بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهربن .

السلام عليكم أيها الحضور الكرام ورحمة الله وبركاته.

إن من دواعي الغبطة والسرور أن تُقام مثل هذه المؤتمرات العلمية السنوية التي تُساعد على اكتشاف المزيد من الجوانب المضيئة في حياة الاسلام العظيم والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة اهل البيت عليهم السلام ، وهي تسدّ  ضرورة من ضروريات حياتنا المعاصرة ، فالتمسك بهدي الاسلام وهدي ألرسول الاعظم وأئمة الهدى منجاة لنا من مزالق الخطيئة والخطأ  أعاذنا الله وأيّاكم من مهاويها.
لقد أخترت من بين العناوين المقترحة لهذا المؤتمر المهم ، عنوان التيارات السياسية في عهد الإمام الصادق عليه السلام ، وهو عنوان كبير وواسع كما تعلمون ، وليس غرضي من اختيار هذا العنوان هو الخوض في تفاصيله الواسعة فذلك أمر لا يحتمله وقت هذا المؤتمر ، وإنما اردت أتناول ذلك على سبيل الإشارة والإثارة ليساعدنا في توضيح بعض الجوانب من حياته الشريفة .
لقد وُلد الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام في المدينة المنورة سنة ثلاث وثمانون من الهجرة النبوية الشريفة وهناك من يقول ان ولادته كانت سنة 80ه ، في أواخرعهد عبد الملك بن مروان ، وتوّلى الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام محمد الباقر عليه السلام سنة 114 هـ حتى وفاته عليه السلام سنة 148ه .وكان عمره الشريف حين توّلى الإمامة 31 عاماً ، واستمّرت إمامته 34 سنة .
كانت سنوات حياة الامام الصادق عليه السلام ، وسنوات إمامته تموج بالمتغيرات والتطورات السياسية والفكرية في العالم الإسلامي ، فقد عاصر عليه السلام منذ ولادته  قوة الحكم الاموي في عهد عبد الملك بن مروان الذي توفي سنة 85هـ ، ومن ثم انحدار تلك الدولة الى الصراعات الداخلية بين الحاكمين انفسهم من البيت الأموي ، وصولاً الى انهيارها سنة 132هـ على يد العباسيين الذين قويت دعوتهم وانتشرت في البلاد الاسلامية ، ودخلوا العراق ، ومن ثم هزموا آخر حكام بني أمية مروان بن محمد في معركة الزاب الشهيرة في تلك السنة.
وعلى هذا الاساس فقد عاش الأمام الصادق عليه السلام ستة عشر سنة من حياته وإمامته في عهد الدولة العباسية .
وكانت سنوات حياته عليه السلام من الفترات التي امتازات بالكثير من المتغيرات على الصعيد السياسي والفكري في الحجاز والعراق والشام وعموم العالم الإسلامي .
فقد كان العراق تحت وطأة حكم الحجاج بن يوسف الثقفي ، الذي استمر حكمه حتى سنة 95هـ ، والحجّاج معروف للقاصي والداني في جبروته وقسوته مع أهل العراق وخصوصا من أتباع أهل البيت عليه السلام  حيث لاحقهم تحت كل حجر ومدر ، حتى كان آخر ضحاياه العابد الزاهد الصالح التقّي سعيد بن جبير ، حيث قتله سنة 95هـ ، ولم يلبث بعده الا اياما معدودات حتى مات .والملاحظ في حياة الأمام عليه السلام ومواقفه السياسية أنه لم يدخل بشكل مباشر في الحركات الثورية المناوئة للسلطة الأموية ولا العباسية من بعدها ، رغم كثرة الحركات ونزوع الكثيرين من اتباعه في ذلك الحين الى الثورة والرغبة في الانقضاض على الحكم الأموي خصوصاً في ظل تدهور أمور الحكم وتصارع الحكام فيما بينهم على استلام مقاليد السلطة العليا.
فعلى الصعيد السياسي ، شهدت الدولة الأموية في أواخر عهدها إنطلاق العديد من الثورات والحركات المناوئة لها ، ومنها حركة الشهيد زيد بن على بن الحسين عليهم السلام وهو عمّ الإمام الصادق ، الذي انطلق بثورته المعروفة في الكوفة سنة 120ه ، في عهد هشام بن عبد الملك ، وحاكم العراق يومئذ هو يوسف بن عمر الثقفي .
وقد ذكر الرواة أن الإمام عليه السلام قد طلب من زيد الشهيد أن لا يخرج ، لعلمٍ كان يعلمه ، لكن زيد خرج وحمل السيف واستشهد ، وقد تألّم الإمام عليه السلام لشهادته واصحابه أشدّ الألم وترّحم عليه ، وذكر الشيخ المفيد في الإرشاد نقلاً عن أبي خالد الواسطي قال : ( سلّم إليّ ابو عبد الله عليه السلام ألف دينار ، وأمرني أن اقسمها في عيال من أُصيب مع زيد ) ( الارشاد .ج: 2 ، ص : 173).

كما عاصر عليه السلام العديد من حركات الخوارج وأغلبها كانت تنطلق من العراق في مواجهة حكم بني أمية ، والبعض منها كانت في عهد بني العباس ايضاً .
ويذكر المؤرخون أن مجموعة من بني هاشم من أولاد الأمام الحسن بن علي بن ابي طالب عليهما السلام وأولاد عبد الله بن العباس ، كانوا ينزعون الى الثورة للإنقضاض على الحكم الأموي ، وقد أجتمعوا ب ((الأبواء)) القريبة من المدينة المنورة لتدبير أمور حركتهم ، ولم يحضر الأمام الصادق عليهم السلام في ذلك الاجتماع ، وقد بايعوا محمد بن عبد الله بن الإمام الحسن عليه السلام وهو المعروف بالنفس الزكية ، وكان في الحضور ابو جعفر المنصور ، وقد ارسل المجتمعون بعد البيعة محمد بن عبدالله بن الحسن ، الى الامام الصادق يسالونه أن يحضر معهم ، فجاء الإمام : ( فقال جعفر (ع) : لا تفعلوا هذا فإن هذا الأمر لم يأتِ بعدُ )  ، وفي خبر طويل يقول الراوي عن الإمام : وضرب بيده على ظهر ( ابي العباس) ، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن وقال : إنّها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنها لهم ، وأن ابنيك لمقتولان ) ( الارشاد : ج:2 ، ص : 192 ). ويقصد بقوله انها لهم اي : لبني العباس ، السفاح والمنصور ومن جاء بعدهما .
وعاصر الإمام عليه السلام ثورة محمد بن عبد الله الملقب بـ ذو النفس الزكية وهو الذي بايع له المنصور في اجتماع الإبواء ، وكانت ثورته في عهد المنصور سنة 145ه ، اي في السنوات الثلاثة الأخيرة من حياة الإمام عليه السلام ، وكان الإمام يعلم أنه سيُقتل وروي أنه كان كلما رآه بكى ، لإنه يعلم بمقتله .

وقد انتهت ثورة محمد بقتله في المدينة المنورة ومقتل أخيه ابراهيم الذي خرج بالبصرة ..

كما شهدت تلك الفترة بروز الصراعات الكلامية وكثرة المتكلمين في العراق خصوصاً والحجاز وغيرهما من بلاد المسلمين ، وتصاعد حركة أهل الحديث وانتشار الرواة والمحّدثون ، وأهل النِّحل ، وقد قاد الإمام الصادق عليه السلام حركة علمية عظيمة عرفها القاصي والداني واصبحت تُشدّ إليه الرحال من الأصقاع ، وهناك كلام قاله لأبيه الباقر عليهما السلام وهو في آخر حياة الباقر ذو دلالة مهمّة على ما كان ينويه من فعل على هذا الصعيد ، فقد رُوي عنه أنه قال : ( لمّا حضرت ابي الوفاة قال : يا جعفر أوصيك باصحابي خيراً ، قلتُ : جُعلتُ فداك ، واللهِ لأدعنّهم والرجل منهم يكون في المِصر فلا يسأل أحداً ) .. يعني يجعلهم اعلام امصارهم في العلم والمعرفة .. وهو ما حصل فيما بعد في عهد إمامته عليه السلام.

وقد تواترت الأنباء عن علمه عليه السلام ، حتى قال المفيد رحمه الله في ارشاده ، ( فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثّقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل ) ..وهذا عدد كبير بمقاييس ذلك الزمان ، كما أنه مهم قوله ( على اختلافهم في الآراء والمقالات ).مما يعني أن تاثيره في العلم والدين لم يتوقف عند أتباعه من الشيعة ، بل تعدّاه إلى غيرهم من اصحاب الآراء والنِّحل..
ويذكر التاريخ والمؤرخون وقائع وأحداث كثيرة ومتنوعة لمناظرات بينه وبين غيره من أهل الكلام ، من أئمة المعتزلة والخوارج والزيدية وغيرهم ، وحتى مع أئمة اهل الحديث من غير اتباع أهل البيت عليهم السلام ، كأبي حنيفة النعمان بن ثابت وغيره .
وقد ابدى الإمام عليه السلام عناية خاصة ببعض متكلّمي مدرسة اهل البيت(ع) وكان يدقق كثيراً في قدرة اتباعه على الكلام وقوة حججهم في الإقناع ومواجهة الخصوم فيما يطرحونه من الإشكالات ، وكان النصيب الأكبر من العناية لمتكلمي العراق كهشام بن الحكم ومؤمن الطاق وغيرهما من عيون اصحابه والراوون عنه ، كما كان يمنع بعض أتباعه من الرواة في الخوض في المسائل الكلامية تقديراً منه لضعفهم عن مواجهة الخصوم في هذا الجانب ، وفي كتب التاريخ شواهد كثيرة على ذلك.
ورغم أنه عليه السلام كان منصرفا إلى إداء مهامه التي اختّطها لنفسه ، وانصرافه عن التدخل السياسي المباشر في الصراع ، لكنه لم يسلم من الوشاة في عهد الدولة العباسية وتحديدا في عهد ابي جعفر المنصور ، فقد استقدمه الى الحيرة حين اتخذها مقاما له ، وقد حاول ابو جعفر المنصور ، أن يُقلل من شأنه العلمي عليه السلام ، حيث يذكر ابو حنيفة في قصة يرويها عنه الذهبي في سير اعلام النبلاء ، أن المنصور قال له حين استقدم الامام الى العراق: يا ابا حنيفة أن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد ، فهيء له من مسائلك الصعاب ، فيقول ابا حنيفة انه قدّم للصادق (ع) اربعين سؤالا صعباً طرحها على الإمام بحضور المنصور بالحيرة ، فأجاب عنها الصادق عليه السلام على مختلف الآراء والمذاهب ، وقيل أن ابا حنيفة سَئل : من افقه من رأيت قال : ما رأيت أحداً افقه من جعفر بن محمد ) ( سير اعلام النبلاء ، ج : 1 ، ص : 1312).

ونظير ذلك ما رواه المفيد في إرشاده والذهبي في سير اعلام النبلاء ، من أن المنصور ، أمر بإحضار الأمام عنده متوعدا إياه بالقتل لوشاية وصلته من بعض الوشاة ، فلما دخل الإمام عليه ، قال المنصور : قتلني الله إن لم اقتلك ، اتلحد في سلطاني وتبغيني الغوائل ؟ ويدور بينهما حوار ينتهي الى احضار الواشي ، وافتضاح كذبه ، بعد ان حلف كذباً .

وكان ذلك في حوالي سنة 140ه اي في السنوات الثمانية الأخيرة من حياة الإمام ، فقد تولى المنصور الحكم سنة 139ه .

وكان من اقرب اصحابه ومواليه إليه  المعلّى بن خنيس ، وقد قتله وصادر أمواله داود بن علي عم المنصور حين ولاه على المدينة المنورة ، فدخل عليه الامام الصادق مغضباً وقال له : ( قتلت مولاي وأخذت مالي أما علمت أن الرجل ينام على الثُّكل ولا ينام على الحرب ، أما والله لادعوّن عليك ، ومضى عليه السلام وقضى ليله بالصلاة والدعاء فلم يصبح الصبح الا والنداء قد ارتفع بموت داود بن علي .

وقد أقام الصادق في العراق سنتين ، كانت فرصة عظيمة لطلاب العلم للتعلم على يديه واستماع الحديث منه ، وروي عن ابي حنيفة أنه قال لولا السنتان لهلك النعمان يشير الى السنتين التي استمع فيهما من الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.

ويصح القول بعد هذا العرض أن فترة أمامته عليه السلام شهدت تطورات سياسية كبرى ، ونقلة مهمة ونوعية على مستوى العقائد والفقه والحديث ، وهي كلها كانت تحتاج الى معالجات ومواقف حازمة وبصيرة بالعواقب ، وقد وقف الإمام الصادق عليه السلام مواقف معروفة مرّت الإشارة اليها في طيّات الحديث.

إننا نعتقد أن تلك الفترة من تاريخ المسلمين عموما وتاريخ العراق خصوصاً تحتاج الى وقفات متأنية لتعالج تلك الظواهر وتدرس انعكاساتها على حياة المسلمين فيما بعد ، وهو أمر يحتاج الى مجال اوسع من هذه الاجتماعات المباركة. ولكن الرسالة الواضحة اعتماد فقه الاولويات والدراسة العميقة للظروف السياسية والاجتماعية وتقدير الموقف الصحيح لظروف المجتمع وما يتطلبه من تركيز على الجانب التغييري الثوري او الجانب العلمي والتربوي ... فالمسئلة لا ترتبط بالاقدام او الاحجام بقدر  ارتباطها بتقدير الموقف المنتج الذي يمكن تحقيقه في كل ظرف و زمان . وهذا المسار هو ما نحتاجه في زماننا الحاضر من تقدير الاحتياجات المجتمعية و تحديد الاولويات على ضوئها بما يتناسب مع مجمل التطورات والظروف الذي يمر به العراق  والمنطقة .

وندعو الباحثين الكرام إلى الإهتمام بتلك الفترة وإيلاءها عنايتهم بالبحث والتنقيب لإن في ذلك خدمة كبيرة للتاريخ والاسلام والمجتمع.

أسأل الله العلي القدير أن يوفقكم ويحفظكم ..ويسدد خطاكم ويتقبل اعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.