زيارة رئيس الوزراء الى كردستان:
شهدنا في هذا الاسبوع زيارة رئيس مجلس الوزراء الى عاصمة اقليم كردستان – اربيل - ، وهذه الزيارة الموفقة ، هي دليل آخر على ان الاخوة القادة بدأو يتحركون باتجاه بعضهم البعض ، والالتقاء والتحاور ...

نحن نؤيد ما صرح به الاخ رئيس مجلس الوزراء عندما قال " ليس بأيدينا عصى سحرية لحل المشاكل مرة واحدة وبسرعة " وهذا المنطق صحيح ، فالمشاكل والاشكالات المتراكمة لا يمكن حلها في زيارة واحدة او لقاء واحد ... ولكن مادام أرادة السير في طريق الحل موجودة ... فاننا سوف نصل الى حلول واقعية ومنطقية ومقبولة من جميع الاطراف ..

المهم هو اننا نملك الارادة في الوصول الى حلول .. فاننا سوف نحصل على الحلول .... والمهم اننا نملك رؤية في تصفير الازمات، فأننا سوف نصفر الازمات ..

ان العلاقة بين الاقليم والمركز تعتبر  من اهم المحاور التي تحدد شكل الدولة العراقية الحديثة ... وفي نفس الوقت تعتبر  مؤشراً على طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية وباقي المحافظات ....

علينا ان ندرك جيدا ان النظام الفيدرالي الذي ارتضيناه لعراقنا الجديد، والذي كتبناه في دستورنا ، هو بحد ذاته ليس نظاماً سهلا ... وهو  ايضا ليس نظاما مألوفاً في منطقتنا او حتى في ثقافتنا  الشخصية والمجتمعية ....

ولهذا فمن الطبيعي جدا ان نواجه مشاكل وإشكالات في التعامل معه والتعايش معه .....

فالفيدرالية تعني صلاحيات واسعة في الإدارة والحكم في الإقليم ولكن ليس الى درجة الاستقلال وتبقى مصالح الوطن فوق مصالح الإقليم ...  وفي نفس الوقت فان الحكومة الاتحادية في المركز تكون راعية لحكومة الإقليم وحامية لها من دون ان تكون مقيدة ومكبله لها ... ولهذا فان الفيدرالية نظام تتساوى فيه مساحة الحرية مع مساحة المسؤولية والالتزام....

عليه فان التكيف مع مستلزمات النظام الفيدرالي تحتاج الى الوقت والثقافة الديمقراطية الواعية ... وتحتاج ايضا الى فهم موحد لمفهوم الوطن بين الاقليم والدولة التي يكون فيها ... ومن هذا المنطلق نرى ان زيارة دولة الرئيس تعتبر ناجحة وقد ساهمت بكسر الجمود الذي اصاب العلاقة بين الحكومة الاتحادية وبين  حكومة الاقليم في الفترة الماضية .. واعتقد ان تكرر اللقاءات بين القيادتين سيساهم وبقوة في ايجاد حلول مرضية للمشاكل العالقة وتثبيت اسس العلاقة بين الاقليم والمركز.
 

اجتماع مجلس الوزراء في المحافظات :
ان اجتماع مجلس الوزراء في المحافظات هو خطوة عملية ومهمة ، حيث انها تجعل الطاقم الحكومي الاتحادي على تماس مع البيئة الواقعية لمختلف المحافظات العراقية ... مما يسهل من فهم احتياجاتها ومعرفة التحديات التي تواجهها ...

اضافة الى فوائدها المعنوية والنفسية ... وهذا ما لمسناه في اجتماع مجلس الوزراء في اربيل والذي بسببه تحقق اللقاء بين رئيس مجلس الوزراء السيد المالكي وبين رئيس الاقليم السيد البرزاني ...

ونأمل ان نرى في المستقبل القريب اجتماعات لمجلس الوزراء في محافظات الانبار  والموصل وصلاح الدين ... وبعد تشكيل مجالس المحافظات في الجنوب سيكون من المفيد جدا ان تكون هناك اجتماعات في مختلف المحافظات في جنوب بغداد .. مما يتيح للطاقم الحكومي الالتقاء والتعرف على الحكومات المحلية وتبادل وجهات النظر فيما بينها ...

ان ادارة الدولة تتطلب ان يكون لكابينة الادارة في هذه الدولة القدرة على التواصل مع مختلف اطرافهاومفاصلها .. وان تكون الاجهزة الفنية في الحكومة الاتحادية على تواصل وتماس مع الاجهزة الفنية في الحكومات المحلية والاقاليم ، بهذه الطريقة يتم تحقيق الانسيابية العالية في اداء المركز مع المحافظات وبالعكس .

 

تحالفات مجالس المحافظات :
وبما اننا نتكلم عن الحكومات المحلية وعلاقتها بالحكومة الاتحادية ، فمن المهم ان نتكلم عن التحالفات التي تتشكل لتأسيس هذه الحكومات ... ونحن الان في المرحلة الاخيرة من الوقت المتبقي لتشكيل هذه الحكومات ..

هذه الحكومات تمثل الخط الاول من التعامل الحكومي مع الناس ، على اعتبار انها تمثل حكومات خدمية  لها تماس مباشر مع حياة الناس ... فان ايجاد فريق متجانس في مجالس المحافظات يعتبر من المهام الرئيسية في هذه التحالفات .. والنقطة الثانية المهمة هي ان هذه التحالفات يجب ان تكون ضمن برنامج معين ورؤية محددة وطريقة عمل محددة من اجل تقديم نقلة نوعية في الخدمات المقدمة من قبل هذه الحكومة الى الناس ...

ونحن دائما نرشح رجالنا للمواقع التنفيذية كي نقدم شيئاً ونحقق انجازاً .... اما اذا وجدنا انفسنا عاجزين عن تقديم شيئ او تحقيق ذلك الانجاز ، ولاي سبب من الاسباب فاننا لا نتمسك بهذه المناصب ولا نتحمل وزرها ...

وكذلك نرى ان المواقع الرئيسة والمهمة في الحكومات المحلية جميعها بنفس المستوى، وخصوصا اذا كانت هذه المواقع يشغلها رجال من اتجاهات سياسية مختلفة ... ولهذا فاننا نقول ان التجانس في  مجالس المحافظات سيخلق تجانس في الحكومات التي تنتجها هذه المجالس .. لانه بدون هذا التجانس سيكون التقاطع والتعطيل هو الميزة الكبرى، وسيحاول كل طرف عرقلة عمل الطرف الاخر وتكون المحصلة دون مستوى الطموح، وتفشل المجالس والحكومات التي تمثلها ...

وجود محافظ من هذا الطرف هنا ... ويقابله رئيس مجلس محافظة من الطرف الاخر .. في هذه المعادلة فان كل الموقعين يحملان نفس الاهمية ونفس القيمة ودائما تكون المواقع بشاغليها ... فليس الموقع هو الذي يمنحك التأثير وانما كفائة شاغل الموقع هو الذي يصنع التأثير ...

وعندما يكون رئيس المجلس كفوء ومتمكن فانه وزملائه في المجلس سيكونون الموجهين والمحددين لتصويب اتجاه المحافظ وفريقه التنفيذي ... وفي حالة تلكأه وفشله فان على المجلس ان يقيله ويستبدله ....

فما قيمة موقع محافظ في اي حكومة ، عندما يكون شاغل الموقع غير متمكن من اداء مهامه وغير قادر على تنفيذ واجباته والتزاماته .... وكذلك ماقيمة رئيس مجلس محافظة لا يستطيع ان يقوم بدوره الرقابي ويحدد اتجاه بوصلة الحكومة التنفيذية ولا يحاسب ويدقق على الجهاز التنفيذي ...

اذا التحالفات هي ليست نهاية المطاف ولن تكون نهاية المطاف .. انها اتفاقات حول خطة عمل ورؤية وطريقة ادارة من اجل الوصول الى النجاح ضمن الفرص المتاحة ... واذا لم نستطع ان نغير او نعدل المسار فاننا ننسحب من الحكومة المحلية ونعلن للناس اننا لم نعد نملك اي اداة تنفيذية وسنكتفي بالدور الرقابي وعلى حسب قوتنا ووجودنا ، وهذا اضعف الايمان ...
 

مستقبل الحكومات المحلية :
من تجربتنا الخاصة في تيار شهيد المحراب ، نستطيع ان نلمس التطور الكبير في مسار الحكومات المحلية منذ بداية تشكل العراق الجديد ... فنحن كنا من اوائل التيارات السياسية التي دعمت الحكومات المحلية وبقوة في الدورة الاولى .. وضمن الخبرة والامكانيات المتوفرة آنذاك .. وضمن الواقع المعقد في تلك المرحلة .. قمنا بما علينا القيام به ... فنجحنا في مكان وتلكأنا في مكان آخر .....وعند نهاية الدورة وتجديد الانتخابات لم نحصل على المقاعد التي تهيأنا لتشكيل اي حكومة وارتأت الاطراف الاخرى ان تتحالف فيما بينها بمعزل عنا .. وخرجنا من حكومات المحافظات ولم يكن لدينا اي تمثل تنفيذي في اي محافظة ... وبقينا اربع سنوات ونحن خارج التمثيل الحكومي المحلي ... فماذا حدث ؟.. لم تبتلعنا الأرض ولم تنطبق علينا السماء  !!... راجعنا حساباتنا ولملمنا أوراقنا واعدنا تقييم إمكانياتنا ورجالنا ...

هذه هي الديمقراطية ... الناس هي التي تمنحك التفويض ، والناس هي التي تسحبه منك ... قد يكون في وجهة نظرك انك قدمت افضل ما يمكن ... ولكن قد يكون للناس وجهة نظر أخرى ويرون انك لم تقدم بما فيه الكفاية ... او قد يفكر الناس ان يمنحوا تفويضهم لجهة أخرى كي يروا أداء مختلف وعمل مختلف ...

واليوم نحن ندخل الدورة الثالثة ونرى ان الناس غيرت ايضا من جهة تفويضها ... وهذه المرة نشعر وكأن الناس منحوا كل طرف قدرأ من الثقة .. فلم يخرج احد وهو مكتسح ... وأصبح كل طرف بحاجة الى الإطراف الأخرى كي يعمل ...

هذا التطور في اداء الجمهور ... يشير الى اننا نسير في الاتجاه الصحيح رغم كل المعوقات .. اليوم لدينا جمهور يقل مدى التأثير عليه مع الزمن وتصبح خياراته مبنية على الواقع اكثر فأكثر ....

وهذا يحتم على مجالس المحافظات والحكومات التي تنشئ منها ان تكون متطورة بنفس تطور الجمهور الذي فوضها ....

فبعد 8 سنوات من التجربة ، ودورتين ، لم يعد الناس متفرجين ، ولم يعودوا يمنحون تفويضهم تحت تأثير العواطف ... انما أصبحوا أكثر إدراكا لحقوقهم .. واكثر قدرة على المحاسبة ... وفي الديمقراطية تكون المحاسبة عبر صندوق الاقتراع ...

هذه الدورة من اصعب الدورات واكثرها تحدياً للجميع دون استثناء ... لانها تعتبر مرحلة مفصلية ... فاي ضعف في الاداء سوف يكون الرد عليه بسرعة وبقوة جماهيريا .... الشباب يمثلون 60 % من مجتمعنا وثلث هذا العدد هو جيل نمى وترعع في جو الحرية والديمقراطية ... ولديه الكثير من المعرفة المجتمعية عن طريق وسائل الاتصال المتطورة التي يحسن التعامل معها .. وهذا الجيل يهتم بأداء الحكومات المحلية اكثر من اهتمامه بأداء الحكومة الاتحادية ... لانه يهتم بمكان مدرسته .. وبالشارع الذي يمشي فيه ، وبالمتنزه الذي يرتاده ، وبالماء الذي يشربه ... وهذه من مسؤوليات الحكومات المحلية الى حد كبير ... ايام قلائل وستبدا هذه الحكومات العمل ... ومن اليوم الاول ستبدأ المراقبة ... ومن السنة الاولى سيبدأ التقييم.
 

احداث تركيا ... وردود الافعال :
في تركيا الجارة المسلمة وبصورة مفاجئة وغير متوقعة حدثت تظاهرات واعتصامات ورافقتها اعمال عنف ... ومثل هكذا احداث تعتبر شيئاً طبيعياً في اي دولة من دول العالم ..... في اليونان حدثت بسبب التقشف والانهيار المالي وفي اسبانيا كذلك ... ولكن الملفت للنظر ان الاحداث في تركيا بدات لسبب لطيف جدا ولكنها تطورت لاسباب مختلفة ...

فالسبب الاول كان الاعتراض على مشروع عمراني في اسطنبول على حساب قطع 600 شجرة  ... ولكنه تطور الى مطالبات باستقالة الحكومة ... نتمنى لكل الدول الصديقة والشقيقة الازدهار والاستقرار ... واحب ان اسلط الضوء على بعض النقاط في الاحداث في تركيا ..

حيث وجدنا ان البعض سارع الى توجيه النصح الى الحكومة التركية والبعض الاخر سارع الى التوبيخ ... والبعض ابدى نوع من الشماتة بينما البعض الاخر اكتفى بالصمت والمراقبة ...

تركيا بلد ناجح .. واستطاع بفترة زمنية قياسية ان يحدث طفرة نوعية في حياة مواطنيه .. وان يصبح قوة اقتصادية يشار اليها بالبنان ... ومن اهم العوامل التي ساعدت تركيا على تحقيق هذا الانجاز هو انها اعتمدت على استراتيجية (( تصفير الأزمات مع جيرانها )) .. وبهذا فتحت امامها الحدود وتدفقت البضائع التركية الى مختلف الاتجاهات ...

الردود التي جائت نتيجة الاحداث الأخيرة في تركيا تدل على ان تركيا لم تعد تصفر الأزمات مع جيرانها .. والبعض منهم يرى انها تقدم له النصح ، والبعض الاخر يرى انها تحاول ان تتدخل وتقوم بدور الوصاية !!..

وعلى الرغم من انها أحداث أليمة نتمنى للشعب التركي ان يتجاوزها وبسرعة ... الا انها تعطي إشارات انذار جانبية عن نوعية العلاقة الان بين تركيا وبعض جيرانها المهمين والمقربين ....

كما انها تمنح الحكومة التركية بعض الأدلة على انه ليس كل من نزل للشارع فانه بالضرورة على حق ، كما انها تقدم ادلة على ان حركة الشعوب تبدأ بريئة وعفوية في كثير من الأحيان ... الا ان أيادي أصحاب المصالح والمشاريع الخاصة سرعان ما تتلاعب بها وتحرفها عن مسارها الطبيعي ...

نتمنى لتركيا الصديقة والشقيقة ان يعمها الأمن والأمان .. وان تواصل طريقها في التقدم والازدهار .. وان تعود وتتمسك بسياسة تصفير الأزمات لأنها سياسة جلبت لها الأصدقاء والشركاء والكثير من الاحترام .