بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبة المنتجبين

 ايها السيدات والسادة الحضور                                                             

احييكم اجمل تحية واشكر لكم حضوركم الى هذا المؤتمر:

نقف اليوم لنستذكر واحدة من اعظم الجرائم التي ارتكبت بحق ابناء الشعب العراقي في عهد النظام البائد الا وهي جريمة المقابر الجماعية حيث قامت اجهزة اللانظام بقصف المواطنين العزّل بالطائرات والدبابات والمدافع وساقت الآلاف من الشباب الى الملاعب والساحات العامة وقامت بقتلهم بصورة عشوائية ودفنهم في مقابر جماعية فيما دفن البعض منهم احياء ، كما تشير العديد من الوثائق والشهادات الحية على ذلك .

اننا في الوقت الذي نحيي فيكم هذه الوقفة ، نستذكر بإكبار واعتزاز شهداء المقابر الجماعية الذين قدموا دمائهم بجود وسخاء من اجل دينهم ووطنهم وشعبهم.

ونؤكد إن الاحتفاء بذكرى المقابر الجماعية هو احتفاء بقضية إنسانية وأخلاقية ، بعيداً عن المزايدات والمناكفات السياسية ، فالشعوب الحية هي تلك التي تحتفي وتلتزم بمراجعة القضايا المفصلية في مساراتها والمقابر الجماعية تمثل عنوانا عريضا من هذه القضايا لأخذ الدروس والعبر للحيلولة دون تكرار وقوعها من جديد.

اسناد قضية المقابر الجماعية لتأخذ حيزها المناسب على الصعيد التشريعي والتنفيذي والقضائي والاعلامي وغيرها من الاصعدة وعدم التعامل معها على انها قضية سياسية بحتة لأنها في الجوهر قضية انسانية

ان الجرائم التي ارتكبها النظام البائد خلال تاريخ حكمه عموما وسيما ما قام به خلال قمعه لانتفاضة الشعب العراقي الأبي في آذار 1991 تمثل أوضح أنموذج لجرائم الإبادة الجماعية ضد الإنسانية ، وهي جرائم ينطبق عليها توصيف القانون الدولي واتفاقية روما الدولية لانشاء محكمة الجنايات الدولية، وهناك مصاديق مشابهة كما حصل في البوسنة والهرسك و رواندا وتيمور الشرقية حيث اعلنت الامم المتحدة هذه الجرائم، جرائم ابادة وشكلت محاكم دولية لمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم البشعة مما يتطلب من جميع الشرفاء اسناد قضية المقابر الجماعية لتأخذ حيزها المناسب على الصعيد التشريعي و التنفيذي والقضائي والإعلامي، وعدم التعامل معها على أنها قضية سياسية بحتة لأنها في الجوهر قضية إنسانية .

ضرورة ان ينهض مجلس النواب بمهمة اصدار التشريعات التي من شأنها اعتبار جريمة المقابر الجماعية جريمة ابادة جماعية وجريمة ضد الانسانية وتجريم من يسفه او يشكك بها

إن قضية المقابر الجماعية حظيت بالاهتمام البالغ من قبل المجلس الاعلى الاسلامي العراقي إذ حمل جميع الملفات الخاصة بها بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة في عام 1991 مباشرة ليعرضها في جميع المحافل الدولية للتعريف بحجم الظلم والمعاناة التي وقعت على الشعب العراقي إبان حكم النظام البائد ولا زالت قضية المقابر الجماعية تحظى باهتمامنا الكبير من خلال التركيز على الاعتراف الوطني والدولي بجريمة المقابر الجماعية بوصفها جريمة إبادة جماعية ، ودعوة المجتمع الدولي إلى تصنيف فكر حزب البعث الصدامي ضمن لائحة الأحزاب والتنظيمات السياسية المحظورة، والمطالبة بالتزام المجتمع الدولي باتفاقيات تسليم المطلوبين بهذه الجرائم للسلطات العراقية، واعتبار القرارات القضائية الصادرة من المحكمة الجنائية العراقية العليا ، والقرارات والتشريعات الصادرة من مجلس النواب والحكومة الاتحادية وبرلمان وحكومة إقليم كردستان وثائق أساسية في الاعتراف بهذه الجرائم ، ونشدد على ضرورة ان ينهض مجلس النواب الموقر بمهمة إصدار التشريعات التي من شانها اعتبار جريمة المقابر الجماعية جريمة إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية ، وتجريم من يسفه أو يشكك بها .

نطالب باقامة الصروح التذكارية لشهداء المقابر الجماعية كشواهد حية على هذه الجريمة الى جانب العمل على اقرار التعديلات المرفوعة من قبل وزارة حقوق الانسان على قانون رقم 5 لسنة 2006

اما ما يتعلق بالسلطة التنفيذية :

 إقرار إنشاء مركز متخصص للمقابر الجماعية تحت إشراف مفوضية حقوق الإنسان و تكون له فروع تنتشر في جميع أنحاء العراق واعتباره الجهة المكلفة بالتعامل مع هذا الملف الحساس ويتبنى دعوة الجهد الدولي للتعاون معه بهذا المجال، ووفاءا منا فاننا نطالب بإقامة الصروح التذكارية لشهداء المقابر الجماعية كشواهد حية على هذه الجريمة، إلى جانب العمل على إقرار التعديلات المرفوعة من قبل وزارة حقوق الإنسان على قانون رقم (5) لسنة 2006، وتعويض ذوي شهداء المقابر الجماعية بتعويضات مجزية للأضرار النفسية والمادية التي لحقت بهم من جراء هذه الجريمة  وضرورة رعايتهم وتهيئة فرص عمل لأبنائهم وان تتبنى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي توفير مقاعد مجانية في الدراسات العليا وزجهم في بعثات تطويرية خارج العراق وداخله، والإلتفات إلى تعويض أصحاب الأراضي التي تقع فيها المقابر الجماعية.

كما نلفت أنظار الحكومة الموقرة إلى أهمية إقامة متحف  وطني خاص لتوثيق هذه الجريمة لتبقى رمزا تتذكره الاجيال، ، ومن اجل التثقيف على هذا الموضوع ندعو وزارتي التربية والتعليم العالي إلى تضمين مأساة المقابر الجماعية في المناهج التربوية والتعليمية والدراسية ودعوة الوزارات ذات العلاقة كـ (وزارة الصحة والدفاع والداخلية والبيئة ومؤسسة الشهداء) للتعاون مع وزارة حقوق الانسان لتقديم التسهيلات اللازمة للكشف عن المقابر الجماعية كل بحسب اختصاصه، وان تضطلع الحكومة العراقية بدورها في إنشاء مختبرات عديدة لفحص الحمض النووي (DNA) للتعرف على هويات الضحايا وتأهيل كوادر وطنية مختصة بهذا الشأن، و تكثيف الجهود لفتح كافة المقابر الجماعية في عموم العراق ورصد الميزانيات اللازمة وزيادة فرق العمل المكلفة بهذه المهمة، ليتسنى إعداد قاعدة بيانات بجميع شهداء المقابر الجماعية.

وعلى الصعيد الاجتماعي فإننا نرى أهمية تسليط الضوء على جريمة المقابر الجماعية وإقامة ورش عمل لإيضاح الآثار السلبية لهذه الجريمة على المجتمع العراقي ، كما نوجه الدعوة إلى منظمات المجتمع المدني  لأخذ دورها في نشر ثقافة الحفاظ على المقابر الجماعية وعدم العبث بها وكيفية تعامل المواطنين في حال اكتشاف مقبرة جماعية.                              

وبذلك تتكامل جوانب الرؤية الرامية إلى معالجة قضية المقابر الجماعية وإحياء ذكر اؤلئك الشهداء الذين رووا بدمائهم الزكية تراب عراقنا الحبيب، وتنصف ذويهم الذين عانوا من فقدهم لأحبتهم وحرمانهم من حقوقهم طيلة حقبة حكم النظام البائد.

ايها السيدات والسادة الكرام :

لامعنى لدولة عصرية عادلة اذا لم تحترم خصوصية التنوع والتمايز العراقي ولم تنطلق من وحدة التراب العراقي والمساواة الكاملة بين جميع العراقيين في حقوق المواطنة وتكرس حقوق الانسان وكرامته

لقد جعل النظام البائد اختلاف الهوية الثقافية والقومية والدينية جزء من صراعه السياسي وادارته للسلطة في البلاد، وسعى لصهر الجميع في منطق الطغاة المعروف "لا اريكم الا ما ارى"، انه اسلوب في الادارة والحكم يُغرق البلاد في ظلاميّة القرون الوسطى، ومن يعتمد هذا النهج انما يتجاهل تأريخ العراق الذي عرف بالتنوع والتعدّد، فالعراق ملتقى الحضارات وقد اثرى وجهَ الإبداع الحضاريّ في مختلف المجالات، واثبت على مدار تأريخه الطويل بما لا يقبل الشك انه عصي على كسر ما يحتويه من تنوع مذهبي وديني وقومي ومناطقي.

ان الشعب العراقي كان ولا يزال وسيبقى باذن الله تعالى يمثّل التجمّع البشريّ الأكثر قِدَماً وغنى وتنوّعاً وانفتاحاً بين بلدان العالم. ففيه التَقَت ولا زالت تلتقي أديان ومذاهب وقوميات وسلالات متعددة تتعايش مع بعضها. وقليل من البلدان ممن يضاهي العراق في مثل هذا التنوع، ومن منطلق ايماننا هذا رفعنا شعار "الدولة العصرية العادلة" وعملنا من أجل وطن ديمقراطيّ تعددي يستوعب الآخر المختلف دينيا وقوميا ومذهبيا بل وسياسيا ايضا، ولا معنى لدولة عصرية عادلة اذا لم تحترم خصوصية التنوع والتمايز العراقي ولم تنطلق  من وحدة التراب العراقي والمساواة الكاملة بين جميع العراقيين في حقوق المواطنة ، وتكرس حقوق الإنسان وكرامته وحقه في الاختلاف الايجابي الذي يتجلّى في صناديق الاقتراع، ونعتقد ان الخطوة الاولى للعمل من أجل ذلك كله، هو الخروج من التفسيرات الضيقة والاحادية ، واحترام اختلاف نظراتنا إلى الواقع ازاء القضايا المختلفة. وكل فعل او حركة باتجاه إضفاء لون واحدٍ او سلوك واحد على بقية المكونات وألاطيافِ انما هو سلوك لاينبغي اعتماده لانه سوف لن يؤدي الى معطيات ايجابية وسيكون الخاسر الأكبر فيها الوطن والمواطن .

وينبغي ان لا ينظر الى هذا التوجه على انه تساهل مع من تلطخت اياديه بدماء ابناء شعبنا ، فهذه الفئة يجب ان تنال جزائها العادل ولا مجال للمساومة في ذلك ، واما ما سواها فاننا تربّينا على نهج رسول الله (ص) واهل بيته الكرام (ع) وهو نهج التسامح والتواصل والتركيز على المستقبل اكثر من الانغماس في الماضي والضياع في عقد الثأر والتشفي والانتقام من الآخرين.

وحينما نتحدث عن المقابر الجماعية ونستذكر هذه الجرائم البشعة فاننا نستذكر ايضاً اهمية طي صفحة الماضي بمعالجة تداعياته وسلبياته وفتح صفحة جديدة فيها الأمل المشرق بمستقبل واعد لشعبنا وامتنا وفرص التعايش الايجابي والبناء فيما بيننا ، ومع شعوب المنطقة والعالم .

النظام البائد يقوم بفعل هذه المقابر الجماعية وبفعل حلبجة وبفعل الانفال كلها في مطلع الربيع فاراد ان يميت الشعب في بداية الحياة الطبيعية التي ارادها الله تعالى لهذا الانسان

وحينما اخترنا توقيت مؤتمر المقابر الجماعية في يوم عيد الشجرة حيث تتجدد الحياة وتزدهِرُ الطبيعة انما اردنا التأكيد على ان إحياء ذكرى المقابر الجماعية ليس مناسبة للغرق في الماضي بقدر ما هي فرصة لمعالجة سلبيات الماضي ووضع الضمانات الكافية في عدم تكرر مأساة الإبادة الجماعية في هذا البلد الكريم من جديد. ولكن وقع هذه الجرائم الكبرى من الابادة الجماعية في الانتفاضة وصولاً إلى الانفال وحلبجة في فصل الربيع يشير بشكل واضح إلى ان النظام البائد حول حياة الشعب العراقي إلى الموت في وقت تنطلق فيها الطبيعة لتنبض بالحياة.

سلام على شهداء المقابر الجماعية.. وسلام على شهداء العراق بكل توجهاتهم وانتماءاتهم وسلام على شهداء الشعب الكويتي الشقيق الذين امتزجت دمائهم مع دماء ابناء شعبنا وغيبوا من قبل النظام البائد دون وجه حق، وسلام على المرجعية الدينية والشهداء الحوزة العلمية من مراجع وعلماء وطلبة وسيما الشهيدين الصدرين وشهيد المحراب وعزيز العراق والشهداء من النخب والمفكرين وعموم المواطنين وعهداً منا اننا سنحقق باذن الله تعالى آمالهم ونواصل اهدافهم النبيلة في خدمة الوطن والمواطن.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.