بسم الله الرحمن الرحيم

أحييكم أجمل تحية وأشكر لكم هذا الحضور الحاشد وأتمنى لمؤتمركم هذا النجاح والتوفيق وشكري وتقديري لتجمع الأمل ولكافة الأوساط والشخصيات التي ساهمت ودعمت هذا الجهد الخير في مرحلة حساسة من بناء تجربتنا العراقية واعتقد ان شعار المؤتمر وفق في إيجاد الهدف الأساس من عقده وبالفعل فان رجال الإعمال آمال واعدة وعوائق متعددة تقف بوجههم وكلنا أمل في امكانية وضع النقاط على الحروف وتشخيص مكامن الضعف في دعم رجال الإعمال وتسهيل مهمتهم وإزالة المعوقات العديدة عن طريق خدمتهم لهذا البلد الكريم ، إن العراق في وضعه الحاضر وفي إمكانياته الاقتصادية الهائلة يحتاج إلى وقفة مع الذات لتحديد هويته الاقتصادية بشكل واقعي وعملي واضح وبدون هذه الوقفة فان كل الكلام عن التنمية الاقتصادية سيكون كلاما إنشائيا ليس له صدى ونتائج على ارض الواقع فها نحن نخضع لاقتصاديات السوق ام للاقتصاد المركزي الحكومي الموجه أم نجمع بين هذا أو ذاك ام ان هناك طريق آخر نسلكه ولا يعرفه احد .
من وجهةخاصا قو نظرنا أن قطاعا يا مع منظومة حماية اجتماعية عملية وقوية هي الهوية الاقتصادية التي يجب ان يسلكها العراق  ، فلا ازدهار في قوانين السوق غير المنضبطة والتي تؤدي الى سحق الطبقة المتوسطة وزيادة معدلات الفقر في قبال الزيادة في معدلات الغنى مما يؤدي الى حدوث استقطاب اجتماعي واقتصادي في المجتمع ، ولا مركزية اقتصادية خانقة واقتصاد شمولي مشلول واعتماد على الجودة في إدارة العجلة الاقتصادية بل علينا ان نأخذ من اقتصاد السوق الحر أفضل ما فيه هو تشجيع المبادرة الفردية ودعم القطاع الخاص وان ياخذ من النظام المركزي أفضل ما فيه وهو المنظومة الاجتماعية الفاعلة والمرنة مما يوسع الطبقة المتوسطة في المجتمع والتي نؤمن إيمانا عميقا بأنه كلما اتسعت هذه الطبقة في أي مجتمع فانه سيتمتع بدرجة عالية من درجات الامان الاجتماعي والأمني ،  فالطبقة المتوسطة هي صمام الأمان في بناء الدولة العصرية العادلة والمزدهرة .
إذا أردنا أن نلقي نظرة سريعة واقع القطاع الخاص ودور رجال الإعمال في واقعنا العراقي المعاصر علينا ان نستذكر ما بدأ به رجال الإعمال العراقيون من حركة نشيطة في أواسط القرن الماضي حيث بدأت صناعات ومشاريع وشركات وقوانين جديدة تشق طريقها لتثبت في البلاد بدايات تنمية واعية فكثرت مشاريع الزيوت النباتية والصناعات الخفيفة والنسيج والحياكة والاسمنت والصابون والمنتجات الحيوانية والزراعية والغذائية والمواد الإنشائية والمشروبات الغذائية وصناعة الأثاث وغيرها و غيرها ، فكانت المرحلة الأولى من الصناعات الخفيفة وفي كل يوم كان السوق يشهد سلعا عراقية جديدة وكان الحماس على أشده لتطوير الحقل الصناعي والتجاري والخدمي والمصرفي والصناعات التحويلية الزراعية والحيوانية وازدياد تأسيس الشركات الخاصة والمساهمة في شتى الحقول وأسس اتحاد الصناعات العراقي الذي كان خطوة مهمة لتوحيد جهد رجال الأعمال والصناعيين وتأسست غرف ونقابات مهنية عديدة تشير كلها لتطورات مهمة ، كما اهتم القطاع العام بالصناعة سواء الاستخراجية او التحويلية وبدأت المصانع الكبيرة تشق طريقها خصوصا في مجال الإنشاءات كالاسمنت او المنتجات النفطية والغازية أو في مجال الكبريت والأدوية والمعدات الزراعية والنسيج والأغذية المعلبة الى غير ذلك ، ومن المفارقات ان العاملين في الدولة كانوا يبذلون كل جهد للانتقال من القطاع العام الى القطاع الخاص لان الحقوق والأجور والمردودات في القطاع الخاص كانت اعلي واهم مما يوفره القطاع العام ، الا ان ما نجده اليوم حيث تعثر كل شيء وبات مجال الرزق الوحيد هي الدولة كدليل لتراجع القطاع الخاص ورجال الاعمال إضافة لتراجع القطاع الزراعي الذي كان مجال نشاط واسع للحياة الاقتصادية والاجتماعية ، ان بداية تصفية القطاع الخاص بقرار التأميم عام 1964 والذي وأد الصناعة والقطاع الخاص منذ بداياته مكرسا احتكار الدولة لكافة النشاطات الصناعية والتجارية والخدمية وهو ما تعمق وتكرس خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي .
ان التاميم لم يقضي على الصناعات والاعمال الناشئة فقط بل قضى على رجال الاعمال ايضا ، فعندما تسيطر الدولة على جميع الانشطة الاقتصادية ومنها الصناعية والتحويلية والاستثمارية بشكل متسارع وشمولي فان رجال الاعمال يتحولون اما الى موظفين او الى رجال اعمال يلاحقون مال الدولة ليقوموا بادوار ثانوية او ملحقة عندها سنفقد عنصرا مهما للتوازن فمن الفساد والمحسوبية وتحقيق الارباح دون انتاج او من دون اعمال او منتجات تخدمنا خصوصا وان العراق تأتيه اموال النفط الضخمة والتي تصبح عملية توزيعها هي الشيء الاهم وليس عملية استثمارها ووضعها حيث ينفع الناس .
ان رجال الاعمال من أهم عناصر نهضة الامم بل قد يكون من العناصر الاهم مع الدولة في موضوع التنمية المستدامة فرجال الاعمال في الكثير من الدول هم من يصنع الحكومات وهم صناع السياسات واكتشافاته وقيام مشاريعه والتخطيط لمستقبله  وهم قاعدة رئيسة لتحرك المجتمع  وتكون مصالحه واستيعاب عمالته وبناء جامعاته وتطوير علومه وهم الاساس لواردات الدولة وجباياته وضرائبه ومكامن قوتها وصناعاتها بما فيها الخدمية ، فمبادرات رجال الاعمال وحركتهم وتحررهم من القيود البيروقراطية تسمح لهم بان يكونوا روادا كبارا لأممهم وهم الذين يفتحون الآفاق أمام الأمم في علاقاتها الخارجية ليس فقط في مفهوم الاسواق وانما ايضا في مفهوم التلاقح الفكري والحضاري وليس أدل على ذلك من أن اكبر المنتديات العالمية اليوم وواحدا من اهم مراكز  القرار العالمي هو منتدى دافوس العالمي الاقتصادي وهو فكرة سعت الجمع بين رجال الاعمال وكبار القادة من مختلف القارات لاستشراف الاوضاع الدولية والسعي لصياغة رؤى لبناء مستقبل أفضل أو لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد البشرية ، لذلك نجد ان رجال الاعمال يتسمون عادة بالاعتدال وروح الحوار والشراكة والاتفاق ويقفون ضد نزعات الاحتكار والاستبداد سواء الاقتصادية او السياسية ولذلك تكلمت نظريات اقتصادية كثيرة وفي مقدمتهم الاقتصادي المعروف شون بيتر عن ان واحد من اهم شروط التقدم والنهضة وجود رجل الاعمال المغامر الذي يغامر مغامرات محسوبة ويفتح آفاقا جديدة لايمكن لدولة او فرد ان يقوم بها وانه بدون وجوده لايمكن لامة من نهضة حقيقية فلقد سعت أمما عظيمة من نهضة بدون رجال الاعمال لكن التجارب قد بينت حالما جائت ظروف حرب او ازمات اقتصادية الا وسعت الدول لاعادة مكانة رجال الاعمال وليس من مثال ادل امامنا من مثال الصين فاحا القبعة الحمراء للدولة الاشتراكية مصالح كبرى يديرها رجال اعمال بارعون مما يساعد بهذه النهضة الكبيرة التي تشهدها الصين اليوم والتي وضعتها في مقدمة دول العالم فرجال الاعمال هم ليسوا مرابين جشعين الذين يبحثون عن ارباح سريعة على حساب الناس والمجتمعات والطبيعة والبيئة بل هم مصلحون ومجدون وصبورون ومضحون باموالهم ووقتهم وعلمهم للوصول الى تحقيق  احلامهم وبناء منجزات كبرى لأممهم وان كثيرا منهم لم تكفهم الاموال والقدرات  لكنهم أناس عصاميين طموحين تبنوا أفكارا محددة فعملوا بجد ليل نهار لتحقيق هذه الافكار ولو نظرنا لصناعات عديدة في العالم شركات امثال فورد ومارسيدس وغيرها من العشرات سنجدها من رجال اعمال انشاء مئات الالاف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة مما يعني تشغيل عشرات الالاف من العاطلين عن العمل اضافة الى توفير مئات الالاف من الدولارات عن طريق تقليل استيراد البضائع من الخارج لتتحول الى نواة قوية لانشاء القاعدة الاقتصادية وبنفس المنهج يتم دعم المشاريع السياحية وغيرها وبما ان قطاع السكن من القطاعات الحساسة جدا فان  على المصرف العقاري ان يطور من اليات عمله ويقوم بدعم الشركات الخاصة المحلية من خلال توفير قروض عقارية تمكن هذه الشركات من انشاء المجمعات السكنية كي لا يكون العبء المالي على القطاع الخاص بصورة كاملة .
الجميع يدرك في بلدان العالم ان القطاع الخاص لايمول مشاريعه 100% من راسماله , وبعيدا عن القروض المصرفية ودراسات الجدوى المعتمدة على المقاييس المهنية الحديثة تكون اساس صدور قرار المصارف بتمويل هذه المشاريع من عدمها , فيقدم القطاع الخاص 30-35% من راسمال المشروع وتقدم تسهيلات مصرفية بالباقي , فكيف نبني قطاع خاص قوي بالعراق ونحن نطلب منه ان يجازف ويخاطر بكل راسماله في مشاريع اقتصادية دون مظلة حماية او دعم , ان علينا ان نساهم مساهمة فعالة في انشاء قطاع خاص قوي مرن ومنافس مما يتطلب دعم جميع ركائزه الاساسية واهمها :

اولا / شبكة مصرفية قوية فعالة وحديثة لتمويل مشاريع هذا القطاع .

ثانيا / توفير ايادي عاملة وماهرة اداريا ومهنيا .

ثالثا / تحديث التشريعات الادارية والمحاسبية .

رابعا / حماية هذا القطاع من المنافسة الخارجية غير العادلة .

ايها السيدات والسادة ان مفهوم الاقتصاد يعني بطريقة او اخرى يعني مفهوم دورة راس المال ويتحكم بهذه الدورة النظام المالي المعتمد وهو في الاغلب يعتمد بشكل اساسي يعتمد على كفاءة النظام المصرفي وبهذا التسلسل تتشكل حلقات المنظومة الاقتصادية , ونحن في العراق نواجه مشكلة في الحلقة الاولى والاساسية وهي النظام المصرفي مع الاسف الشديد لاننا نملك نظاما مصرفيا متخلفا قياسا بالانظمة المعتمدة في المنطقة والعالم بالرغم من اننا من اكثر الدول التي تمنح تصاريح انشاء المصارف في المنطقة ولكنها لاتساهم بشكل فعال في انشاء المنظومة الاقتصادية او تحريك التنمية لانها في الجوهر لاتملك رؤوس اموال كبيرة تمكنها من العمل والحركة ولاتعتمد في المعايير الدولية في ادارة راس المال ولاتواكب حركة العصر من الناحية التقنية والادارية , هذا عندما نتحدث عن المصارف الخاصىة اما المصارف الحكومية فواقعها اسوء وهي لحد الان غارقة في الروتين وبعيدة عن التحديث المطلوب ولازالت مجرد صناديق لمناقلة اموال الحكومة وتوزيع الرواتب أوالمنح والقروش الحكومية في المساحة الاكبر من مهامهما , وحتى الارباح التي تعلنها هذه المصارف فهي في الاساس ارباح دفترية وليست واقعية لعدم وجود انشطة فعلية مهمة لهذه المصارف والدليل غلى ذلك ان 5% فقط من الشعب العراقي يستخدم هذه المصارف مقارنة ب 55% في الاردن و35% في ايران و45% في تركيا و65% في الكويت و70% في الامارات وبهذه المقارنة البسيطة يمكننا ان نثبت حجم المنظومة المصرفية التي نمتلكها وصعوبة خلق اقتصاد مزدهر بهذه المنظومة .
نحن نعتقد ان الحل يعتمد على خلق مصارف قوية وحديثة تعتمد المعايير الدولية وتحتوي رؤوس اموال كبيرة لتتمكن من دعم القطاع الخاص ودفع عملية التنمية الى الامام , وعلى الدولة ان تقوم بدعم هذه المصارف بشروط واضحة وصريحة من خلال فتح المجالات امامها لتقديم الخدمات المالية للدولة والاستفادة من دورة المال الحكومي والايداعات الحكومية الكبيرة , اما فيما يخص المصارف الحكومية فقد ان الاوان لنفض الغبار عنها وانتشالها من الحالة البيروقراطية وان تخضع للمنافسة المفتوحة وترفع عنها يد الحماية الحكومية والتي تكلف خزينة الدولة مبالغ كبيرة سنويا .
اننا ومن هذا المنبر ندعو ان يستعيد رجال الاعمال اتحادهم ككيان مستقل عن الدولة وان تقوم علاقات تشاور وود بينهم وبين القطاع العام والوزارات والمحافظات فهم المشاورون  واصحاب الرؤية والنصح الذين يجب دعوتهم والاخذ بخبرتهم وامكانياتهم , كما ندعو رجال الاعمال ليمارسوا الدور المطلوب منهم وان يبعدوا عن صفوفهم من يشوه سمعتهم بالقيام باعمال طفيلية ضارة بهم وبالمجتمع وبالاجيال القادمة , اننا ندعو رجال الاعمال ليوحدوا عملهم كي تنبثق من شركاتهم الصغيرة والمتوسطة , شركات كبيرة تستطيع ان تساهم في نهضة الامة وتقدمها وان يستعيد رجال الاعمال التقاليد الراقية التي كانوا يتمتعون بها قديما وان يجددوها بتقاليد عمل معاصرة في الادارة والنظام واحترام حقوق العاملين والظروف الطبيعية والبيئية والقيم الدينية والوطنية والاجتماعية , كما ندعو مجلس النواب الموقر لتشريع قانون يحمي الصناعيين والمصرفيين والمستثمرين والمزارعين من رجال الاعمال  بكافة صنوفهم من اشكال التعسف والاجراءات الكيفية وعدم منحهم حقوقهم اوتاخيرها او الاعتداء على ممتلكاتهم وان تتوفر بيئة سليمة في البلاد تسمح لهم بممارسة نشاطهم بحرية تامة في اطار القوانين السليمة المطابقة للدستور , فقانون الاستثمار رقم 13 لعام 2006 قد وضع لانطلاق مثل هذه الحركة ورغم ذلك بقيت الانجازات ابسط بكثير مما كان متوقعا .
ان علينا ان ننبذ  فكرة ان رجل الاعمال موظف بدون دوام لدى الدولة يعمل على هامشها ويتلقى فتات موائدها وانما رجل الاعمال هو حراك مستقل في مساحات ودوائر لاتستطيع الدولة الوصول اليها والمنافع التي يحققها والاعمال الكبيرة التي يقوم بها تجعل منه مؤسسة توازن مؤسسات الدولة بما توفره من عماله وانتاج ومؤسسات وتراكمات اصول وتجديد قيم وابتكار افكار ومكتشفات , فالدولة او المجتمع بدون رجال الاعمال كيانات تتحرك بمعزل عن احد مقوماتها الاساسية ورجل الاعمال لكي يتحرك فهو بحاجة الى تفهم ودعم الدولة والمجتمع وهذه العلاقة الثنائية هي التي يمكن توفر البيئة المناسبة لنهوض القطاع الخاص .
شكرا لكم احبتي لحسن استماعكم واعتذر من الاطاله والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .