبيرة من الإمام الشهيد الصدر ومن مشروعه ونحن نبني العراق الجديد.

 الشعوب تبقى والأوطان تصمد ..وكل دخيل يذهب بلا رجعة
في التاسع من نيسان نستذكر سقوط النظام الصدامي وبناء العراق الجديد الواقع الجديد في العراق , ولابد من كلمات قصيرة بما يرتبط مع هذه المناسبة , جاء الطغاة وحكموا لعقود , واحرقوا الحرث والنسل وأساءوا وقتلوا وسجنوا وصنعوا المقابر الجماعية وحلبجة والأنفال وغيرها في كل مكان ورحلوا, وبقي العراق وبقي الشعب العراقي , وجاءت القوات الأجنبية ورحلت وبقي العراق وبقي الشعب العراقي , انها سنة إلهية مهمة, فان الشعوب تبقى والأوطان تصمد في ما ان أي شيء دخيل يأتي ويذهب , هذه رسالة لنا جميعا كيف نتعامل مهما بلغنا ومهما قمنا أين الفراعنة ، أين الظالمين والطغاة ،  أصبحوا نموذجا وعبرة لمن يريد الاعتبار في هذه الدنيا, رحلوا وذهبوا وبقيت الشعوب والأمم والأوطان , كل من موقعه عليه ان يدرك هذه الحقيقة , لنعمل لهذا الشعب ولهذا الوطن, لنستفرغ الوسع ونبذل الجهد من اجل خدمة هذا الشعب , هذا هو الذي يبقى , يبقى في ذاكرة العراقيين , في ذاكرة الشعوب والأمم , ويبقى عند ملك مقتدر في اليوم الذي نحاسب ونكاتب ونعاتب , علينا ان ندرك هذه الحقيقة بشكل جيد.

لتعترف النخبة السياسية بان هناك أخطاء مهمة ارتكبت ولابد من معالجتها
العملية السياسية في العراق حققت نجاحات مهمة , في إعادة هيكلة الدولة وبناءاتها وكتب الدستور وأجريت الانتخابات , وهناك الضمانات الدستورية للحريات وغيرها كثير ولابد ان ننصف ونقول ان هناك انجازا مهما تحقق ويجب ان نعرف ماذا حققنا وماذا أنجزنا لنفتخر بما حققناه , فان كل انجاز تحقق هو بفضل صمود العراقيين والدماء الزكية التي قدموها في هذا الطريق ولكن يجب ان لا ننسى ان أمامنا مشوارا طويلا وشاقا لاستكمال المشروع في بناء العراق الدولة العصرية الناجحة في العراق بما نتمناه ونحلم بها وهو حلم ممكن التحقق إذا ما وقفنا وبذلنا الجهود من اجل ذلك , بعد عقد من الزمن ومرور عشر سنوات على سقوط نظام صدام علينا ان نقف ونعترف بشجاعة أننا ارتكبنا بقصد أو بغير قصد الكثير من الأخطاء , ويمكن القول أننا جميعا ارتكبنا هذه الأخطاء ولا يستطيع احد منا ان ينزّه نفسه , كلنا أخطأنا وكلنا ذهبنا في مسارات وفي خطوات اليوم نادمون عليها لو عادت عقارب الساعة نقول هذا التصريح كان من المفروض أن لا نقوله وهذا الموقف لا نعمله وهذه الخطوة لا نعمل بها وهكذا أشياء كثيرة وكثيرة ، وليس عيبا ان يخطيء الانسان في تجربة حديثة ووليدة, قادة العراق اليوم المتصدين من القوى السياسية كانوا معارضة لفترات طويلة لم يتيسر لهم ان يساهموا ويشاركوا في الحكم في وقت مضى من الطبيعي ان يقعوا في أخطاء, نحن لا نلوم أنفسنا لأننا أخطأنا , ولكن نلوم أنفسنا إذا أردنا ان نكابر ولا نعترف بأخطائنا أمام شعبنا ويجب ان نلوم أنفسنا اذا امعنّا في ارتكاب الأخطاء وأصررنا على ان نكرر هذه الأخطاء وعدم معالجتها, ليس معيبا ان يخطيء الانسان, ولكن من المعيب ان يصر على الخطأ, وان يمعن في الخطأ هذا هو الذي يجب ان نتجاوزه لذلك النخبة السياسية الواعية يجب ان تستثمر هذا الحدث وهذا اليوم لتعترف أمام الشعب بان هناك أخطاء مهمة ارتكبت ولابد من معالجتها .

ندعو القوى السياسية لان تتكاتف وتتعاضد وتكبر على بعض المطامع الشخصية والفئوية..
كما إننا نجدد شعورنا بالقلق على العملية السياسية الجارية في العراق من بعض المنعطفات الحرجة التي حصلت والتي قادت الى الواقع الذي نعيشه اليوم حيث التوتر والأزمات المتلاحقة وكما ذكرت في مناسبة سابقة كنا في مشكلة سياسية تعمقت فتحولت إلى أزمة سياسية واليوم الأزمة السياسية تتعمق لتتحول الى عقدة سياسية وإذا لم نتدارك هذا التوتر وهذه الإشكاليات فقد تسير الأمور بما لا نتمناه للاستقرار السياسي والحفاظ على النظام الديمقراطي والوئام والمحبة بين العراقيين , إننا ندعو القوى السياسية الكريمة جميعا لان تتكاتف وتتعاضد وتعض على الجراح وتكبر على بعض المطامع الشخصية والفئوية هنا او هناك وتستحضر المصالح العامة للوطن وتستحضر مصالح المواطنين وهذا الشعب الذي منحنا جميعا الثقة لتكون هذه القوى السياسية في مواقع الخدمة التي هي فيها , علينا ان نغلّب هذه المصالح ونتخذ المواقف والخطوات الصحيحة في وضع حد لهذا التوتر والخروج بنتائج قادرة على ان تعيد اللحمة الحقيقة وتعزز الوئام الوطني بين العراقيين , ان الحكمة والمنطق تتطلب الاستماع الى الشعب , القيادي الحكيم والمسؤول الذي يعمل على أساس الحكمة والمنطق يجب ان يقف ويستمع الى شعبه , يستمع الى هموم الشعب ومعاناته  ولا يسمح لهذا الاحتقان ولهذه الملاحظات والامتعاض ان تتراكم لتعبر عن نفسها في لحظة حرجة بطريقة غير منضبطة وغير مدروسة تضر بمصالحنا جميعا , لذلك نحن جميعا أمام مسوؤلية كبيرة في هذا الموضوع , ولابد ان تتم هذه العملية بعيدا عن تهييج العواطف وبعيدا عن مشاغلة المواطنين بالأزمات , نحن بحاجة الى هدوء والى استقرار, بحاجة الى رؤية واضحة يشعر بها المواطن ، ان المسؤولين منعكفون على خدمته ومعالجة همومه وحل الإشكاليات القائمة في البلد , ان كان سياسيا او خدميا او تنمويا أو في مجال آخر, كما ان أبناء شعبنا عليهم ان يتحملوا مسؤولياتهم الكبيرة في الحفاظ على الواقع الديمقراطي في تثبيت دعائم هذا النظام , في الدفاع عن حقوقهم التي كفلها الدستور , في الحفاظ على الدستور الوثيقة المهمة التي ما كانت لتكتب وتقبل وتصبح أساساً في هذا الوطن لولا استفتاءهم عليه, الشعب هو الذي يتحمل المسؤولية الى جانب السادة المسؤولين الكرام.

لابد من الحرص على استثمار نجاح قمة بغداد ليأخذ العراق موقعه اللائق ..
 في ذكرى الإمام الشهيد الصدر علينا ان نستذكر هذه الشخصية الكريمة وتضحياته ونطلق سلامنا واحترامنا وإجلالنا وإكبارنا لهذه القامة العالية ولأخته الشهيدة بنت الهدى ولشهيد المحراب ولجميع المراجع الشهداء ولجميع المضحين والشهداء في هذا البلد الكريم ولابد ان نبقى يدا بيد نتكاتف ونتعاون ونتعاضد لنقدم ما فيه الخير لشعبنا وامتنا وبلدنا ونقدم الصورة النقية والواضحة ولاحظنا ان نجاح القمة في بغداد أدخلت العراق الى مساحات جديدة لابد ان نحرص في الحفاظ عليها وفي استثمارها ليعود العراق لاعبا أساسياً وحاضرا في منظومات عربية وإسلامية وإقليمية ودولية ويأخذ موقعه اللائق والمناسب , شكري وتقدير لكم أيها الأحبة على حضوركم وتأبينكم لهذه الشخصية الكبيرة ونسال الله أن يجعلنا أوفياء لعلمائنا لكبرائنا لقادتنا لمراجعنا, وان يوفقنا للسير على هديهم ونهجهم وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .