بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين واصحابه المنتجبين الميامين .

نرحب بكم اشد ترحيب ونحن سعداء بتكرر اللقاء بكم مرة اخرى في مؤتمركم الثاني ، ودائما كان لقاء قيادات وملاكات منظمات المجتمع المدني لقاء مع القوة المجتمعية الصاعدة والتي تساهم بفاعلية في ترسيخ مبدأ عصرنة الدولة ....

ولهذا فاننا من اشد الداعمين  والداعين الى منح ادوار اكبر  مجتمعيا لهذه المنظمات .... ان مفهوم الدولة قد تطور كثيرا ، وعلينا ان نبدأ من حيث انتهى الاخرون ، واليوم نحن نرى ان دول العالم الناجحة هي دول اساسها منظمات المجتمع المدني ، لان اي دولة لا يمكن لها ان تنجح من دون مجتمع ناجح .... والمجتمع الناجح يحتاج الى مؤسسات مجتمعية ناجحة تتفاعل معه .

نحن في العراق كانت بداياتنا لمنظمات المجتمع المدني بدايات مزدحمة بل ومتزاحمة احياناً وشهدنا ولادة الاف من هذه المنظمات في فترة قياسية ، وهو نتيجة الظروف غير الطبيعية التي مر بها الوطن .... ولكننا اليوم نشهد انحسار ظاهرة المنظمات الشكلية بعد ان خلت الساحة المجتمعية للمنظمات الرصينة والتي تعمل على برامج مجتمعية مستدامة وبخطط استراتيجية بعيدة المدى .

وعلى هذه المنظمات ان تاخذ دورها بشكل اكبر وان تكون هناك برامج ممولة من الدولة تقوم بها هذه المنظمات وفق ما اقرّه الدستور وينظمه القانون .... وليس صحيحا ان تتحمل الحكومة اعباء تنفيذ كافة المشاريع ، لان هذا التضخم الحكومي لا يمكن ان ينتج لنا دولة عصرية مدنية مجتمعية ديمقراطية عادلة ...... ولا يوجد في التجارب الانسانية ان الحكومات المتضخمة والشديدة المركزية امكنها ان تنتج دولاً ناجحة .... وحتى لو حصل نجاح فانه سيكون وقتي وغير حقيقي وسرعان ما ينهار .......كما ان الدور الحكومي المتضخم له تأثير عكسي على الديمقراطية ، فكلما تركزت السلطة عند طرف تم تهميش الاطراف الاخرى ، وهذا ما يحدث حينما يتضخم عمل المؤسسات الحكومية على حساب عمل المؤسسات المجتمعية ، فيغرق كل شيئ فالروتين والبيروقراطية والمحسوبية ، وتخضع الامور الى التنافس السياسي والصراع حول السلطة ...

وخلاصة القول ان منظمات المجتمع المدني تمثل احدى اساسات انتاج الدولة العصرية المجتمعية العادلة .... ومن هنا ينبع ايماننا العميق بمنح دور اكبر لهذه المنظمات والحفاظ على استقلاليتها ومهنيتها ومن هنا ندعو الى تنظيم عمل هذه المؤسسات عبر القانون الذي يتيح لها الاستمرار في عملها ، ويضمن لها استقلاليتها من التدخل المباشر من قبل مؤسسات الدولة ..

 ان مهام منظمات المجتمع المدني  ذات بعد اجتماعي اوسع من الشأن السياسي بكل تأكيد  قد لا تصله يد الدولة في احيان كثيرة ... ودورها سد الفراغات ... ونشاطاتها غير محدودة تتسع لحماية البيئة والطبيعة الى المظاهر الاجتماعية ، الى حقوق الجماعات والافراد الى قضايا الطفل  والاسرة والاشخاص ذوي الاعاقة ، والاقتصاد والتدريب والانتخابات والتراث ، فكل منظمة مجتمع مدني هي حكومة في حقلها ، لذلك سميت المنظمات غير الحكومية ، لكنها حكومات بسلطات معنوية وخدمية تكسب شرعيتها من عدالة الهدف وحماس اعضائها واحترام حدودها واختصاصها وبمقدار انسجامها مع القانون وارتباطها بهموم المجتمع واتساقها مع تطلعاته الحاضرة والمستقبلية البعيدة المدى.

وفي محور آخر فان السياسة لا تنتج من الفراغ وانما تنتج من المجتمع ، اي ان السياسي اولا هو منتج مجتمعي ، ومن ثم سياساته ايضاً هي منتج مجتمعي ... ولكي نوضح الصورة نقول ، لا يمكن لمجتمع عليل ان ينتج سياسياً صحياً ، وبالتاكيد السياسي العليل ينتج سياسات عليلة ...... اذا علينا ان ندرك ان من ضروريات العمل السياسي , تعميق الوعي السياسي في المجتمع ، كي يكون قادراً على التمييز بين السياسيين وسياساتهم المختلفة ، ويستطيع ان يؤشر  على مكامن الخطأ ويتصدى لها ، وبالتالي يمنع السياسي المتعثر او المنحرف من التمادى بسياساته الخاطئة ..... ومهمة نشر الوعي هي من اخطر المهام التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني ، حتى انها تتفوق في هذا الجانب على المؤسسات التعليمية التي تحدد دورها في منح التعليم الجامد , وليس منح الثقافة التعليمية ..... والمجتمعات الناجحة تستند في نجاحها الى انتشار  الثقافة التعليمية ..... اي ان تكون في مجتمعنا ثقافة التعلم لا ثقافة الشهادة كما يحدث الان ..... حيث ثقافة الشهادة لا تعني ان صاحب تلك الشهادة متعلماً، والسعي للشهادة من اجل الحصول على وظيفة حكومية واضافة رقم جديد الى جيش العاطلين عن العمل بعنوان موظفين حكوميين ..... فاذا كان جيش الموظفين , عاطلين عن العمل !!! فمن الطبيعي ان تكون الحكومة نفسها متلكأة في العمل !.... وهذا ما نعاني منه الان!!؟.

انها مسؤوليتكم في الاصلاح وليس فقط في الانتقاد ... لان الانتقاد السلبي هو عارض مجتمعي آخر ... وعلينا جميعا ان نعرف التزاماتنا ونعمل عليها بقوة دون يأس او احباط ..... فالثوار والمصلحون لا يحبطون ، ونحن نرى ان قادة منظمات المجتمع المدني هم الثوار والمصلحون الانسانيون لاي مجتمع ، لانهم يتحركون مع المجتمع وفي خدمته لا مع السلطة وفي خدمتها ..... ونحن ننظر إليكم على أنكم قادرون من خلال الاخلاص والوضوح في الرؤية والحماس لمباديء العمل الوطني على إنجاز الكثير من عمليات الاصلاح في واقعنا المجتمعي.

ايها الاخوة والاخوات الاعزاء : ان الوعي يبدأ من الانسان نفسه ومن ثم ينقله الى الاخرين .... وعلينا ان نراهن على نشر الوعي في مجتمعنا ..... فشعبنا متحفز وذكي وقد ضحى كثيراً وما زال يقدم التضحيات ويحتاج الى مجرد شرارة كي تضيئ شمعة الوعي في وجدانه ....

علينا ان نربط الامور ببعضها ، وعلى الشعب ان يدرك ان جزء مهماً من معاناته هي نتيجة خياراته واهمية تمسكه بحقوقه وعدم المساومة او التنازل عنها فهو اليوم صاحب السيادة والسلطة العليا في البلاد , وهو من يمنح الثقة والشرعية ... وعليه ان يحسن ممارسة ذلك وبخلافه سيدفع هو الثمن .

فاذا راينا طفلاً من اطفال الشوارع يتسول في احد التقاطعات .. علينا ان ندرك ان هذا الطفل ضحية احدى السياسات الخاطئة !.... واذا ما رأينا فتاة تتعرض للعنف والاضطهاد فعلينا ان ندرك انها ضحية اخرى لسياسة خاطئة ، واذا ما صادفنا موظفاً حكومياً فاسداً ومرتشياً يتلاعب باموال الشعب من دون مخافة الله او القلق من المحاسبة والعقوبة ومن دون خشية من ضمير يؤنبه , فعلينا ان ندرك انه نتاج سياسة خاطئة وظالمة في نفس الوقت !!!......

وهنا ايها الاحبة علينا ان نميز بين السياسة الخاطئة , وبين السياسة الخاطئة والظالمة معا ؟...واظنكم تعرفون الفرق جيدا.

فقد تكون السياسة خاطئة ولكنها غير مقصودة ومتى ما تم كشف خطئها يتم التراجع , عنها وحتى الاعتذار عنها .... ولكن السياسة الخاطئة الظالمة هي سياسة مقصودة والقائمين عليها يدركون جيدا انها خاطئة ولكنها تخدم مصالحهم الانية وتشبع نهمهم السلطوي وترضي انتهازيتهم.....

نسمع من بعض المحبين قولهم انكم في تيار شهيد المحراب لديكم منطق !... ولكني اقول لهؤلاء المحبين لايكفي ان يكون لدينا منطق وانما نسعى لتكون لدينا سياسات منطقية صائبة , وتكون لدينا استراتيجية عمل ومشروع ، فبدل ان تبقى العلاقة فيما بيننا في حدود الاعجاب المتبادل ، لماذا لا نعمل سوية مادام هدفنا واضح وواحد ... نحن تيار نؤمن بآليات المجتمع المدني وانتم قادة منظمات المجتمع المدني فلماذا لا نعمل معا ؟!.... ليس من اجلنا او من اجلكم فحسب بل من اجل هذا الشعب الكريم وانا واثق من اننا نستطيع ان نعمل الكثير ... اننا ندرك ان طريقنا طويل ... لان المنطق وبناء السياسة الصائبة في زمن الفوضى امر عسير ، ولكننا لن نتخلى عن منطقنا ومسؤلياتنا ولن نصبح في يومٍ من الايام من تجار الفوضى ومروجيها!!.....

اخواتي اخوتي ، السادة الحضور ....

 ان جمعكم الكريم هذا يشجعني لأكون صريحا معكم وان اتكلم بمواضيع  حساسة يمثل الحديث عنها جزءً اساسياً من مسؤوليتنا الاجتماعية والوطنية اضافة الى مسؤوليتنا الاكبر  وهي مسؤوليتنا الشرعية

 ان العملية السياسة في العراق واجهتها الكثير من الصعوبات والتحدّيات وما زالت تواجهها ، ودخلت في منعطفات عشوائية  خطرة واذا لم نتدارك اصلاح الامور فان النتائج سوف لا تكون لصالح اي طرف ، فمتى ما تمزق رداء الوطن ، فان الجميع لن يكون بمنأى عن محاسبة التاريخ والشعب.

عندما نقول عملية سياسية فإننا نعني بذلك  الثوابت العامة والسياسات المتنوعة !!... فالثوابت العامة هي وحدة الوطن والسيادة والدستور  ووحدة الشعب والمصير ، والديمقراطية والحريات والعدالة والامن والاستقرار والتنمية والرفاه ..... هذه هي الثوابت ... والسياسات المختلفة هي التي تنتج من مختلف الاطراف والتي تتفاعل مع هذه الثوابت .... وهنا السؤال  الاهم ....هل ان السياسات المعمول بها تخدم وتدعم هذه الثوابت ام تضعفها وتهزها وتأكل منها ؟؟..... والجواب لا يحتاج الى عقلية عبقرية حيث الاحباط المجتمعي الواسع من السياسيين وسياساتهم يمثل افضل واصدق اجابة.

نحن لا نريد ان نحمّل طرفاً واحداً المسؤولية الكاملة عما نشهده من تصدّعات في هذه الثوابت ، فالكل يشتركون في ذلك ولو بدرجات متفاوتة ، لكننا يجب ان لا ننسى ونحن الان نعيش بعد عقد من التغيير ، أن التحديات التي واجهت العملية السياسية منذ 2003 لا زالت موجودة الى اليوم ، فالارهاب ما زال يمثل بكل تداعياته الخطر الاكبر على وحدة العراق والعراقيين ، وعلينا أن ندرك ان هذا الارهاب ليس مجرد عمل فردي لاشخاص يرفضون التغيير الذي حصل ، بل هو مشروع ممول ومدعوم من مؤسسات ودول لا ترغب للعراق ان يتعافى وأن ينهض ، ومن هذا المنطلق فإن مواجهة الارهاب ليس عملا حكوميا بحتاً ، بل هو جهد مجتمعي كبير يجب ان تشترك فيه كل القوى المجتمعية ومنها مؤسسات المجتمع المدني ، عبر إدانته ونشر ثقافة التسامح ، وثقافة الوحدة الوطنية ، وثقافة البناء والتنمية .

إن الاختلاف في وجهات النظر ظاهرة انسانية إيجابية ، وفكرة الانتخاب تنبع من حقيقة التعدد في الرأي والاختلاف في الرؤى ، ولذلك علينا ان لا ننظر بحساسية الى الاختلاف في وجهات النظر ، لكننا نؤكد على أن هذا الاختلاف يجب ان يكون في أطار القانون ، وفي إطار احترام الدستور . 

والعمل السياسي هو من اكثر الانشطة الانسانية التي تبرز هذا الاختلاف ، لأنه يرتبط بمصالح المجموع ومصالح الامة ، وهو ليس مجرد اختلاف بين شخصين ، ولذلك علينا أن نكون على مستوى عال من المسؤولية تجاه هذا الاختلاف ، وعلى الجميع تقع مسؤولية توجيه هذا الاختلاف نحو بناء ثقافة مجتمعية سليمة ، وأن لا يؤدي الى الانقسام والتناحر.

وهنا يبدأ الدور الحقيقي لمنظمات المجتمع المدني في ان تاخذ المبادرة وتتقدم للامام .... عبر نشر الثقافة  الصحيحة للاختلاف وابتكار المبادرات التي تقدم الخدمة للمجتمع ، وعلى منظمات المجتمع المدني أن تدرك أنها ليست احزابا سياسية بل هي منظمات تعمل في مختلف المجالات ومنها المجال السياسي ، وهي تقوم بدور المراقبة والرصد وتقديم الدراسات والنصح والمشورة ، وهي عندما تلتزم بدورها وتقوم بمبادراتها فأنها سوف تخلق تيارات مجتمعية  قادرة على المساهمة في الاصلاح المجتمعي المطلوب .

إننا اليوم نعيش في أجواء الاستعداد للانتخابات النيابية الوطنية للمرحلة القادمة  ولن نقول ونعيد من ان الانتخابات خط احمر ..... بل من دون انتخابات ستكون كل الاحتمالات مطروحة، وفي الغالب ستكون الاحتمالات السيئة هي الاكثر ترجيحا.

اخوتي اخواتي السادة الحضور .....                                

في المنظور الاقليمي فاننا نقف اليوم وسط اضطراب او تحول اقليمي كبير سوف يؤدي الى اعادة تشكيل المنطقة ، ومحاولات الارهاب عبر الاجرام والقتل لتوسيع حدوده الجغرافية مستفيدا من حالة الاضطراب الاقليمي والتناقض بين سياسات دول المنطقة ، ولا يستبعد ان الجهد منصب على انتاج دويلة ارهابية تسيطر على جزء من اراضي العراق الغربية وجزء من الاراضي الشرقية والجنوبية السورية صعودا الى الحدود التركية ..... ومن طبيعة الهجمات الارهابية في مدن جنوب ووسط العراق نرى ان المخطط يهدف الى ايقاع اكبر عدد من الضحايا كي يثير حالة من الانتقام الشعبي ... اما الاعتدائات الارهابية في محافظتي نينوى والأنبار فانها تستهدف مرتكزات الدولة لان الهدف منها هو افراغ هذه المناطق من شرعية الدولة كي تدخل ضمن سيطرة وحدود الدولة الارهابية المزعومة ..... وهذا المخطط ومع الاسف الشديد لا يتم التعامل معه بجدية كبيرة سواء من الحكومة او من القوى السياسية والعشائرية في محافظتي نينوى والأنبار .... وكلما استمر هذا الاسترخاء الامني والسياسي والجماهيري والعشائري في هذه المناطق كلما اشتد تمدد العمليات الارهابية .....

ان الوضع الاقليمي المتشكل الجديد مازال في مراحله غير المكتملة ولم يصل الى نهاياته ، وعليه فان المحور الارهابي والعنف الذي يضرب العراق الان هو نتيجة هذه التحولات .... لقد غير الارهاب من خططه واستراتيجياته .... فقبل سنين كان يراهن على الحرب الاهلية ..... اما الان فهو يراهن على التقسيم ، لان التقسيم سيسمح للارهاب في ان يشكل قواعده ومرتكزاته ودولته على الارض ، وسيكون الضحية الكبرى لهذا السيناريو هم اخوتنا واهلنا في نينوى والأنبار .... ومن هنا نتمنى من القوى السياسية التي تمثل هذه المناطق ان تبدأ بالتعامل مع هذا الملف بجدية لان الامور وصلت الى مستويات خطيرة ، وسيكونوا هم اول الضحايا..  

اخوتي اخواتي .... اتمنى لمؤتمركم هذا مزيدا من النمو والتطور .. واتمنى عليكم ان تأخذوا زمام المبادرة وان تكونوا بحجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقكم .... انها لحظة الحقيقة عندما يقف كل منا امام مسؤولياته وسيكون الشعب والوطن والتاريخ شاهد على ما نقول ونفعل في هذه اللحظات الحاسمة .....

سلام على شهداء العراق  وسلام على المضحين من اجل الوطن وتحية اجلال واكبار للمرجعية الدينية ولكل الناشطين في منظمات المجتمع المدني ولكل جهد يبذل من اجل خدمة الوطن والمواطن

                               ..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته