بسم الله الرحمن الرحيم
((وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)) الحج: 27-29
 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الميامين المنتجبين. السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات الكرام من حجاج بيت الله الحرام، من العراق ومن كل البلاد العربية والإسلامية. نجتمع هنا كما في كل عام في مثل هذه الأيام الشريفة وفي هذه البقاع الشريفة الطاهرة التي أختارها الله سبحانه وتعالى ليكون فيها بيته المعظّم، ولتكون بقعة تهوي إليها أفئدة الناس من كل فجاج الأرض. نجتمع هنا لنتوجه معاً الى الباريء عز وجل بقلوب عامرة بالإيمان والرجاء والتوّسل إلى الله العلي العظيم، أن يمنّ علينا بالأمن والسلام، ويمنحنا شرف الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ربَّكَ هو َأَعْلَم ُبِمَنْ ضَلَ عنْ سَبِيلِهِ وَهُو َأَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، النحل: 125). أيها المؤمنون الكرام.. إن للحج في كل مناسكه مضامين عظيمة ومعاني سامية علينا أن ندركها جيّداً، فهو ليس مجرد ممارسات وأعمال فيزيائية من سعي وطواف ووقوف وذهاب وإياب وغيرها من الأعمال، بل ان في كل واحدة من تلك الأعمال مضمون روحي يرتبط بعمق بقضية إخلاص الإنسان في عبوديته لله سبحانه وتعالى، في كل خطوة يخطوها في حياته. الحج أيها المؤمنون الكرام هو الخروج من الذات الضيّقة الى المدى الأرحب اللامتناهي حيث الرحمة الألهية التي وسعت الكون وما فيه، هو الخروج من الذات والعودة إليها بقبس من النور الذي يضيء داخلها هدىً ورحمة وعطاءاً، وسعيا ً في الأرض بالصلاح والخير وإعمار النفوس والبلاد، والرحمة بالعباد. لتكون العودة الى الله عودة حقيقية نقيّة طاهرة من كل ألوان التعلّق بالدنيا الزائلة. هذا هو الحجّ في معنى من معانيه العظيمة، والوصول إلى ذلك المعنى وتحقيقه لهو من أعظم ما يتمناه المؤمنون والصالحون، وهو هدفنا جميعا ان شاء الله.
أيها الأخوة والأخوات.. لقد مرّت بنا خلال العام الماضي الكثير من الوقائع والأحداث الجسام وأخطر ما واجهنا من تلك الأحداث سواء في العراق أو العالم الإسلامي والعربي هو حالات التنازع والتخاصم التي قادت مع الأسف الشديد الى إقتتال الأخوة في الدين والوطن والدم فيما بينهم، وهو أمر لم يحصل بهذا السعة طيلة القرن الماضي على الأقل. لقد كنّا نحذّر قبل سنوات من استشراء ظاهرة القتل الجماعي للأبرياء عبر التفجيرات والأعمال الإرهابية ضد المدنيين الأبرياء، وكنّا نقول وما زلنا نقول أيضاً، أن السكوت على هذه الجرائم، وعدم أدانتها والوقوف ضدّها سيؤدي الى استشرائها في كل البقاع، ولن تتوقف في بلد دون آخر وهذا هو ما نشاهده اليوم مع الأسف الشديد. ومع أن هذه الأعمال هي من الجرائم الواضحة التي أدانها القرآن الكريم: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَل َالنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ. المائدة: 32)، إلّا أن ما يؤلمنا أكثر هو أن بعض علماء هذه الأمة المؤمنة، أمّة الحوار والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، يقفون ساكتون إزاء كل ذلك، وكأن الأمر لا يعنيهم، أو كأن ما يجري هو الصحيح. أيها المؤمنون.. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى وحدة الكلمة، والعودة الى المنابع الصافية للإسلام العظيم، الإسلام الذي جاء في القرآن الكريم ونزل على سيدنا ونبينا ومنقذنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، الإسلام الذي جسّده لنا رسول الله وأهل بيته الكرام وسار عليه الصالحون من الأمة، وليس الإسلام الذي دخلت فيه الأهواء والمصالح الذاتية والتشويه. لا شكّ اننا نمثل مذاهب في الإسلام، ونختلف في الرأي، وهذا ديدن البشر، لكننا نتفق جميعا على ربّ واحد ندعو إليه، وكتاب واحد نقرأه ونتعبد به، وقبلة واحدة نتوجه إليها في صلواتنا كل يوم آناء الليل وأطراف النهار، ونتفق جميعاً على حرمة الدم والمال والعرض، فلماذا نسكت على انتهاك كل ذلك من قبل شراذم تدّعي الدين وهي منه براء، لماذا لا يقول بعض العلماء كلمتهم، لماذا لا يوحّدون الأمة على مبدأ التسامح والتعايش والحوار الإيجابي بالحكمة والموعظة الحسنة؟ أليس الدين المعاملة كما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم. أيّها المؤمنون والمؤمنات .. نحن اليوم نقف في العراق على اعتاب مرحلة جديدة، فقد قطعنا عقداً من الزمان بعد سقوط النظام الديكتاتوري السابق، وها نحن قد دخلنا العقد الثاني وأمامنا استحقاقات ومهمات كبيرة وكثيرة الفت النظر إليها على عجالة تتناسب مع طبيعة الموقف هنا: 1. امامنا انتخابات تشريعية قادمة خلال الثلث الأول من العام القادم سنة 2014 م ، وهي انتخابات مهمة بدون شك بعد هذه التجربة التي مررنا بها خلال العقد الماضي، وهي تجربة أوضحت الكثير من المسائل والأمور التي كانت تحتاج الى وقت لكي تتضح. وإن من الأمور المهمة في هذا الموضوع هو المشاركة الفاعلة في الانتخابات، لان ذلك هو الطريق الطبيعي لتحقيق الطموحات في بناء العراق والتقدّم به نحو الأحسن، لأن العزوف عن الانتخابات لن يكرّس سوى الأخطاء والتراجع. 2. إن الانتخابات هي بحد ذاتها أمر ضروري، ولكنها طريق لتحقيق ما هو أهم، وهو مجيء حكومة تمثل إرادة الشعب، وحين نتحدث عن تمثيل إرادة الشعب، فإننا نتحدث عن ضرورة قيام حكومة خدمة وتحقيق لمصالح الشعب على كل المستويات، وهو الذي نعنيه بدولة المواطن. إن ما نريد تحقيقه للعراق من خلال المواطن العراقي هو التقدّم والازدهار والسلام والأمن والاستقرار وتوفير فرص العمل في كل المستويات، وإعادة العراق الى وضعه الطبيعي بين الدول، وأن يكون عراق السلام، عراق الحضارات العريقة، عراق الأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام، عراق الأولياء والصالحين. لذلك سنعمل بكل جهودنا من أجل قيام هذه الحكومة القادرة على تحقيق كل ذلك، وسنمدّ أيدينا الى كل القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الخيّرة من أجل التعاون على إنجاز هذه المهمة التاريخية لبلدنا وشعبنا. 3. إننا اليوم أيها المؤمنون والمؤمنات الكرام، بحاجة الى السلم والأمن والاستقرار، ونحن نعتقد أن ذلك لا يمكن تحقيقه إلّا بأن ينال الجميع حقوقهم غير منقوصة كاستحقاق وطني وإنساني، ليست منّة من أحدٍ، ولكن هو استحقاق المواطنة والإنسانية والأخوة في الدين والإنسانية. لقد وجّهنا الكثير من الدعوات واقمنا بالمبادرات على هذا الصعيد كما قام الشركاء أيضا بذلك، ونحن جادّون في الاستمرار بهذه الجهود وندعو من هناك جميع العراقيين إلى اعتبار قضية التعايش السلمي الركيزة الأساسية لبناء العراق وتحقيق استقراره وتقدّمه. من هنا ندعو إلى نبذ كل دعوات التمييز الطائفي ونبذها والوقوف ضدّها، وكذلك نبذ كل شكل من أشكال العنف، وإدانة الإرهاب والتكفير والقتل الجماعي على الهوية. 4. إن استقرار العراق يرتبط بشكل كبير باستقرار المنطقة أيضا، لذلك ندعو كل دول المنطقة الى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع العراق، وإيقاف الأعمال التحريضية التي تنطلق من أراضيها ضد العراق سواء أخذت شكل الدعم السياسي أو المالي أو الإعلامي أو التنظيمي. لقد نص الدستور العراقي على أن لا يكون العراق منطلقا للعدوان على الدول الأخرى، وبالمقابل ندعو دول الإقليم إلى الالتزام بإن لا تكون أراضيها منطلقا للعدوان على العراق. 5. إن ما يجري في سوريا يهمنا جميعا، سواء اقتصر تأثيره على الأراضي السورية أو انتقل تأثيره الى العراق، فالشعب السوري شعب شقيق تربطنا به وشائج التاريخ المشترك والدم والدين والجوار، وليس من المنطقي، ويؤلمنا ويقضّ مضاجعنا ما يجري في سوريا اليوم من تدمير وسفك للدماء، ونحن ندعو للحوار العادل لإعادة سوريا إلى عهود الأمن والسلام والتعايش. في الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزّل علينا بركاته بقبول أعمالنا في هذا الحج المبارك وأن يعيد الجميع الى أوطانهم سالمين غانمين، وأن يمنَ علينا بالأمن والسلام والاستقرار. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.