بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

السلام عليكم ايها الأُخوة والأخوات الحضور ورحمة الله وبركاته.
يطيب لي أن أعبّر عن سروري للمشاركة في هذا المؤتمر العام كما أُعبر عن شكري لإتاحة الفرصة للحديث معكم ، حديث الأخوّة والهم المشترك والطريق الواحد. حديث عن حزب عريق قدم قوافل الشهداء و قاوم انظمة الاستبداد والدكتاتورية وسعى لتحقيق الحرية والاستقلال والعزة والكرامة الوطنية وتربى في كنفه ثلة من المجاهدين الذين ضحوا بالغالي والنفيس من اجل اعلاء كلمة الله والانتصار للوطن , ولا بد ان نتمسك بنهجهم ونتبناه جيلاً بعد جيل , وكلنا امل في ان نجد الجيل الجديد من الدعاة في مهامهم الجديدة في بناء الدولة وتحمل اعباء المسؤولية والنهوض بالواقع الرسالي وبناء النفوس والبلدان على نهج الرعيل الاول يشمرون عن سواعدهم ويقدمون التجارب الناجحة ويرسخون مشروعهم الاسلامي والوطني بعزم وثبات.
إن من مظاهر العافية والصحة في الاحزاب والتجمعات السياسية أن يترسخ مبدأ الانتخابات الحرّة المعبّرة عن إرادة الإنسان وحريته في الاختيار ، وهي ممارسة تنسجم تماما مع واقع النظام السياسي في بلادنا والتي شهدت تحولاً كبيرا على هذا الصعيد ، بعد أن خرجت من عهود الاستبداد والدكتاتورية.
أن الممارسة الديمقراطية وممارسة الانسان لحريته في التعبير والاختيار داخل التنظيمات الحزبية والسياسية يتيحان لهذه التنظيمات الاستمرارية والقوة على عكس نظرية الاستبداد التي تؤدي الى الانكماش التدريجي والاضمحلال ، كما هو الملاحظ في العديد من التجارب التي شهدناها في حياتنا.
إن الإختلاف في الرؤى والأفكار بين البشر من سنن الحياة ، وتتجلى قدرة التنظيم السياسي في جمع الآراء المتعددة وتحريكها باتجاه تحقيق أهدافه وطموحاته المشروعة ، وتلك هي مسؤولية التنظيم السياسي ، وتلك هي فلسفة الانتماء ، وليس من الصحيح مصادرة الافكار او تهميشها لصالح فكرة واحدة متزعمة ، تقود التنظيم الى سلطة الفكر الواحد.
إن مؤتمركم هذا ينعقد في ظروف صعبة تمر بها البلاد ، ونحن واثقون أنكم تدركون حجم التحديات التي يواجهها النظام السياسي في العراق ، ذلك النظام الذي قدّم شعبنا من أجل تحقيقه التضحيات الجسام والكبرى ، طيلة العقود الثلاثة الأخيرة من حياة العراق .
إننا اليوم بحاجة كبيرة وماسّة إلى العمل من أجل ترسيخ الممارسة الديمقراطية في العراق وتحويلها الى ثقافة راسخة عند أبناء شعبنا ، وهي لا يمكن ان تكون كذلك ما لم نبدأ بها من كل المؤسسات التي تتعامل مع الرأي والرأي الآخر .
وأولى تلك المؤسسات هي التنظيمات السياسية التي تساهم بدرجة كبيرة في الحياة العامة في البلاد وتنتج ثقافة معينة سواءاً كانت في السلطة أو المعارضة.
إن ما يحتاجه العراق اليوم هو أن يدرك الجميع أن التعددية هي قدرنا وعلينا الانسجام مع هذه التعددية لأنها الواقع الذي وُجدنا فيه ، وإن عدم الاعتراف بهذه التعددية هو الذي قاد الانظمة السابقة في العراق الى الحاق المظالم بالانسان العراقي والاعتداء على هويته ومصادرة حقوقه المشروعة ، وكانت سببا في تلك المعاناة الطويلة التي عانى منها الانسان العراقي وهي معاناة الحرمان من ابسط حقوقه المشروعة كانسان أولاً ، وكمواطن يعيش في وطن ليس له من حقوقه سوى الإسم.
إننا معنيون ايها الاخوة والأخوات ببناء عراق منسجم مع نفسه ومع الآخرين ، يعترف فيه الجميع بحق الجميع ، ويتعاون فيه الجميع من أجل احقاق الحقوق للجميع .
إن تجارب الانظمة السابقة هي التي خلّفت لنا كلّ السلبيات التي نشهدها اليوم في مسرح الحياة في عراقنا الحبيب ، وقد سنحت لنا الفرصة لمعالجة تلك السلبيات والنهوض بالعراق الى ما يستحقه , بلد كان منطلقاً للحضارات والقوانين والتشريعات ، بلد انطلق فيه الحرف لاول مرّة في تاريخ البشرية.
إن الحوار مبدأ إنساني عظيم جاءت به ودعت له التشريعات والاديان السماوية ، والقرآن الكريم يحفل بالكثير من مشاهد الحوار والدعوة له ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ، ( قل يا اهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) ، ( أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) ، والكثير الكثير من الآيات الكريمة التي دعت الى الحوار للوصول إلى الحقيقة والبناء عليها.
ان المشهد السياسي الذي نعيشه اليوم في البلاد يستدعي من الجميع الجلوس الى طاولة الحوار البناء والايجابي، وأن التصعيد في الخطاب الاعلامي لا يقودنا الا الى المزيد من تعكير النفوس وفقدان القدرة على التفكير المنطقي لايجاد الحلول للمشاكل التي نعيشها اليوم .
إن الكلمة مسؤولية ، وهي تأخذ طابع المسؤولية التاريخية حين تتعلق بمصائر الشعوب ، ولذلك ندعو ومن هذ المنبر جميع العراقيين الى التعامل بجدّية كاملة مع الاخطار التي تهدد حياة العراقيين جرّاء الخطاب المؤلب والمحرض  ذلك الخطاب الذي يزرع الحقد والكراهية في النفوس .
إننا نطمح الى بناء عراق قوي معافى ، عراق قوي بشعبه ، بثقافته ، بعلمه ، باقتصاده ، بفنونه وبكل أنشطته الإنسانية ، هذا العراق الذي يتمتع بالثروات البشرية والمادية الكبيرة يجب أن ينطلق إلى الأمام ، ليس فقط لأداء دوره التاريخي في الحياة البشرية بل ايضا من أجل كرامة الانسان فيه ونيل حقوقه الكاملة..
ومن خلال التجارب التي مرّ بها العراق خلال مراحله المختلفة نُدرك أن الاستقرار الامني والسياسي هما عاملان أساسيان في تحقيق التقدم وبناء البلدان وازدهارها ، ونحن اليوم احوج ما نكون إلى الاستقرار السياسي ، وهي مسؤولية الجميع ، ولا تقتصر على طرف أو جهة دون أخرى .
إن الاستثمار واستقدام رؤوس الاموال ، ومعالجة البطالة ، ووتوفير فرص العمل ، ومعالجة مشاكل الخريجين الشباب ، وتشييد البُنى التحتية والخدمات والنهضة العلمية والتقنية والتنمية المستدامة والشاملة وبناء الثقافة الوطنية والاسلامية هي كلها مسائل ترتبط بشكل وآخر بالاستقرار السياسي والأمني في البلاد .
ان المعالجة الصحيحة للأزمات ليس بعبورها بل بمعالجة جذورها من أجل أن تتراكم الأشياء الصحيحة في مسيرتنا لتكون إرثاً طيبا للأجيال القادمة .
إن العراق بلدٌ متعدد الاعراق والمذاهب والأديان ، ولابد لنا من التعايش السلمي ، وبناء قاعدة رصينة لهذا التعايش ، تستند الى تعاليم السماء التي أكدّت على الأخوة البشرية والأنسانية ، وإلى القانون الذي يحرّم الاعتداء ونشر الكراهية.
إن الحل لجميع المشكلات التي تواجهنا يجب أن يكون حلّاً عراقياً فالحلول المستوردة لا تحقق الأمن والاستقرار في البلاد وإنما تزيد النار اشتعالا ، وحين يشتعل البيت فسيحترق كل من فيه .
إنني ادعو الجميع الى الاحتكام الى لغة المنطق والاعتراف بالواقعيات ، والتسامح والتعايش ، والابتعاد عن لغة التحريض والتأليب لينال الجميع حقوقهم في ظل القانون الالهي والقوانين المبنية على أساس الدستور.
إننا اليوم امام مقطع تاريخي واختبار تاريخي ، وعلينا أن ندرك أن النجاح في هذا الاختبار هي مسؤوليتنا وحدنا ، وأن أجيالنا القادمة هي التي ستحكم على أدائنا لمسؤولياتنا.
انتهز هذه الفرصة لاكرر لكم أمتناني وشكري وتمنياتي لمؤتمركم هذا كل النجاح والتوفيق في أداء أعماله والخروج بالنتائج الايجابية التي ينتظرها شعبكم منكم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                                           السيد عمار الحكيم

                                           بغداد /14/3/2013