بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون " صدق الله العلي العظيم .

اكد ائمة اهل البيت (ع) على شيعتهم باحاديث كثيرة يصعب احصاءها والاحاطة بها على احياء ذكرى واقعة كربلاء الفجيعة واقعة الدماء والعطاء تلك الواقعة التي انتصر فيها الحق على الباطل مع قلة العدد وخذلان الناصر ، وبذلك صارت رمزا لانتصار الدم على السيف والمال فقد اراد الطغاة والمنحرفون اغراء المال وبطش السيف ان تموت هذه الامة المرحومة وتنسى دينها العظيم وتعاليمه القويمة ومثله الرفيعة واخلاقياته الفاضلة وترجع في غفلتها نحو جاهليتها العمياء لتتخذ من الطغاة اصناما تعبدهم من دون الله تعالى وتجعل منهمائمة يقودونها الى النار تحلل ما احلوا وتحرم ما حرموا من دون وازع ولا رادع وقد افصح عن ذلك يزيد بن معاوية حينما قال لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل ، لست من خندق ان انتقم من بني احمد ماكان فعل ، ولقد كان سيد الشهداء (ع) على علم بما ستؤول اليه الامور حيث قال (ع) في جملة كلام له عندما خطب الناس في مكة " وقيل لي مصرع انا لاقيه كان باوصالي هذه تقطعها الفلوات بين النواويس وكربلاء " ومع ذلك سار (ع) الى الموت بخطى ثابتة وعزم راسخ ولم يكن معه الا نجوم الارض من آل عبدالمطلب وعدد قليل من المؤمنين ممن امتحن الله قلوبهم للايمان موضحا (ع) اهدافه السامية في كلمته المعروفة " واني لم اخرج اشرا ولابطرا ولامفسدا ولا ظالما وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي (ص) اريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابيطالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بقبول الحق ومن رد هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين " ولقد أحس (ع) بالفتح وتلمس النصر قبل ان يبدا القتال حيث كتب الى من بقي من بني هاشم " اما بعد فان من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام " كما اشار الى ذلك الامام زين العابدين (ع)  في حديثه لابراهيم بن طلحة بعد رجوعه الى المدينة حاملا معه الثكالى من آل رسول الله (ص) وقد ساله ابراهيم من الغالب فقال (ع) اذا اردت ان تعلم من الغالب ودخل وقت الصلاة فاذن واقم ، ولقد كانت واقعة الطف المضمخة بالدماء صرخة مدوية ايقظت ضمير الامة ونبهتها الى ما هي عليه من سوء بل هزت عروش الظالمين وسلبتهم شرعيتهم التي تستروا بها وصبت عليهم اللعنة والنقمة ابد الآبدين وعادت دعوة الدين حية تستقطب ذوي السعادة والتوفيق من اجل ان يحملوها ويرعوها ويبلغوها الاجيال جيلا بعد جيل لتبقى كلمة الحق ظاهرة لتكون الحجة على الناس ولا يقولوا الا كنا عبادا غافلين واذا كان سيد الشهداء قد تحدى الطغاة والمنحرفين وقال كلمته المشهورة "والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد " وقدم نتيجة ذلك الدماء الزكية والتضحيات العظيمة فان شيعته ومحبيه قد واصلوا التحدي منذ الايام الاولى لوقوع هذه الفاجعة والى يومنا هذا باصرارهم على احياء تلك الذكرى المقدسة بابعادها الانسانية والعقائدية والاخلاقية الفاضلة وتذكير الامة بها وبرموزها الشامخة وبجرائم الطغاة والمنحرفين ملبين نداء نصرته واستغاثته التي لا يزال ياخذ بمجامع قلوب المؤمنين لبيك داعي الله ان كان لم يجبك بني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد اجابك قلبي وسمعي وبصري ، وقد تحملوا في سبيل ذلك والى يومنا هذا من التشنيع والمصائب والمآسي والفجائع ونزف الدماء ما لايحيط به ووصف ولا يحصيه بيان وقد عشنا فصلا تاريخيا من فصول تلك المآسي فقد مرت على المؤمنين ظروفا عصيبة بدات منذ الايام الاولى لقيام لنظام البائد ولحين سقوطه ودخول مجموعات من الارهابيين والتكفيريين حيث تميزت تلك الفترات باستهداف الشعائر والتجمعات الحسينية بالقتل والابادة الجماعية ناهيك عن السجون والمعتقلات الرهيبة وقد واجه المؤمنون تلك الفترة العصيبة بصبر وثبات عظيمين ولا يزالون على ذلك ولله الحمد ولقد كان لمواقفهم الايمانيةوالبطولية اعظم الاثر في صد تلك الهجمة الشرسة وابعادها خائبة خاسرة فجزاهم الله خيرا على ما قدموه من تضحيات عظيمة فان ذلك كله بعين الله ورعايته انه ولي المؤمنين . وقد كان للمد الالهي والكرامات المتعاقبة وفي العصور المختلفة التي رآها المؤمنون باعينهم ولمسوها بايديهم وعاشوها في واقعهم اعظم الاثر في شد عزائمهم وشحذ هممهم مما زادهم بصيرة في امرهم وثباتا على عقيدتهم وهكذا صدق الوعد الالهي الذي اشارت اليه ام المصائب زينب الكبرى في حديثها مع الامام زين العابدين في صبيحة يوم الحادي عشر من محرم حيث قالت وبكل ثقة واطمئنان وهي تودع تلك الاجساد المطهرة في صحراء كربلاء " وينصبون لهذا الطف علما بقبر ابيك سيد الشهداء لايدرس اثره ولا يعفو رسمه على مرور الليالي والايام وليجتهدن ائمة الكفر واشياع الضلالة على محوه وتطميسه فلا يزداد اثره الا ظهورا " وننتهز هذه الفرصة الكرية لنؤكد على الاخوة الخطباء والمبلغين ملاحظة الامور التالي ...

الامر الاول /  ان يبحثوا عن واقع تلك النهضة المقدسة وابعادها العقائدية واهدافها السامية ويدرسونها دراسة موضوعية من اجل ان يتعرفوا عليها ويثقفوا عموم المسلمين ويعرفوهم بها ليزدادوا بصيرة بدينهم واعتزازا بواقعهم وثباتا عليه ودفاعا عنه .

الامر الثاني / ان يعرّفوا المؤمنين اهمية احياء هذه الذكرى المقدسة في حفظ الدين الحنيف وتجديد حيويته وقيام كيانه وثباته امام القوى المعادية ولعله اكد الائمة الاطهار على احيائها وحثوا على ذلك بمختلف الاساليب بعظيم اجره باحاديث كثيرة جدا ، ان لكلامهم ومواقفهم العملية موقعها الخاص بنفوس المؤمنين وتاثيرها العظيم عليهم وليعرف المؤمنون ان ما يقومون به من مراسيم تطبيق لما امر الائمة (ع) شيعتهم ، وللتبرك نذكر حديث معاوية بن عمار حيث ذكر انه استاذن عن الامام الصادق ووجده ساجدا يدعو لزوار الامام الحسين (ع) وكان فيما قال (ع) " فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة ابي عبدالله الحسين وارحم تلك الاعين التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا اللهم اني استودعك تلك الابدان وتلك الانفس حتى تردها على الحوض يوم العطش الاكبر" .

الامر الثالث / ان يستفيدوا من هذا الموسم الشريف لبث الثقافة الدينية العامة في العقيدة والسلوك والتعريف برموز الدين وسموهم ورموز الانحراف والطغيان وانحطاطهم وتنبيه المؤمنين على ما يجري عليهم في التعرف على واقع سلوكهم والتفقه فيه والاعتزاز برموزه والعمل بتعاليمه السامية والتنبه من الطغاة والمنحرفين ومباينتهم والبراءة منهم .

الامر الرابع / مراعاة الغرض الاهم من هذه المواسم والذي اكد عليه الائمة في احاديث كثيرة جدا وهو عرض ظلامة سيد الشهداء خاصة وظلامة اهل البيت عامة والتفجع لها واثارة الجوانب العاطفية بالاساليب المختلفة نحو مصائبهم وما نزل بهم ، وفي ذلك اداء لحقهم وتعبيرا عن موالاتهم ولتكون مصائبهم (ع) مدعاة للتاسي شيعتهم بهم وسببا لثباتهم في معاناتهم وصبرهم على ما يمر بهم من مصائب في سبيل قضيتهم واستمرار مسيرتهم .

يتعرض الشيعة اهل البيت الى محنة قاسية تتمثل في حملة ابادة جماعية تقوم بها قوى التكفير المدعومة بالمال والاعلام والنفوذ السياسي التي وصلت في عملياتها الاجرامية حدودا يصعب وصفها والاحاطة بها فعلى كل المتصدين للشان العام مطالبة المؤسسات الدولية الى التعامل مع هذه العمليات الاجرامية على انها جرائم ابادة ضد الانسانية ويجب على المسؤولين كافة ان يبذلوا ما لديهم من طاقات في ردع هؤلاء المجرمين ومنعهم من القيام بهذه العمليات الاجرامية ، وفي جانب آخر من محنة هذه الطائفة اذ تطرح وللاسف الشبهات والافكار المنحرفة باساليببراقة مما يؤدي في بعض الاحيان الى القلق في نفوس بعض المؤمنين ولكننا نلفت انظار اخواننا الكرام الى ان الفتن والمحن لا يخلو منها زمان ان الدنيا دار بلاء وامتحان قال تعالى" الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا " ومع ذلك بقيت مسيرة الايمان والحق على استقامتها وديمومتها تتخطى كل هذه العقبات وما ذلك الا بوجود ثلة من المؤمنين الصامدين على الحق وعلى المبلغين الاهتمام البالغ بالاستقامة والخلاص في القول والعمل والسير بخطى ثابتة بلا تردد او وجل فان ذلك كفيل بتخطي هذه الصعاب على شدتها وقساوتها وعلينا ان لا ننسى ان الله تعالى تكفل باقامة الحجة ونصرة الحق ، قال تعالى " كتب الله لاغلبن أنا ورسلي ان الله قوي عزيز " " قل فلله الحجة البالغة " ، وفي حديث سليمان بن خالد قال " قال ابو عبدالله (ع) اذا اراد الله بعبد خيرا نكث في قلبه نكتة بيضاء فجاء يطلب الحق ثم هو الى امركم اسرع من الطير الى وكره " وفي حديث المفضل بن عمر عن الامام الصادق (ع) " اما والله ليغيبن امامكم سنين من دهركم ولتمحصن حتى يقال مات او هلك باي واد سلك ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ولتدفعن كما تدفع السفن في امواج البحر ولا ينجو الا من اخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الايمان وايده بروح منه " وهنا يفتي الراوي خوفا من الضلال والهلاك ويقول فكيف نصنع ، فنظر (ع) الى الشمس داخلة في الصفرة فقال يا اباعبدالله ترى هذه الشمس قلت نعم قال (ع) والله لامرنا لابين من هذه الشمس ، والحمد لله الذي هدانا ولهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدلنا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ، ندعو الله تعالى فنقول اللهم اجعل مع محمد وآل محد في كل عافية وبلاء واجعلنا مع محمد وآل محمد في كل مثوى ومنقلب ، اللهم اجعل محيانا محياهم ومماتنا مماتهم واجعلنا معهم في المواطن كلها ولا تفرق بيننا وبينهم انك على كل شيء قدير ، والسلام علكم ورحمة الله وبركاته .