أبارك لكم هذه الايام الشريفة الكريمة من شهر شعبان المعظم شهر رسول الله (ص) ثاني الاشهر الثلاث والتي تمثل موسما مهما من مواسم العبادة والمراجعة للنفس للتأكد من صحة المسارات والخطوات التي تقربنا الى الله تعالى ، كما أبارك لكم ذكرى الولادات الميمونة لائمتنا الاطهار (ع)  ، فمن الثالث من شعبان من السنة الرابعة للهجرة النبوية الشريفة حيث ولادة سيدنا ومولانا سيد الشهداء الامام الحسين (ع) ، الى اليوم الرابع من شعبان سنة 24 للهجرة حيث ولادة قمر بني هاشم ابي الفضل العباس (ع)  ، الى اليوم الخامس من شعبان من سنة 38 للهجرة حيث ولادة سيدنا ومولانا سيد الساجدين وزين العابدين الامام السجاد (ع) ،

ليس من ردود افعال وليس من انفعالات في مواقف أهل البيت (ع) وانما هو الفعل وانما هي الخطوات المطلوب اتخاذها في الوقت الصحيح ..
تمتد هذه المدة الطويلة لتفرّق بين مواعيد الولادة لهذه الانوار الثلاثة ولكن لترسم خطا إلهيا يربط بين هذه الشخصيات الثلاث وليشكل محطة مهمة من محطات الالتقاء لهذه الانوار حيث القضية الواحدة والملحمة الواحدة على ارض كربلاء ، ماذا نقول في أئمتنا الاطهار ، تتعدد ادوارهم وتختلف مواقفهم ولكنها تنتظم ضمن منظومة واحدة  منسجمة ومتناسقة تتكامل فيها كل هذه المواقف وتذوب فيها كل هذه الأدوار ضمن الإطار الواحد والبودقة والواحدة والهدف الواحد والخلفيات والدوافع الواحدة التي تدفعهم لاتخاذ هذا الموقف هنا او ذاك الموقف هناك بحسب الظروف التي تمر بهم ، ، ليس من ردود افعال وليس من انفعالات في مواقف أهل البيت وانما هو الفعل وانما هي الخطوات المطلوب اتخاذها في الوقت الصحيح ولكنها تتكامل لتمثل اطارا وتيارا ومسارا واحدا تذوب فيه كل هذه المواقف المتعددة والمتنوعة .
تعودنا في كل محطة من محطات اهل البيت (ع) كلما وقفنا ، نستلهم الدروس والعبر للحياة ، ودوما نقول ان رسولنا الكريم (ص) وأئمتنا الاطهار (ع) وحركة الانبياء والرسالات السماوية لم تكن حركة طارئة ليوم من الايام ان يكون حدثا وقع في يوم ما وانتهى وانما هم كالماء نحتاج اليهم لحياتنا لواقعنا ليومياتنا ، اهل البيت هم ليسوا نورا نستذكرهم او حقيقة تاريخية نرجع اليها ونقرأها في كتب التاريخ لنعيش حياتنا بمعزل عنهم ، ليس كذلك ، هم القدوة والاسوة وهم المنار الذي نستنير به في واقعنا وفي حياتنا ولابد لنا ونحن على اعتاب هذه الانوار الثلاثة ان نقف عند بعض الدروس العملية من حياتهم لنستفيد منها في بناء حياتنا على ضوء هذه الدروس والمعطيات ..

الدروس والمعطيات من حياة الأنوار الثلاثة ( الإمام الحسين والسجاد وأبي الفضل العباس ) ..

أولا / كيفية تثبيت قضية الإمام الحسين وملحمة الطف كقضية أساسية ومحورية في حياتنا اليومية ،  هناك تخطيط رباني هناك إرادة إلهية ان تبقى قضية الحسين قضية وقّادة ومتحركة في حياتنا وحاضرة في يومياتنا ، في كل ليلة جمعة يستحب زيارة الحسين ، في كل عيد في كل يوم من ايام الله ليلة القدر يستحب زيارة الحسين ، أعياد إسلامية في أعمالها استحباب زيارة الحسين ، يوم 1 رجب يوم 27 رجب يوم 15 شعبان وهكذا على مدار السنة في كل يوم كريم ومبارك نرى استحباب زيارة الحسين قضية ملفتة ، علي (ع) أبو الائمة وأفضلهم وخيرهم ، ولكن قضية الامام الحسين أريد لها ان تكون حاضرة في يومياتنا ، كلما أردنا ان نشرب الماء تذكرنا ذلك النداء ، "مهما شربتم عذب ماء  فاذكروني "، فنتذكر عطش الحسين (ع) ، ونستذكر مظلومية الحسين ونستذكر ملامح واحداث الحسين ، لتبقى قضية الحسين ماثلة وتبقى تعيش معنا ما نعيش ، في كل شربة وفي كل حركة ومناسبة ومحطة وفي كل مقطع لابد ان نستذكر الحسين (ع) . .

الحسين (ع) يمثل منهجا ومشروعا ورؤية ويمثل هدفا وفلسفة للحياة..
الحسين لا يمثل شخصا ، فالحسين يمثل منهجا ومشروعا ورؤية ويمثل هدفا وفلسفة للحياة ، فكلما وقفنا عند الحسين وقفنا عند أنفسنا وواجهنا مساراتنا واستذكرنا واجباتنا ومهامنا ، حددنا اتجاه البوصلة تأكدنا من صحة المسار ودقة الطريق الذي نخطو به ونسير فيه لبلوغ آمالنا ، هذا درس عظيم ، كيف تتحول قضية من معركة ضمن معارك التاريخ الطويل ومن حدث من أحداث التاريخ العابرة تتحول الى قضية محورية ومركزية تعيش في يومياتنا لنعايشها ونستفيد من دروسها وعبرها ، كلما اجتمعنا وجلسنا مجلسا نتذاكر فيه همومنا ونستذكر مناقب رسولنا الكريم (ص) واهل بيته واصحابه كلما كان الحسين (ع) ظاهرا وماثلا وحاضرا فيه .

قضية الحسين (ع) كانت قضية ضامنة وحافظة وراعية لمشروع الرسالة الإسلامية ..
من غار حراء وصولا الى كربلاء الحسين يمكن ان نجد المشروع الاسلامي منذ انطلاقته وصولا الى ضمانات في حمايته وصيانته ، قضية الحسين كانت قضية ضامنة وحافظة وراعية لمشروع الرسالة الاسلامية ، رسّخت خاتمية هذه الرسالة ووقفت بوجه كل محاولات التدليس والانحراف وتلك النوايا الشريرة التي يحملها من يحملها في حرف مسارات الرسالة الاسلامية .

الدرس الثاني/  كيفية تفويت الفرصة على التشويش والتزييف لمشروع الامام الحسين ، حينما يكون هذا المشروع مشروعا مركزيا محوريا اساسيا حياتيا فلابد ان لا يشوش عليه ولابد ان لا يقرأ قراءات خاطئة ولابد ان لا يحرف عن مساره الطبيعي والصحيح وكم هي المحاولات التي حاولوا من خلالها حرف هذا المشروع الالهي ، قالوا قضية صراع الحسين هي قضية صراع على السلطة ،  يزيد بن معاوية حاكم والحسين طامح وطامع بهذا الكرسي !! انها قضية صراع سياسي بين طرفين ، صراع بين حزبين !! ..وحاولوا ان يعطوها بعدا عشائريا ، انها ثارات بني هاشم وبني أمية وهم يختلفون في تاريخ طويل ...

ملحمة الطف قضية يتجسد فيها الصراع بين الحق والباطل وبين النور والظلام وبين الاستقامة والانحراف
كيف استطاع الحسين (ع) وكيف استطاع السجاد (ع) والحوراء زينب (ع) والذي كان لهم دور مواصلة المشروع والحفاظ عليه ، في ضمن التصميم الالهي ان يحولوا هذه القضية من صورة تلتقط ومحاولات للتقليل من شانها واعتبارها صراعات سياسية عابرة لتتحول الى قضية يتجسد فيها الصراع بين الحق والباطل وبين النور والظلام وبين الاستقامة والانحراف حتى تكون هي البوصلة ، والناس من خلال الدور الحسيني اين هم من التدافعات السياسية والمصلحيات والانانيات والفئويات والحزبيات والانتهازيات حتى يضعوها جانبا ، اين هي المعايير في نصرة الحق حتى يدافعوا عن الحق ويتمسكوا به ويلتزمون حتى لو ضحوا بحياتهم في سبيل الحق ، كما ان اصحاب الحسين قدموا الدماء رخيصة من اجل هذا المشروع الرسالي والالهي ، هذا ما يبرر طبيعة الحضور ، الحسين يخرج من المدينة من اجل الحرب ومعركة دامية نتيجتها الموت والشهادة وسبي النساء والأطفال ، والحسين يقول انه ذاهب الى معركة ونتيجتها الشهادة في سبيل الله ومن بداية الطريق كان يقول (ع) " شاء الله ان يراني قتيلا ويراهن سبايا " لقد كان يرى السبي من اليوم الاول ، اذا لما يصطحب معه النساء والاطفال والشيوخ ، المعركة تحتاج الى شباب يقاتلون ! ،

التنوع والحضور في قضية الامام الحسين (ع) استطاع ان يحقق ضمانات داخلية داخل المشروع لبيان عمق المشروع وأهدافه النبيلة بعيدا عن محاولات التزييف ..
نلقي نظرة على الاصحاب نرى القرشي والاعجمي والعربي والموالي ونرى جون العبد الاسود ونرى حبيب بن مظاهر شيخ العشيرة العربي الاصيل ونرى مسلم بن عوسجة ونرى المسلم والمسيحي والديانات الاخرى ، نرى الاغنياء والفقراء ، نرى  ذوو المواقع الاجتماعية المتقدمة ونرى الناس البسطاء ، الحسين أخذ عيّنات ونماذج من المجتمع آنذاك وبهذه القلة القليلة كانت عيّنات المجتمع كله لان القضية قضية حياتية لان المشروع مشروع الانسان في كل مدياته فلابد ان يكون الانسان بكل انماطه وطبقاته الاجتماعية ان يكون حاضرا في معركة الطف ، وهذا هو الذي يبرر هذا التنوع ومن خلال هذا التنوع استطاع الحسين (ع) ان يفوّت كل هذه الاتهامات وهذه المحاولات للتشويش والتزييف ، قضية عشائرية بين بني هاشم وبني امية ولكن الآخرين ما علاقتهم بالموضوع ، اغلب الذين كانوا مع الحسين ليسوا من بني هاشم فلماذا يقاتل هؤلاء .
يقولون صراع سياسي ولكن ما علاقة المسيحي والاسود والشيخ الكبير وغيرهم ، ليس لهم مصالح مباشرة لماذا يقاتلون مع الحسين ، هذا التنوع والحضور استطاع ان يحقق ضمانات داخلية داخل المشروع لبيان عمق المشروع واهدافه النبيلة بعيدا عن كل تلك المحاولات للتزييف ، " اني لم أخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله (ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنه عن المنكر " شعارات واضحة واهداف ناصعة حتى لا يبقى مجال لان يشوش على هذه الحقيقة من اي طرف من الاطراف .

الدرس الثالث / استثمار الحدث في ترسيخ الهدف ، الحسين لديه هدف كيف وظف هذه القضية ليرسخ ويركز ويجذر هذا الهدف في العقول والناس تعرف اهداف الحسين فلا تشوش القضية ، الاهداف الفضفاضة لا تعطي صورة واضحة للناس ، الحسين (ع) في هذه الملحمة استطاع ان يعطي رسائل واضحة في ترسيخ هذا الهدف في ذاكرة الناس وفي ضمائرهم ، هل الهدف كان الشهادة في سبيل الله في عملية استشهادية ؟ لم يكن الهدف صرف الشهادة ، الحسين لم يذهب ليموت ولم يذهب حتى يعلمنا كيف نموت رسالة الحسين لم تكن رسالة موت رسالة الحسين رسالة حياة ، ذهب الى كربلاء ليعلمنا كيف نعيش وكيف نحيا بعزة وكرامة واذا كانت حياة المجتمع وعزة المجتمع ورفعته تتطلب ان يضحي البعض علمنا كيف نضحي ليعيش الآخرون فرسالة الحسين رسالة حياة وليس رسالة موت ومع ذلك حينما انطلق كان عليه ان يطلق هذه الرسالة بشكل صريح وواضح يخبرنا التاريخ في يوم الثاني من المحرم حينما وصل الى كربلاء جعجع به الحر بن يزيد الرياحي وكان يمكن للحسين ان يرى جيوش واقفة تمنعه ولا تسمح له بمواصلة الطريق الى الكوفة حيث كان الهدف يدخل في معركة معهم في 2 محرم ويستشهد هو واصحابه وتنتهي القصة لكنه دخل في مفاوضات طويلة وعريضة ووفود وحوارات واتصالات ورسل حتى قدم الآخرون لتكون الرسالة اوضح ولا يؤاخذ الحسين (ع) بضيق الصدر ، ويتحمل المسؤولية من هذا الجانب ومن يوم 2 محرم الى يوم التاسع جاءت الجيوش واكتملت الامور ووضعوا الخيم والمفاوضات والرسل مستمرة وفي ليلة العاشر وصلت المفاوضات الى طريق مسدود وليس من حل سلمي فلا يتراجع الحسين ولا توجد نيه عند الجيش من ترك الحسين بحال سبيله وجعلوه أمام خيارين ،

 البعد العاطفي واستمراره في تثبيت حقانية المشروع والقضية نراها بوضوح في قضية الامام الحسين (ع) ..
اما البيعة للظالم واما القتال ( بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة ) فارادوا قتله في ليلة عاشوراء الحسين واصحابه 70 نفر والطرف الاخر 30 الف او 70 الف على اختلاف الروايات وبذلك تكون المعركة العسكرية منتهية وكان يمكن للحسين في تلك الليلة يدخل معهم في معركة ويستشهد ولكنه ارسل رسول الى القوم طالبا منهم ان يمهلوهم عشية هذه الليلة حتى نصلي لربنا وكان لهم دوي كدوي النحل في ليلة عاشوراء ، وصار يوم عاشوراء وصلوا صلاة الصبح واستعد الجيش للقتال وكان يمكن ان تحسم المعركة خلال ربع ساعة اذا التحم الجيشان ولكن المعركة طالت من صلاة الفجر الى قريب المغرب وكانت في ايام الحر اللاهب ، ماهي المصلحة من الاطالة وهي محسومة كان الحسين يريد تحويلها الى قضية كبرى وقد تخللتها الخطب والنصائح انظروا كيف يستثمر الحسين الحدث وهذا درس عظيم في كيفية استثمار هذا الحدث لترسيخ الهدف ، وكذلك الحركات المناقبية التي رأيناها من الحسين كل من يجرح يقف عليه الحسين ويقبله وكل من يستشهد يسحب ويخلى من ساحة المعركة وهي قضية غير متعارف عليها في الحروب ولكن الحسين اعتمد طريق آخر لتأخذ المعركة وقت اطول وتصبح قضية متكاملة الابعاد فكلها دروس وكلها عبر وفيها رسالة بليغة لو كان الحسين قد استشهد في ليلة 2 من محرم هل يكون الحسين هو الحسين الذي نتعامل معه اليوم او لو كان الحسين قد قتل قتلة واحدة هل تبقى قضية الطف بهذا الشموخ وبهذه السعة التي نراها اليوم ونتعرف على اسرارها ، ولم يكتفي الحسين بهذه الاجراءات التي اتخذها في حياته فبعد استشهاده استمر اكمل الامام زين العابدين والسيدة زينب من خلال الخطب والشرح والايضاح والتحليل والمواقف وبعد ذلك استمر الامام السجاد لـ 25 عاما وبعض الروايات 45 عاما ما عرض عليه الماء الا وبكى وما عرض عليه الطعام الا وبكى ، تذكير مستمر ومنهج الدعاء ايضا الذي حاول من خلال الدعاء ان يوصل هذه الرسائل ويذكر بقضية الحسين وهذا استثمار للحدث في ترسيخ الهدف وفي ايصال هذه الرسالة بوضوح شديد ، البعد العاطفي واستمراره في تثبيت حقانية المشروع والقضية هذا ما نراها بوضوح في قضية الامام الحسين .

الدرس الرابع / فتح المجال للأبداع وفتح الآفاق الواسعة امام الناس حتى يشاركوا ويساهموا في هذه الملحمة الانسانية لأنها قضية انسان ، كان الحسين (ع) حاضرا في المعركة وقد استشهد ولكن الامام السجاد المعصوم كان حاضرا في المعركة وبقي لعقود من الزمن ، الامام الباقر كان صغير في السن ولكنه كان حاضرا في واقعة الطف ، الحوراء زينب بنت علي (ع) كانت حاضرة ، لا نجد اي رواية وسرد تاريخي على لسان هؤلاء العظام سؤال مهم الامام السجاد شاهد الحدث لماذا لم يدون لتكون لدينا رواية من امام معصوم تتحدث لنا عن واقعة الطف بكل تفاصيلها لماذا ؟ قد يكون السبب لو كتبت نصوص محددة وقدمت رؤية واحدة لكنا جميعا نتعبد بها والكل يردد هذا النص الواحد فنكون امام حالة واحدة في قراءة هذا الحدث لكن حينما وضعت خطوطه العريضة وترك للناس ان يبدعوا في وصف هذه القضية وهنا يدخل الفنانين والرسامين ويرسمون تلك اللوحات المعبرة عن جوانب ومشاهد من هذه الواقعة ويدخل الشعراء والادباء وينشدوا ملايين الأبيات الشعرية من ذلك اليوم والى يومنا الحاضر ولا زلت القريحة الشعرية مفتوحة ليصفوا هذه الواقعة بما تجود به قدراتهم وقريحتهم وليكتب الكتاب والباحثين في كتب السيرة والمقاتل المئات من الكتب ان لم يكن الآلاف من الكتب حتى الآن لتبقى هذه القضية مفتوحة والكل يبدع والكل يجدد والكل يؤصل والكل يقدم هذه قضية مهمة وهي ليست احتكار الحقيقة ، إشراك الآخرين في هذه القضية يساعد في تعميقها وتعميق حس الشراكة ، اشراك الناس في التعاطي مع الحقائق بالفكر وباللسان وبالقلم وبالأنشودة او بالمسرحية او بالفلم الى غير ذلك هذه ثقافة مهمة ، فقد وضع الإطار لكي لا تنحرف وسمح للجميع ان يقرءوا قراءات متعددة وهذا درس مهم وعظيم .

الدرس الخامس / مكارم الاخلاق الوفاء والايثار وتغليب المصالح العامة والدفاع عن الحق ، النخوة ، التعاون ، التعاضد ، النصرة هذه هي السمات والملكات الاخلاقية التي نجدها واضحة في واقعة الطف وكيف لنا ان نقف عند ابي الفضل العباس ولا نستذكر الوفاء وكيف ان نستذكر اهل بيت الحسين واصحاب الحسين ولا نستذكر كل هذه المكارم الاخلاقية وقد تحولت قضية الحسين من معركة الى مدرسة في الأخلاق والسلوك  والنصرة وتقديم الغالي والنفيس من اجل المصالح العامة وسطروا تلك الملاحم العظيمة والكبيرة فهنيئا لهم وهنيئا لنا بهم وهنيئا لنا في التمسك بعروتهم والالتزام بنهجهم والسير على خطاهم واستلهام الدروس والعبر من سيرتهم ونهجهم نسأل الله ان يوفقنا بالسير على نهج رسولنا الكريم وائمتنا الاطهار (ع) .

أقولها للتاريخ ان الكل يتكلم بالتزامه بالدستور والكل يتحدث عن دعمه للدستور ولكن البعض يتجاوز على هذا الدستور عند الصفقات التي يبرمها مع الآخرين
اننا وفي رحاب هذه الولادات الميمونة وهذه الأفراح والمسرات ولكن نحس بحاجة ماسة لأن نقف مع الذات في لحظة صادقة ولحظة حقيقة نستذكر فيها واقعنا وهمومنا التي نعيشها اليوم في واقعنا العراقي حيث ان وطننا الحبيب يمر بازمة خانقة قد تكون هي الأخطر منذ سقوط الديكتاتورية وتثبيت نظام العدالة والعزة والكرامة الانسانية للعراقيين في نظامنا الجديد وقد تكون الازمة هي الاصعب طوال السنوات التسعة الماضية وماذا نقول وقد فقد الكلام تأثيره أمام هذه الازمة واستمرارها والزيادة في تعقيدات هذه الازمة وتراكم السلبيات حتى اصبحت الحلول والمعالجات تصعب يوم بعد آخر، في هذا النفق المظلم الذي نسير فيه ماذا يقول الإنسان شخصيا حينما يأتي يوم الاربعاء وافكر ماذا أقول لأبناء شعبنا عبر هذه المنصة الأسبوعية واقلق ان يقف ابناء شعبنا في يوم من الايام ويقول يا سيد عمار أخذت تعيد نفس الكلمات وعمار وغير عمار كلهم خدم لهذا الشعب ولكن ليس بيدهم عصا موسى او عصا سحرية هي الوصفة وهي الحلول التي يجب ان تلقى آذانا صاغية وارادة جادة حتى يعمل بها ونتجاوز الازمة السياسية الشديدة التي نواجهها اليوم ، ان الرجال يختبرون بالمواقف وليس المواقف تختبر بالرجال ونحن اليوم بأمس الحاجة لاختبار حقيقي للطبقة السياسية الحاضرة في مشهدنا العراقي بكل تياراتها وبكل توجهاتها وليسأل الجميع نفسه الى اين نحن ذاهبون هل اننا ذاهبون الى مواجهة مفتوحة من الجميع وبين الجميع اذا كان كذلك فلنصارح ابناء شعبنا ولنقل لهم هذه الحقيقة لأن هذا الشعب هو اول الضحايا وأول من سيتحمل اضرار هذه المواجهة ومن حقه ان يعرف ان هناك قرار بين الطبقة السياسية في الذهاب الى المواجهات المفتوحة فيما بينهم حتى يستعد لهذا البلاء ويكيف نفسه وليقول كلمته ان اراد ذلك ، واذا كنا نسير في طريق التفاهم والتصالح والالتقاء تحت راية الوطن الواحد فلا بد ان نعرف بان لا تصالح ولا تفاهم الا من خلال تقديم التنازلات المتبادلة والاستعداد لهذه التنازلات من جميع الأطراف، اما اذا كل كان واحد متصلب برأيه وكل واحد يرى نفسه انه هو الحق المطلق سوف لن تحل ، اذا كان البناء على التصالح والتفاهم والالتقاء فلا طريق الا ان يبدي الجميع استعداده لتنازلات متبادلة بعضهم للبعض الاخر وان يقدموا الحق العام على حقوقهم الخاصة حينذاك نستطيع ان نصل الى الحلول الوسط فلا حل بالمجاملات والكلمات الفضفاضة خطابات وشعارات ونداءات لن تحل المشكلة واليوم نحن في لحظة الحقيقة نحتاج الى خطوات جريئة والى مواقف واضحة حتى نستطيع ان نحقق ما يترقبه ابناء شعبنا ، ان الناس لا يهمها لغة السياسة والسياسيين وانما يهمها لغة الخدمة التي يحتاجون اليها ولغة حل المشاكل للقضايا الاساسية التي يعانون منها والاخطر في هذه الازمة هي محاولة بعض السياسيين نقل الصراع السياسي الى الشارع واصبحوا يدفعون الى التخندق الطائفي والقومي حيث تثار مشاعر الناس من خلال هذه النبرة وهو لعب بالنار سيدفع الجميع ضريبته دون استثناء ، اقولها للتاريخ ان الكل يتكلم بالتزامه بالدستور والكل يتحدث عن دعمه للدستور ولكن البعض يتجاوز على هذا الدستور عند الصفقات التي يبرمها مع الاخرين والكل يتحدث باسم الشرعية ولكنه يلتف عليها عند الاختلاف مع الاخرين والكل يتكلم باسم الوطن والوطنية ولكن البعض ليس مستعدا ان يقدم الحق العام على حقه الشخصي والمصلحة العامة على مصالحه الخاصة .

لا نرى ان سحب الثقة من الحكومة اليوم تمثل حلا ناجعا للأزمة السياسية التي نواجهها اليوم ، كما لا نعتقد ان الهجوم والانتقاص من الحكومة واغلب الاطراف شركاء في هذه الحكومة هو الحل الصحيح
اننا ومنذ البداية قلنا كلمتنا بوضوح وصراحة شديدة باننا نحترم كل الاجراءات الدستورية وكل خطوة دستورية تحضى باحترامنا وتقديرنا ولكننا لا نرى ان سحب الثقة من الحكومة اليوم تمثل حلا ناجعا للأزمة السياسية التي نواجهها اليوم كما لا نعتقد ان الهجوم والانتقاص من الحكومة واغلب الاطراف شركاء في هذه الحكومة هو الحل الصحيح للأزمة الراهنة ولا نعتقد ان الاساءة لمجلس النواب واستهدافه والتقليل من قيمة وهيبة مجلس النواب وهو اطار الشرعية في نظامنا السياسي البرلماني ان هذه خطوة موفقة ، واذا كان الاستهداف لرئيس الحكومة فهذا الرئيس جاء نتيجة تفاهمات وتوافقات بين هذه الاطراف ومن يريد ان يخطو خطوة لتغيير هذا الرئيس عليه ان يعود الى نفس الطاولة ويجلس مع الشركاء الذين توافق معهم ويقدم اعتراضاته وشكواه وادلته على التجاوزات ان وجدت ويستعد للسمع من الآخر الاعتراضات والشكوى والادلة على التجاوز ان وجد فمن خلال مصارحة ومكاشفة وجلوس على طاولة واحدة بين هؤلاء الشركاء يمكن ان يصلوا الى نتيجة و يتخذوا القرار الصحيح فيما بينهم ،

اذا كنا صادقين في اننا نريد حلول ومعالجات حقيقية لأزماتنا ونريد بناء دولة حقيقية فلا بد ان نأخذ طريق الصراحة والمكاشفة بعيدا عن المجاملات السياسية
ان علينا ان نكون واضحين وصريحين وواقعيين في نظرتنا الى هذه الازمة ولنغادر لغة المجاملات السياسية فالمجاملات لا تحل ازمة ولا تبني دولة واذا كنا صادقين في اننا نريد حلول ومعالجات حقيقية لأزماتنا ونريد بناء دولة حقيقية فلا بد ان نأخذ طريق الصراحة والمكاشفة بعيدا عن المجاملات السياسية ولكننا في الوقت نفسه لا نرتضي ردود الأفعال العنيفة والمتشنجة من هذا الطرف او ذاك فماذا يعني التعامل المنفعل اليوم والحديث عن سحب الثقة من رئيس مجلس النواب وهل نحن في زمن عنوانه سحب الثقة هذا يريد سحب الثقة من شخص والآخر يسحب الثقة من آخر وندفع ثالث ورابع وكل يرد ان يسحب ثقة هل هذا هو حل المشاكل، ان نذهب جميعا وكل طرف يستهدف قيادي او رمزا لطرف آخر ويرفع شعار سحب الثقة عنه, ان ذلك سيضيف صرعة أخرى للصراعات المتكررة في عمليتنا السياسية في العراق , وان كان سحب الثقة هو المدخل لحل المشاكل فلماذا لا نعتمده ثقافة عامة لابناء شعبنا  وكل من لديه مشكله اذهب واسحب الثقة من مسؤولك وصاحبك. ليس هذا هو الحل وليس هذه المعالجة للازمات وللمشاكل القائمة فيما بيننا, لقد استوقفني مؤخرا مقال لأحد الكتاب وعنوان هذا المقال يقول اين هي الثقة لكي نسحبها؟ ولاحظت انه محق في هذه الرؤية وفي هذه النظرة التي تنبه لها في مقاله , ان تصدع الثقة هي المشكلة الاساسية التي تولد الازمات المتلاحقة وحينما تفقد الثقة بين السياسيين فيذهب كل طرف بلا حدود الى سياسة كسر العظم وليّ الذراع للطرف الآخر وهذه لا تبني دولة ولا تعالج ازمة ,كما اننا لا نجد ان الدعوات لانتخابات مبكرة هي حلا منطقيا وواقعيا للازمة التي نعيشها اليوم , نقول ذلك ونحن من أولى الاطراف المستفيدة من انتخابات مبكرة اليوم , لنعوض عن الغبن الذي لحق بنا في الانتخابات السابقة , تيار شهيد المحراب هو المستفيد من انتخابات مبكرة ولكن ننظر بواقعية , ماذا ستفعل الانتخابات المبكرة لنا؟ سنذهب الى انتخابات لنرى ان النتائج والإفرازات هي هذه القوى وهذه الشخصيات , هذه الجهة كم مقعد خسرت وتلك سيزيد عليها والنتيجة هي هي والمعادلة نفسها , لنجد انفسنا وجها بوجه اخواننا وشركائنا القائمين اليوم بعد الانتخابات ماذا سنفعل ؟ وماذا ستغير ؟ هذا هروب من تشخيص المشكلة والذهاب الى الحلول والمعالجات الحقيقية للازمة الراهنة , إضافة إلى المعوقات الفنية ، اليوم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تقول ان انتخاب مجالس المحافظات في آذار السنة القادمة لا نستطيع ان نحققها لان الميزانيات لا تدفع والمفوضية غير جاهزة وتحتاج الى استعداد طويل وكبير فكيف لنا ان نذهب الى انتخابات مبكرة ونحن ليس لدينا الأدوات المطلوبة ،

اننا لا نرى ان هذه اللغة والأفعال والمسارات التي نلحظها اليوم في المشهد السياسي في العراق هي الطريق الصحيح للوصول الى حلول ومعالجات حقيقية
واين هو التشاور مع الشركاء السياسيين فان انتخابات مبكرة تحتاج الى غالبية نيابية ترفع الايادي في مجلس النواب ومجلس النواب لا يستطيع أي طرف ان يحله الا  نفسه هو يحل نفسه فاين هي الغالبية النيابية دون مشاورات مع كافة الاطراف لتحقيق هذا الغرض ، وتبقى في العملية السياسية الخيارات كلها قابلة للدراسة ولكن لا نعتقد انها الخطوة التي يمكن ان تعالج المشاكل التي تواجهنا اليوم , اننا لا نرى ان هذه اللغة والأفعال والمسارات التي نلحظها اليوم في المشهد السياسي في العراق هي الطريق الصحيح لحل هذه الازمات والوصول الى حلول ومعالجات حقيقية , ولكننا في نفس الوقت ندرك ان هناك اخطاء بعضها اخطاء كبيرة والأخرى صغيرة ولابد ان تعالج هذه الأخطاء ولابد ان نضع ضمانات لعدم تكررها في المستقبل , سواء كانت الاخطاء من الحكومة او كانت الاخطاء تجاه الحكومة كل هذه الاخطاء يجب ان نقصيها ونعالجها وان نمنع من تكرر حدوثها في المستقبل ,

نتمنى من رئيس الحكومة الموقر ان يبادر لاجراء اتصالات مع الاطراف المختلفة في هذه الازمة وان ذلك سيساهم بدرجة كبيرة في التقليل من الحساسية القائمة اليوم
كما نتمنى من رئيس الحكومة الموقر ان يبادر لاجراء اتصالات مع الاطراف المختلفة في هذه الازمة وان ذلك سيساهم بدرجة كبيرة في التقليل من الحساسية القائمة اليوم وهذا من صلب مهامه ومسؤولياته فهو رئيس مجلس وزراء العراق وهو الرئيس التنفيذي للجهاز التنفيذي في الدولة العراقية وهو القائد العام للقوات المسلحة وهذا الموقع يحتم عليه ان ياخذ المبادرة ويتواصل مع الأطراف ويساعد على حل هذه الازمة وان مثل هذا التحرك سيحسب له ولايحسب عليه , وسيسجل في تاريخه السياسي على انه ابدى استعدادا وتحرك وساهم في احتواء هذه الازمة والعودة بالعملية السياسية الى مسارها الصحيح , لنعرف جميعا بان لا خيار امامنا الا ان يتقدم الجميع نحو بعضهم البعض ,فان العناد من أي طرف من الاطراف لا يمكن ان يخدم ويساعد على حل هذه الازمة القائمة ولا يمكن ان يأتي بنتيجة واضحة كما ان لغة التشكيك والتخوين من كل طرف للطرف الآخر سوف لن تساعد على تعزيز الثقة وسوف تعمق الفجوة بين الأطراف أكثر فأكثر كما ان التخندق خلف الشعارات الطائفية والقومية انما تدفع البلاد نحو الهاوية وسيتحمل مسؤوليتها من يشارك في مثل هذه الخطوات .

 الحوار وتناسي القيل والقال هو المدخل الصحيح الذي سيساعد على إعادة الأمور الى نصابها الصحيح
ان المراهنة على الوقت في زحزحة الازمة هو اسلوب سوف لن ياتي بنتيجة وان جاء بنتيجة فنتيجته وقتية وسوف يرتد على مثل هؤلاء المراهنين وتكون عواقبه وخيمة , ان التهديدات المتبادلة بسحب الثقة والاستجواب لهذا الرئيس وذلك الرئيس انما هو التعطيل لمجلس النواب عن اداء واجباته ومهامه الدستورية في سن القوانين وتشريع ما يخدم الناس ويحل مشاكلها ويعالج ازماتها اليومية في حياتها , كما يشغل مجلس النواب عن أداء واجبه الأساسي في الرقابة على الأداء الحكومي ومتابعة المؤسسات في اداء واجباتها ومهامها الطبيعية , ان ذلك سيجعل البلد خارج غطاء الشرعية الدستورية ويعطل البرلمان عمليا وهذا ما يجب ان لا يحصل وان نعمل جاهدين لعودة الاستقرار الى مجلس النواب وانشغاله بواجباته ومهامه الحقيقية , ليعلم الجميع ان هذه الازمة ليست بين ملائكة وشياطين وانما هم قادة وسياسيون وبشر ويمارسون دورا مهما في ظروف صعبة واستثنائية وقد يخطئون وكلهم ارتكبوا العديد من الاخطاء فهل حان الوقت لنقف وقفة حقيقية وجادة وشجاعة مع انفسنا ونعترف بهذه الاخطاء ونضع حد لهذه الازمات , هل حان الوقت لنقف جميعا ونقول كفى ازمات ولنعود الى التفاهم فيما بيننا فان الحوار وتناسي القيل والقال هو المدخل الصحيح الذي سيساعد على اعادة الامور الى نصابها الصحيح , لابد ان نعود الى تغليب المصالح العامة على المصالح الاخرى لنترك بصماتنا في ذاكرة التاريخ ليذكرنا التاريخ بخير ونحظى بثقة ابناء شعبنا حينما يجدوا في الطبقة والنخبة والقيادات من يستحضر مصالحهم ويدافع عن حقوقهم , اننا نرى ان الوقت قد حان لمثل هذا القرار المهم الذي يتخذه قيادات البلد وان نذهب الى الحوار ويجب ان نستذكر بان المحاربين حينما يحاربوا كما يخبرنا التاريخ ينهون حروبهم بالجلوس على طاولة الحوار والتحاور فيما بينهم فالي اين نحن ذاهبون ، اننا لا نشجع أي قيادي في العراق ان يتصور ولو للحظة واحدة بانه قادر ان ينهي معاركه بوثيقة استسلام من هذا الطرف او ذاك لا احد يستطيع ان يقصي الآخر من الحلبة , قدرنا ان نعيش معا وان نتواجد معا وان نشترك معا , ونتعلم من تجارب التاريخ ونأخذ العبر منه قبل ان نتحول نحن الى درس من دروس التاريخ ليعتبر منا الآخرون فان التاريخ يعيد نفسه ولا خيار ولا طريق الا ان نتفاهم مع الشركاء ونحل مشاكلنا في ما بيننا , نسال الله سبحانه وتعالى ان يأخذ بأيدينا لما فيه الخير والصلاح وببركة هذه الايام الشريفة والولادات الميمونة ان نشهد انفراجا حقيقيا لهذه الازمة وعودة الى اللحمة والوفاق والوئام بين العراقيين جميعا , اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .