بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد (ص) وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين ...

اصحاب الفخامة والسيادة والمعالي والسعادة

اصحاب السماحة والفضيلة والنيافة

السيدات والسادة .... السلام عليكم و رحمة الله وبركاته .... وارحب بكم اجمل ترحيب واشكر لكم حضوركم في هذا الاحتفال المهيب ....

ان الشهداء يمثلون العلامة الابرز في تاريخ الامم ، وهم الذين يعشقون الحرية فيسقونها بدمائهم ويعتمرون تاج الكرامة ليكون عنواناً لاممهم ومنطلقاً لامتلاك ارادتها ومسيرتها الطويلة في عملية التغيير ... وشهيدنا السعيد كان لا يقبل ان يحدد بعائلة او طائفة او ارض او حدود وانما كان يتسع باتساع القيم والمبادئ التي يؤمن بها .. فكان لكل المسلمين ولكل العراق ... ان قربه من الله كان مقروناً بقربه من عباد الله ، فكان مع شعبه والى شعبه ، مشروعاً للعلم والعمل والجهاد ، وكانت الشهادة جائزته الكبرى . ليصبح يوم شهادته يوماً للشهيد العراقي ... ويقف العراقيون في هذا اليوم ليستذكروه ويستذكروا معه كل شهداء العراق بمختلف انتمائاتهم الدينية والمذهبية والقومية والسياسية .

 لقد كان الشهيد الحكيم (قده) يربى جيلا من المجاهدين الذين تشبعوا بافكاره ورؤيته واسلوبه في العمل والتعامل ... فكان القائد والقدوة الذي مهد طريقا واضحا ومميزا في ادبيات العمل السياسي الاسلامي والجهاد على اساس المبدأ والعقيدة ، فكان امتداداً لمدرسة الاسلام الكبرى ومنهج اهل البيت وامتداداً للمرجعية الدينية ، مثلما كان أمتداداً لارادة شعب ونضال امة. ومع هذا الامتداد فأن السيد الحكيم (قده) كان مؤسساً لمنهج واضح من الجهاد والوطنية التي اطرت لمرحلة من اهم مراحل صراع الشعب العراقي مع الديكتاتورية والاستبداد . وان هذا الامتداد والتأسيس هو الذي شكل ظاهرة مشرقة اسمها ظاهرة السيد محمد باقر الحكيم ابن الاسلام الشجاع والعضد المفدى لشهيد العراق الكبير الامام السيد محمد باقر الصدر وأبن زعيم الامة الامام السيد محسن الحكيم ، لتجتمع كل هذه العناوين في عنوان واحد كبير ، الا وهو شهيد المحراب ... بهذه الروحية عمل السيد الحكيم وبهذا العنوان استشهد ، فكانت النتيجة الطبيعية ان نواصل المسير على نهجه وان نتمسك برؤيته وان نرفع رايته عاليا لانها تمثل الراية الوطنية العراقية الخالصة والايمان الكبير  بهذا الشعب الكريم والعزيز ..

وامتداداً لشهيد المحراب كان عزيز العراق رجل يؤمن بالتضحية كايمانه بالايثار ويدعو للمشاركة لقناعته التامة بالتعددية لهذا الشعب والتنوع لهذا الوطن ... فكان الاول في اتخاذ القرارات الصعبة والمصيرية وكان مستعدا لخدمة ابناء شعبه وان يذهب الى ابعد الحدود ... وقد عمل بهمة كبيرة والم اكبر على تجذير  مفاهيم الدولة الحديثة للعراق الجديد ، متجاوزا المصالح الشخصية والسياسية ومنطلقا نحو صناعة وطن يحتضن الجميع . لقد تعلمنا من عزيز العراق مفردات وابجديات الخطاب الوطني الناضج الذي لا يتوقف عند محطات الطائفية او القومية او المناطقية وانما يمثل خطاباً لكل ابناء الوطن دون تمييز او اقصاء ... ومن عزيز العراق تشبعنا بمبدأ ان العراق لكل العراقيين مهما اختلفت عناوينهم او تقاطعت طرقهم فأن العراق يبقى هو الطريق الوحيد الواضح والاكيد .. لقد مثل عزيز العراق شخصية الرجال العاملين المخلصين الذين يتقدمون نحو اهدافهم بشجاعة وثقة رغم كل الصعاب والمعوقات

.. فكان رجل تلتقي عنده كل التقاطعات ولكنه لم يتقاطع مع أحد ، لانه لم يكن يوما طرفاً ضد طرف اخر  وانما كان يؤمن باننا جميعا في بودقة العراق الواحد ، واننا في مشروعنا نحو المستقبل علينا ان نسمو فوق تنافسات الحاضر ..

ايها الاخوة والاخوات :

في هذه الذكرى تختلط المشاعر وتتزاحم الاحاسيس ونحن نستعرض سيرة رجال صنعوا لغدهم اكثر مما صنعوا ليومهم ، رجال صدقوا مع انفسهم فكانوا صادقين مع ربهم وشعبهم ، لقد ادركوا ببصرهم وبصيرتهم ان الرجال فانون ولكن الاوطان باقية ، فارتبطوا بوطنهم كي تخلد ذكراهم كلما ذكر الوطن .. وادركوا ان العقيدة والصدق مع الله هو  الطريق الاكيد للخلود الانساني ، فذابوا بعقيدتهم وصدقوا مع ربهم ، وعاشوا الاسلام بكل ذرة من كيانهم ، عاشوه اسما ومعنى ، فكرا وعقيدة ، ورؤية وعملاً ... فكان ماضيهم اساس حاضرهم .. ومستقبلهم امتداداً لماضيهم ، فربحوا العزة والكرامة في الدنيا والخلود والرفعة في الاخرة .

ان منهج شهيد المحراب وأخيه عزيز العراق كان منهج التسامح وقبول الاخر والالتقاء على المشتركات وتحجيم التقاطعات ، وهذا هو منهج القادة الكبار الذين يعملون لاوطانهم وشعوبهم ... ولكنهم لم يكونوا متسامحين في المساس بالعقيدة والتجاوز على الثوابت الوطنية ، لانهم يؤمنون ان العقيدة اساس عزة وكرامة هذه الامة وان الوطنية الحقيقية لا تنحصر في أي طائفة أو قومية ، فكان تسامحهم منهج ورثوه من أسلافهم وأورثوه لأبنائهم ، وهو تسامح مبني على رؤية واضحة في بناء أمة متماسكة ووطن حر  ولكن بحدود ما يحفظ الثوابت الدينية والوطنية وان لا يتحول التسامح الى تهاون ...

هذا هو منهج شهيد المحراب وعزيز العراق ، وهذا هو منهجنا اليوم وغدا ... وان شارة الوفاء التي نحملها اليوم على صدورنا لقادتنا ومنهجهم ، هي مواصلة المسير  من أجل تحقيق أهدافهم التي عاشوا لها وضحوا من أجلها .. أن شهدائنا هم النجوم الساطعة التي تهتدي بها بوصلتنا في طريقنا لبناء العراق وتحقيق العدالة التي لا تفرق بين مذهب وآخر وقومية وأخرى .. لان شهداء العراق كانوا لكل العراق ودمائهم الزكية سالت على كامل ارض العراق .

أيها الاخوة والاخوات ؛

ان ايماننا بالعراق الموحد هو سر قوتنا وسبب وجودنا في هذا الوطن ، فالتاريخ لا يقسم ودماء الشهداء لا تقسم ودجلة والفرات لا يقسمان ، فالتاريخ ودماء الشهداء يوحدان وطننا العزيز  وشعبنا.. وان الايمان بقيمنا وعقيدتنا هو الذي سيحمي هذا الوطن من دعاة التقسيم وتجار الفتنة.. ايمان شهدائنا بعدالة قضيتهم هو الذي سيعبر بالعراق من هذه الكبوة كي ينطلق الى رحاب المستقبل.

اننا حينما نستذكر  شهدائنا وسير قادتنا فاننا نتوقف عند المحطة الاهم والابرز في حياة اولئك الرجال المميزين وهي : من اجل اي شيئ ضحوا وساروا بطريق التحديات ومن أجل اي هدف وغاية ركبوا الصعاب ؟ ، اوليس من اجل قول كلمة حق في زمن الظلم والاستبداد ؟ ، ورفع راية حرية في زمن العبودية؟ ، وحماية وطن في زمن الضياع؟ ، وحفظ كرامة شعب في زمن المهانة؟؟ .

نعم من اجل كل هذا قدموا حياتهم واشعلوا لنا منارات تشرق طريقنا نحو المستقبل ...

ايها الاخوة والاخوات ؛

 نحن ومنذ ان شرّفنا الله بتحمل المسؤولية ، فأننا رفعنا راية الانسانية فوق كل الرايات ، وحمينا العقيدة بأرواحنا ، ولم نساوم يوما على وطننا ووطنيتنا ... ومن هذا المكان وفي هذه الذكرى فأن ارواح الشهداء الطاهرة تناديكم وتذكركم بمسؤولياتكم .

انه العراق ايها الاحبة ، هذا العراق الذي ولدنا فيه وحملناه حلما في قلوبنا وقضية في ضمائرنا .... هذا العراق يستحق منا قليلا من التواضع ويستحق منا قليلا من التنازلات ويستحق منا ان نثبت له وطنيتنا الحقيقية ، لان الوطنية الحقيقية هي فعل وليست مجرد كلمات ... وان اصدق تعريف للوطنية هو شعورنا بالمسؤولية الجماعية .

 ان سياسة تبادل الاتهامات لن تصل بنا الى اي نتيجة ، وسياسة التنصل من المسؤولية لا تشرف اي وطني شجاع .... كلنا مسؤولون عن هذا الوطن وليست الحكومة فقط ... وكلنا مسؤولون عن حماية هذاالوطن وليست القوى الامنية  فقط ... ولايوجد جيش في العالم يستطيع ان يحمي دولة ووطن اذا لم يساهم شعبه ومواطنوه بحمايته ، ولتكن المطالبة بالحقوق بهدوء وليست  بأطلاق التهديدات ... فلايوجد احد كامل لان الكمال لله وحده ... ومثلما نطالب بحقوقنا علينا ان نقوم بواجباتنا تجاه هذا الوطن ، ومن أقدس هذه الواجبات هي ان نطهر أرضه من الظلاميين والارهابيين والتكفيريين ... فلا يشرف اي عراقي اصيل ووطني حقيقي ان يقف ورايات الشر والظلام والانحراف ترفف فوق رأسه ...

اليوم نحن كعراقيين علينا ان نتمسك بوطننا أكثر وان تطغى وطنيتنا على ذاتياتنا ، وان لا نسمح لطوفان الفتنة ان يجرفنا دون وعي ، فمتى ما انهار سد الوطنية والوحدة المنيع فلا يدعي احد انه سيكون بمنأى عن الغرق.

قد يرى البعض ان نهجنا الوسطي هو محاولة لمسك العصا من المنتصف ، ولكننا نقول وبكل وضوح اننا اصلا  لا نؤمن بسياسة مسك العصا !؟، لاننا نؤمن ان السياسة هي ان تاخذ بمقدار ما تعطي وان التطرف هو بضاعة مسمومة سواء كانت بالافكار او بالمطاليب وحتى بالافراط بالتفائل،  ووسطيتنا نابعة من ايماننا ان كل فعل مهما كان بسيطا في ظاهره فإن له تأثير ، وقد يتفاعل هذا التأثير  مع عوامل أخرى مما ينتج ردات فعل غير متوقعة .. والتاريخ مليء بأحداث لها تداعيات تتخطى تأثيرها المباشر . بهذه الرؤية نعمل للمستقبل وبهذا النهج نتعامل مع شركائنا في الوطن والمصير ، واذا ما تسلحنا بالارادة فأننا سننتصر على الأنا في داخلنا قبل ان نفكر ان ينتصر بعضنا على البعض الاخر .

فالارادة لا تكبل ، والافق لا يضيق الا بضيق الرؤية ، ومن يتصدى لموقع المسؤولية ويكون في القمة لا بد ان يتسلح بالرؤية والارادة ، ونحن جميعا ندعي اننا  نقف على هذه القمة ومسؤوليتنا جميعا ان نجد لشعبنا الطريق الصحيح الذي سيسير به، ونريه بكل وضوح افاقه اللا محدودة . وهذا هو  الوفاء الحقيقي الذي نقدمه لشهدائنا وشهداء العراق .

نحن واثقون كل الثقة من انكم كقادة للعراق ستتخذون القرارات الصحيحة في الوقت الصحيح وستفوتون الفرصة على اعداء هذا الشعب والساعون لغرس انيابهم المسمومة في جسد الوطن . وان مواقف الرجال اليوم ستتحول الى وقفات يشهد لها التاريخ ويفتخر بها الشعب . وعليكم جميعا ان تقولوا كلمتكم امام هذه التحديات المصيرية التي تواجه الوطن.

ومن عمق الرؤية التي يحملها القادة الذين اجتمعنا اليوم كي نخلد ذكراهم ، ادعوكم جميعا كأخوة وشركاء ان نسمو فوق الاختلافات وان نحجم التقاطعات ونجلس حول طاولة الشجعان ، طاولة الحوار  ، وتحت خيمة الوطن ونقدم لشعبنا الحلول الناجزة لمشاكلنا ونضع معا خطة بناء عراقنا الواحد والواعد. 

نعتمد على رؤيتكم ، ونثق بعزيمتكم ، ونضع يدنا بأيديكم كي نأخذ شعبنا الى المستقبل ووطننا الى الاستقرار  . حفظ الله شعبنا الابي ومرجعياتنا الدينية ورحم الله شهدائنا الابرار ولاسيما الشهيدين الصدرين وشهيد المحراب وعزيز العراق ... 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .