نستذكر الذكرى الخامسة والعشرين لوفاة ورحيل الإمام الخميني (قده) هذه الشخصية المميزة، الإمام الخميني ليس معصوما وانما إنسان لكن وصل الى هذه المرحلة ليكون شخصية مؤثرة، المرجع الفقيه الذي انطلق من متبنياته الشرعية والفقهية ومن رؤيته الإسلامية الأصيلة واوجد هذا التحول الكبير والتغيير المهم ليعبر بصدق عن دور الدين في الحياة والمجتمع ، وفي الامة ، وقاد الإمام الخميني منهج التغيير نحو الأفضل وهذه سمة من سمات شخصيته في تاريخه الطويل منذ انطلاقته والى حين وفاته (رحمه الله) منذ ان تبلورت شخصيته الدينية وشخصيته القيادية كان جانحا الى التغيير وجانحا نحو الإصلاح ،فالتغيير والإصلاح لم يكن هدفا جانبيا للامام الخميني وانما جزءا من شخصيته، ويمثل جانبا لفهمه لدينه والواقع الذي يعيشه لذلك بدا التغيير في وقت مبكر وفي مواجهته مع الشاه وكان يعي جيدا ويدرك ان هذه المعركة ليست معركة سهلة لان الحالة الشاهنشاهية كانت اكبر من مجرد ملك يحكم دولة ، شاه ايران لم يكن حاكم لإيران فقط وانما كان يمثل رمزا لمنظومة كبيرة ومعقدة من المصالح الإقليمية والدولية تشابكت وكان محورها وأساسها، على الصعيد السياسي والاجتماعي والصعيد الاقتصادي والأمني كان الشاه يمثل محور وشرطي المنطقة كما كانوا يعبرون عنه ، فماذا كان يملك الإمام الخميني من أدوات قبال هذه المنظومة العملاقة المدعومة إقليميا ودوليا ، لم يكن يمتلك الا الإيمان بالله سبحانه وتعالى ووضوح السنن الالهية لديه في التغيير الحتمي الذي يجب ان يتحقق ويحصل ، كان يعي الإمام الخميني ان التغيير والإصلاح تمثل جوهر الدين وعملية التصحيح المستمر والوقوف بوجه الانحراف يمثل الضمانة الوحيدة للحفاظ على الدين ولتفاعل الامة مع الدين .

الامام الخميني يعي ان الهدف الأساسي والرئيسي يتمثل باستمرار الزخم في مواجهة الظلم والطغيان
كان الإمام الخميني يدرك تماما ان التغيير يحتاج الى مرتكز والى محرك يحركه ، واستعد ان يكون هو المحرك وان يكون المرتكز الذي يرتكز عليه المشروع وبدا بمسيرة الصراع الكبيرة وبدأت تتفاعل هذه المسيرة وأخذت وقتها 15 سنة من الغربة والهجرة والكفاح والعمل الكبير في تعبئة الأمة وتثقيفها على واجباتها ومهامها حتى استطاع ان يحقق الهدف المرحلي في إزاحة هذا الحاكم وتغيير المنظومة ، وكان شجاعا وقويا دخل الى طهران والحاكم بيده الحكم وكل شيء ، وذهب ليلتقي ملايين من الناس وعلى مرأى ومسمع من الحاكم وجيوشه قال" انا سأصفع الشاه على فمه وانا ساعين حكومة "هكذا كان يتعامل الإمام ولكنه كان يعي ان الهدف الأساسي والرئيسي يتمثل باستمرار الزخم في مواجهة الظلم والطغيان والوقوف بوجه محاولات الهيمنة الاستكبارية للشعوب المستضعفة هذا هو الهدف الكبير والأساسي والذي لا يتحقق بسقوط الحاكم الظالم فقط والشاهنشاه انذاك ، منذ بدايات الثورة وفي لحظات الولادة الصعبة التي كانت تنبثق منها الثورة الإسلامية كان الإمام الخميني يتميز بأسلوب فريد في أداءه القيادي وفي شخصيته القيادية ، فتمثلت فيه شخصية القائد المتواضع وشخصية القائد الحاسم ، والتواضع والحسم حينما يجتمعان مع بعضها يمثلان دافعا كبيرا للحركة وكان هذا المزيج يمثل الميزة القيادية للإمام الخميني فلا يمكننا ان نقف عند تواضعه دون ان سنتحضر حسمه في القرارات الخطيرة التي كان يتخذها ولا يمكننا ان نتمثل حسمه دون ان نستذكر تواضعه وخفض الجناح الذي كان يمارسه تجاه الآخرين، هذا التمازج بين المرونة والحسم، لم يكن بالإمكان ان  يتوفر لولا ان تتوفر للإمام الخميني رؤية واضحة في التعاطي مع الأمور ، الرؤية الواضحة هي التي تجعل الإنسان مسيطرا على أعصابه ومرنا في الوقت نفسه، والحسم يقابله التردد ، والقادة يترددون حينما تكون الصورة غامضة ومشوشة لديهم فالإمام الخميني حينما كان يتسم بالرؤية الواضحة كان قادر على ان يحقق الحسم والتواضع في ان واحد ،واتخذ قرارات جريئة في لحظات حاسمة كان العالم كله يحبس أنفاسه لينظر كيف سيتعاطى الإمام مع هذه القضية أو تلك ولكنه كان يتخذ القرارات وكانها قضية روتينية ويمر عليها ويحقق الانجاز الكبير للثورة فكان يتحمل قيادة الامة في مشروعها الكبير وكان تواضعه في ملبسه ومسكنه ومشربه وتعاطيه في حياته اليومية وفي تعامله مع الآخرين ولم يتغير هذا السلوك قبل ان يكون حاكما وبعد ان اصبح حاكما ، لامة بتاريخ وحضارة الامة الفارسية التي تمتد الى الاف السنين ، ودولة هي من اكبر واهم دول الشرق واصبح حاكما على انقاض حكم شاهنشاهي كان تضرب به الامثال وكل هذه المواقع لم تكن تؤثر فيه قيد انملة او تغير من سلوكه وتواضعه ، في اداءه اليومي وفي تعاطيه مع الآخرين ولكن قراراته كانت بعظمة الامة التي يقودها وباهمية الدولة التي يحكمها ، وكان يتدخل احيانا في بعض التفاصيل حينما يجد ان هذه التفاصيل تمس هوية الامة وتمس اركان الامة وتمس حياة الامة وامنها كان يتدخل حتى في التفاصيل وهذه ايضا من سماته ،ما اكثر الشخصيات الحاسمة التي يمكن ان نستعرضها في التاريخ وما اكثر القيادات المتواضعة التي يمكن ان نضع اليد عليها، ولكن ان تكون شخصية قيادية تجمع بين الحسم والتواضع فهذا ماتميز به الإمام الخميني (قده) .
 

الامام الخميني كان يتصرف بواقعية الحكماء في الملفات الشائكة التي كانت تقف امامه
ومحطة اخرى من محطاته هي العلاقة التي اوجدها بين الارادة والسياسة ، الارادة تحتاج الى شجاعة ، والسياسة تحتاج الى واقعية ، وتفهم طبيعة الظروف والاستحقاقات ، ومن يجمع بين الشجاعة والواقعية دون تهور او اسفاف او اصرار على مواقف غير منتجة ، فهذه هي قمة الروعة التي يمكن ان نجدها في شخصية الإمام الخميني ، لولا الارادة الفولاذية لما استطاع ان يقود ثورة ويغني دولة ويغير منظومة متكاملة ، ولكنه في نفس الوقت كان يتصرف بواقعية الحكماء في الملفات الشائكة التي كانت تقف امامه ، ولم يزج بالثورة ورجالها الى منعطفات قد تودي وتخاطر بوجود الثورة نفسها ، كان يتصرف تصرفا مسؤولا انطلاقا من موقعه كقائد في تلك الامة والمحرك الاول للتغيير ولاستمرار عملية التصحيح والاصلاح ، في ذلك الشعب ولعل من اوضح الامثلة في عملية المزاوجة بين الارادة والسياسة هي تعامل الإمام الخميني مع الحرب العدوانية التي شنها الطاغية الظالم بحق الجمهورية الإسلامية في ظروف سابقة والتي ازهقت ارواح مئات الالاف من الابرياء من الشعبين المسلمين الجارين العراق وايران، كان الإمام يمتلك رؤية واضحة ويعرف مايجب فعله مع دكتاتور اساء لشعبه قبل ان يسيء الى الشعوب الاخرى ، وكان قد اتخذ قرارا بان يرد هذا الاعتداء ولايكتفي بالدفاع عن الشعب الايراني وانما يدافع عن الشعب العراقي ويخلصه من هذا الظالم الطاغية ، واتخذ قراره بمواصلة الحرب حتى اسقاط الدكتاتور وحتى لايعبث بامن العراق وامن المنطقة ولم يكن هذا القرار قرارا انفعاليا ، قرارا لحظيا ، قرارا مصلحيا ، كان قرارا واعيا ليخلص المنطقة من دكتاتور اساء لشعبه واساء لشعوب المنطقة كلها ، واثبتت الايام لمخالفيه في المنطقة انه كان صادقا وكان صائبا في رؤيته لهذا الطاغية ، ولكنه في الوقت نفسه كان يمتلك الشجاعة الكافية ان يامر بايقاف القتال على خلاف رأيه ويعبر عن ذلك " بتجرع السم "في اشارة الا انه لم يكن يرتضي هذا الموقف ولكن الواقعية السياسية والظروف التي مرت في الحرب دفعته ليتخذ مثل هذا الموقف ، وهذا التعبير هو اشارة اخرى تبرز عظمة هذا القائد والذي سوف لن ينساه التاريخ الإنساني والإسلامي ، سر تميز الإمام الخميني انه كان متواضعا وصريحا جدا وحينما وقف ليعلن بانه "يتجرع السم " بإيقاف تلك الحرب وقالها امام الملا بانه اتخذ موقف على خلاف ماكان يريده ويتمناه ، هذه قمة الثقة بالنفس وقمة التواضع القيادي حينما يقف الشخص القائد ولايبرر لشعبه ، ويتحمل المسؤولية ويشير الا ان هذا الخيار ليس المحبب ولكن المصلحة تقتضيه فيمضي فيه على خلاف رغبته ويصارحهم بذلك ويعبر عن هذا بتجرع السم ، هذا منهج قيادي ، لانجده في الحالة السائدة بين القادة في العالم ، انه قمة الشجاعة ان يسر الإنسان في طريق لايراه يتوافق مع ارادته ولكنه يتوافق مع السياسة والمصلحة التي تقتضي ان يسير في اتجاه اخر ، وفي الوقت الذي قبل فيه الإمام الخميني ايقاف الحرب على مضض لكن الطاغية كان يعتبر ذلك إعلانا للهزيمة وانتصارا له ودقت طبول الانتصار ، ذلك الانتصار الزائف الذي اتضح بعد حين للعالم اجمع من الذي كان منتصرا ومن الذي هزم بتلك الخطوة مهما قال الآخرون في وصفها في اللحظة ولكن الايام بينت من الذي انتصر واليوم ايران أصبحت دولة نووية تمتلك الطاقة النووية السلمية وفي العلوم والتكنولوجيا احد البلدان العشر في العالم ، والعراق لازال يعاني من الجراح والالام والمحن، من الذي انتصر ، بايقاف هذه الحرب واتخاذ الموقف الشجاع في اللحظة التاريخية ، وحتى من أساء للامام الخميني حينما عبر بتجرع السم ولكنه بعد ذلك تجرعوا المرارة تجاه سياسات العدوانية لهذا النظام وكلهم استشعروا دقة الوصف الذي استخدمه الخميني في ذلك الوقت ، هذه الرؤية الواضحة وهذا القرار الحاسم والوصف الدقيق ، وهذه الشخصية المتواضعة مع الارادة الفولاذية هذه هي السمات التي تميز بها الإمام الخميني (قده ) .

الامام الخميني كان يبدي احتراما كبيرا للامام السيد محسن الحكيم
وكان الإمام الخميني قد عاش اكثر من خمسة عشر عاما في العراق مجاورا لامير المؤمنين وللحوزة العلمية ومعايشا للشعب العراقي فكان يحب هذا الشعب وكان يذكر من سماته الكثير وتاثره بالشخصية العراقية نتيجة هذه السنين الطويلة التي عاشها في العراق ،وكان يبدي احتراما كبيرا للامام السيد محسن الحكيم لانه عاش فترة مرجعية الإمام الحكيم وهو كان في النجف يراقب ويتابع هذه المرجعية ومواقفها ، وثم كان يكن الاحترام الكبير للنجل الاكبر للامام الحكيم اية الله المقدس السيد يوسف الحكيم وكان يقولها دائما "النظر اليه يذكر بالاخرة " وحينا يسال لماذا سيدنا هذا الاعجاب بشخصية السيد يوسف الحكيم ؟ يقول " لاني كنت حين رحيل الإمام الحكيم احضر في جامع الهندي وياتي الالاف من العراقيين ليشاركوا في مجلس الإمام الحكيم والالاف من كل العراق تهتف سيد يوسف بايعناك ،وكان عالما فقيها ورعا ( السيد يوسف) كان بامكانه ان يتجاوب مع هذا النداء والطلب العام الجماهيري وان يتصدى للمرجعية ولكنه لشدة ورعه وتقواه لم يرد ان يدخل هذا المدخل وان يلج هذه المهمة وهذه المسؤولية فحول الناس الى الإمام الخوئي (قده) والامام الخميني كان يرى ويراقب هذه التفاصيل ويراها وليس يسمعها لذلك كان يجل اية الله السيد يوسف الحكيم اجلالا كبيرا فهنيئا لنا بمثل هذا القائد التاريخي بهذا المستوى الرفيع من الرؤية والعمق المسلمون يفخرون به والانسانية تفخر بمثل هؤلاء القادة الذين يتركوا بصماتهم في ذاكرة التاريخ ولتكن شخصية الإمام الخميني قدوتنا في حياتنا العملية ، ولنتاسى بصفاته ونسعى للوصول اليها وتحقيقها في ادائنا وفي تصدياتنا ولتكن الارادة الفولاذية التي تمتع بها وتحلى بها والواقعية السياسية التي انطلق منها لتكن منهاجا لكل المخلصين الذين يتحركون ويخدمون شعوبهم وقد واصل المسيرة في قيادة مشروع التغيير في إيران الإسلام سماحة الإمام الخامنئي ( دام ظله الوارف ) فكان خير خلف لخير سلف حمل الراية وصان الأمانة واخذ بالجمهورية الإسلامية الى حيث التطور والاعمار والازدهار ، وبسط جناحيه لرعاية المستضعفين والانتصار لفلسطين والقضية الفلسطينية كما كان على عهد الإمام الخميني (قده) وورث من الإمام الخميني حبه للعراقيين وعمقه ورؤيته وفهمه الدقيق لطبيعة الواقع المركب والشائك الذي يعيشه العراق في تركيبته الداخلية وشخصيا من القلائل الذي رايتهم من غير العراقيين ملم بهذه التعقيدات وهذه الواقعيات كان سماحته فنسال الله ان يحفظ مراجعنا وعلمائنا وان يوفقنا لان نسير على نهجهم ومنوالهم .
 

لاخيار لنا الا ان نذهب الى تشكيل الفريق القوي المنسجم ، والى وضع البرنامج والرؤية الواضحة التي نجتمع عليها ونمضي الى الإمام
كلمة اخيرة في واقعنا السياسي ، منذ اليوم الاول قلنا ان الاغلبية السياسية البسيطة لاتستطيع ان تنتج حكومة قوية ، من الصعب جدا ان تحقق هذه الغالبية ، ومن الاصعب اكثر لو تمت هذه الغالبية ان تنجح وتتحرك على الارض وتحقق الرفاه والخدمة للعراقيين ، في واقعنا المركب وفي تعقيداتنا الملحوظة لاخيار لنا الا ان نذهب الى تشكيل الفريق القوي المنسجم ، والى وضع البرنامج والرؤية الواضحة التي نجتمع عليها ونمضي الى الإمام وكل خطوة تتجاوز هذا الواقع سيشعر من يتبناها انه اخطأ الطريق بعد ان اطال الوقت وضيع الوقت على نفسه وعلى شعبه الا امد غير معلوم ، الحوار الصادق بين القوى القوية في كافة المكونات ، في اطار سياسة شراكة الاقوياء الحوار الصادق البناء الصريح الشجاع برؤية واضحة هو الذي يمكن ان يخرجنا من عنق الزجاجة ويحقق لنا حكومة تطمئن العراقيين جميعا ، تنقية الأجواء وإشاعة المحبة والمودة بين العراقيين ، أساس  لابد منه ، ولاخيار لنا الا ان نسير بقدمين ، ( قدم لتشكيل التحالف الوطني وبناءه وماسسته  وتقويته وجعله الخيمة التي يصنع القرار وتراقب الاداء وتشرف على عمل السادة المسؤولين الذين يرشحهم هذا التحالف والقوى المنضوية تحته ، وقدم اخر العلاقة مع القوى الوطنية الكريمة والتواصل معهم وتطمينهم وزرع الثقة فيما بيننا ، ادراك هواجسهم وادخالها ضمن برنامج يتفق عليه من جميع هذه الاطراف يمثل خارطة الطريق لبناء العراق ولمستقبل هذا الوطن) بدون هذه الملامح وبدون هذا الاطار وبعيدا عن هذه الثوابت لاتتشكل حكومة وسيطول الامر على العراقيين وستصعب المهمة على ابناء شعبنا ، وسيزيد الشرخ بين القوى السياسية المتصدية ، نتمنى من الجميع ان يشيعوا المحبة وان يجلسوا على طاولة الحوار وان يتوصلوا الى النتيجة المرضية المطمئنة لجميع العراقيين لنقدم نموذجا يفخر به شعبنا والعالم كله ينظر اليه ويفخر به كما ان الانتخابات كانت محطة مهمة ، مابعد الانتخابات وتشكيل الحكومة ايضا يجب ان تتسم بهذه الميزة والخصوصية وهذا ماندعو اليه جميع القوى والفعاليات السياسية داخل التحالف الوطني وفي الساحة الوطنية ونسال الله التوفيق للجميع واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .