بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه العزيز " بسم الله الرحمن الرحيم شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " بداية ارحب بكم جميعا وابارك لكم هذا الشهر الفضيل حلول شهر رمضان شهر الطاعة والمغفرة والرضوان شهر دعينا فيه الى ضيافة الله وجعلنا فيه من اهل كرامة الله ربيع القرآن ، شهر فيه ليلة القدر وهي خير من الف شهر شهر ضيافة الله وهنيئا لنا جميعا ونحن في ضيافة الله تعالى ، هذه الليلة الشريفة ليلة الاول من شهر رمضان نستعد فيها للوفادة على الله تعالى نتهيا فيها لنعيش اجواء الضيافة الالهية ، اناقة الروح الاستعداد الروحي الاستعداد المعنوي والقلبي الانصياع لارادة الله ونحن في ضيافته هذا الاستعداد والتهيؤ مسالة في غاية الاهمية نسال الله تعالى ان يجعلنا جميعا ممن يحسن آداب هذه الضيافة وممن يستثمر فيوضات وبركات هذه الضيافة الالهية .

كان حديثنا في السنوات السابقة في رسالة الحقوق لزين العابدين وسيد الساجدين امامنا علي بن الحسين (ع) وذكرنا ان من اهم عناصر القوة في اي مجتمع هو تماسك هذا المجتمع وتلاحم هذا المجتمع وترابطه والسؤال الكبير كيف نحصل على هذا الترابط وكيف نحقق هذا اللحمة وهذا التماسك بين ابناء المجتمع الواحد ، المجتمع فيه طوائف وتعدديات وفيه قبائل وعشائر ومناطق كيف نوحده وكيف نربطه وكيف يتماسك ، قلنا ان التماسك الحقيقي انما يحصل من خلال الحفاظ على حقوق ابناءه ، ابناء المجتمع حينما يحصلون على حقوقهم ينشدون بعضهم الى بعض ، مفتاح الترابط الاجتماعي مفتاح الوحدة الوطنية انما هو الحقوق الواضحة والمتبادلة لابناء هذا المجتمع والحق لكل فرد او جماعة او طائفة او قومية او حزب او قبيلة يعني التزام على الآخرين تجاه هذه الجماعة ، فالحق في جانب يعني الالتزام على الجانب الآخر وحينما نتحدث عن نظام الحقوق في الرؤية الاسلامية يقابله نظام الواجبات والالتزامات المتبادلة بين ابناء هذا المجتمع ، فالحق هو مجموعة من القواعد والاصول من السياقات التي تنظم العلاقة بين ابناء المجتمع الواحد بين ابناء المجتمعات بعضها مع بعض هذه القواعد نسميها حقوق ، كيف تنظم الحقوق طبيعة التزامك تجاهي والتزامي تجاهك والتزام الجميع تجاه بعضهم البعض  وهذه الالتزامات نسميها حقوق ...
 

نظام الحقوق في الرؤية الاسلامية ينظم العلاقة بين ابناء المجتمع على اسس اربعة ..
 

اولا / الكرامة الانسانية ، نظام الحقوق لا يمنح الكرامة للبعض ويسلبها من البعض ، الحق يجب ان يقترن بالكرامة الانسانية للجميع .
 

ثانيا / العقيدة الصحيحة ، الحق لا يتقاطع لا يتعارض مع العقيدة ، الحقوق متسقة ومنسجمة مع العقيدة الصحيحة
 

ثالثا / القيم النبيلة ، لا توجد لدينا حريات غير منضبطة لا نسجل لانفسنا وللآخرين حقوق تتجاوز على قيمهم ، الحقوق لابد ان تخضع للقيم النبيلة .
 

رابعا / السلوك المستقيم ، الاداء الانضباط في التعامل وان يكون الانسان سويا في سلوكه وتعاملاته مع الآخر .

ولذلك ذكرنا ان رسالة الحقوق لسيدنا زين العابدين (ع) يحدد ملامح الرؤية الاسلامية في هذه العلاقة بين الانسان وربه بين الانسان ونفسه بين الانسان والآخرين في ثلاث محاور ، ويستعرض الامام اكثر من 50 حقا في هذه الرسالة الجليلة .

تحدثنا في السنوات السابقة في ستة من هذه الحقوق اولا حق الله ثانيا حق النفس ثالثا حق اللسان رابعا حق السمع خامسا حق البصر سادسا حق الرجل ، هذا ما تحدثنا به سابقا .

في هذا الشهر الفضيل نستكمل حديثنا في رسالة الحقوق في الحق السابع والذي ابتدانا به ولكن لم يتسع الوقت في السنة الماضية لان نكمل وهو حق اليد  قوله (ع) " واما حق يدك فان لا تبسطها الى ما لايحل لك " لا تمد يدك الى الحرام لا تمدها الى ما لايحل لك " فتنال بما تبسطها اليه " فاذا بسطتها الى الحرام " فتنال من الله العقوبة في الآجل " اذا مددت يدك الى الحرام تنال العقوبة في يوم القيامة " ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل " وفي هذه الدنيا تنال ملامة الناس ، لسان الناس ياكلك ، الناس تنتقد بشدة من يقوم بسلوك غير مستقيم ،

 حق اليد ..

اولا / ان لا تمدها الى الحرام .
 

ثانيا / ولا تقبضها مما افترض الله عليها " كما يحرم عليك بسط يديك الى الحرام يجب عليك ان لا تقبضها ان لا تسحبها في مكان يجب ان تمد يدك وتنصر .
 

ثالثا / " ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما يحل لها " هناك اشياء حلال ولكن يحبذ لك ان تقبض يدك عنها في موارد الشبهة ، لاتمد يدك الى موارد الشبهة هي ليست حرام ولكنه مكروه لا تمد يدك الى مكروه .
 

رابعا / " وتبسطها الى كثير مما ليس عليها " تمد يدك الى اشياء كثيرة ورغم انها غير واجبة عليك لكنها مستحب ان تمد يدك .

اذا هناك محرم يجب ان تمتنع عنه وهناك واجب يجب ان تمد يدك اليه وهناك مكروه ولكن لا تتقرب منه وهناك مستحب وليس واجب ولكن مستحب ان تمد يدك اليه .

" فاذا هي قد عقلت وشرّفت في العاجل " هذه اليد المسؤولة المنضبطة هذه اليد التي تتحدد ايقاعاته بالحكم الشرعي هذا واجب تعمله هذا حرام تمتنع عنه هذه اليد المسؤولة تحظى بالشرف لشرف صاحبها ، هذا الصاحب هذا الانسان الذي يتحكم بيده ويستخدمها ضمن ما ارادها الله وجوبا حرمة استحبابا كراهة ، كما ان هذا الانسان هو شريف لانه يلتزم بالحكم الشرعي يده تكتسب الشرف لشرفه ايضا ، يده تكون يد شريفة ، هذا في العاجل في الدنيا تكون مقدرة محترمة شريفة يقال اصحاب الايادي البيضاء الناس تتكلم بهم " وجب لها حسن الجواب في الآجل " في الدنيا السمعة الطيبة والشرف وفي الآخرة الثواب من الله تعالى .

اذا هذا هو حق اليد ، اليد هي الوسيلة التي ننقل فيها شيء من موضع لآخر ،

قال علماء الاخلاق حينما يقول الامام زين العابدين حق اليد فهو يشير الى ثلاث حالات ..

المعنى الاول / هو المعنى الحقيقي وهي اليد نفسها ان تكون هناك اشياء تعملها واشياء لا تعملها واشياء محبب ان تعملها واشياء محبب ان تمتنع عنها .
 

المعنى الثاني / المعنى المجازي لايقصد من اليد نفسها وانما الآثار المترتبة على اليد ، السرقة تصدر بهذه اليد اثر يترتب على هذه اليد ، السرقة عمل محرم وهكذا الانتصار للمظلوم هذا اثر مترتب على اليد فيقال اليد ويراد منه الآثار المترتبة على اليد .
 

المعنى الثالث / المعنى الكنائي لليد ، القدرة المدخلية يقال هذا له يد بالقضية وهذا لايعني ان يده داخلة في القضية وانما ان الرجل متورط بالقضية سلبا او ايجابا ، له مدخلية في القضية في فعل شيء في ترك شيء في انجاز عمل له يد .

لابد لنا ان نقف عند هذه المعاني الثلاث ..
 

اولا المعنى الحقيقي لليد في الجانب السلبي والايجابي ، في السنة الماضية تحدثنا عن البعد السلبي لليد وقلنا...
 

1 - بسط اليد الى الخيانة ، هذا من المعنى السلبي لليد بمعناها الحقيقي ..
 

2 - بسط اليد الى الذنب ، الانسان بهذه اليد يعتدي يسيء الى احد ما يرتكب اثم معين ..
 

3 - مد اليد الى الظلم ، الظالم
 

4 - بسط اليد لخروج النور للنبوة ليوسف (ع)
 

5 - التصفيق في غير محله كما ورد في قوله تعالى من سورة الانفال " وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية " هؤلاء الجاهلية كانوا يدخلون بيت الله الحرام وكانت صلاتهم تصفيق وتصفير  ، هذا بيت الله الحرام استفد من هذه الفرصة بالتعبد لماذا هذا التصفير والتصفيق لماذا تضيع هذه الفرصة ، في شهر رمضان لو كانت تنزل من جديد  وما كان صلاتهم في شهر رمضان الا مسلسلات في عشرات الفضائيات ، المسلسل التركي وغيره ، هل بها علم او معرفة هل تقرب الانسان الى الله ام تبعده ! هذه المسلسلات تثقفه على ثقافات بعيدة عن ثقافتنا العربية والاسلامية ليس فيها حرمات ، شهر رمضان ارحمونا يا فضائيات دعوا الشباب يتوجهون الى الله تعالى من بداية شهر رجب يخرجون الاعلانات لكي يشدوا الناس اليها ، اين مجالس الذكر والموعظة ، الناس منشغلة بغير شيء " وماكان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية هذا ايضا من الاستخدام السلبي لليد .

اما في البعد الايجابي ..
 

اولا / مد اليد بالبيعة ، اليد تبايع بها البيعة الشرعية ، في سورة الفتح " ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله " البيعة الشرعية البيعة الصحيحة هي بيعة مع الله تعالى " يد الله فوق ايديهم " في موضع آخر " لقد رضي الله عن الذين يبايعون تحت الشجرة " هذه اليد التي تبايع تمثل جانبا ايجابيا في المعنى الحقيقي لليد .
 

ثانيا / مد اليد ومسحها للشفاء ، استخدام اليد في الشفاء هذا ايضا من الاستخدام الايجابي وذكرنا بعض النصوص في العام الماضي ونذكر اليوم ايضا ، في بحار الانوار ج95 ص 7 الرواية الثانية " عن ابي عبدالله (ع) قال كان رسول الله (ص) اذا اصابه كسل او صداع بسط يديه فقرأ فاتحة الكتاب والمعوذتين ثم يمسح يهما وجهه فيذهب عنه ما كان يجد " استخدام اليد للمسح للشفاء بعد تلاوة الفاتحة والمعوذتين ،
 

ثالثا / بسط اليد للبركة ، التبرك تضع يدك على الكعبة تتبرك بها على المكان المقدس هذه ايضا من الاستخدام الايجابي ، في بحار الانوار ج99 ص 194 عن سعدان بن مسلم قال رايت ابا الحسن موسى بن جعفر (ع) استلم الحجر (الاسود) ثم طاف حتى اذا كان اسبوع " طاف سبعة اشواط ) التزم يده وسط البيت وبسط يده على الكعبة فمكث ماشاء الله ثم مضى الى الحجر فاستلمه وصلى خلف مقام ابراهيم ثم عاد الى الحجر فاستلمه ثم مضى حتى اذا بلغ الملتزم في آخر اسبوع التزم وسط البيت وبسط يده ثم استلم الحجر من جديد وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم ثم استلم الحجر من جديد ، يتبرك بالكعبة الشريفة ويدعو ثم يستلم الحجر ثم يصلي ثم يستلم الحجر ، هذا كله استخدام اليد للتبرك ، " ثم عاد فاستلم مابين الحجر الى الباب ثم مكث ماشاء الله في هذا المكان المقدس بين الحجر وباب الكعبة وهي مسافة قصيرة جدا ." ثم اتى الحجر فصلى ثمان ركعات فكان آخر عهده بالبيت تحت الميزاب " وبسط يده ودعا " ثم مكث ماشاء الله وهو يدعو ثم خرج من باب الحناطين حتى اذا اتى ذا طوى وكان وجهه الى المدينة " هذه كانت السلوكية التي يعتمدها الامام الكاظم قبل ان يتوجه الى المدينة وهكذا كان يتبرك بالكعبة الشريفة .
 

رابعا / بسط اليد بالدعاء من المعاني الايجابية لبسط اليد وتطلب من الله العافية والامن والاستقرار ، لاحظوا ج18 بحار الانوار ص5 " عن ابي سلمة عن رسول الله (ص) قال اصابنا عطش في الحديبية فجهشنا الى النبي فبسط يديه بالدعاء فتالق السحاب وجاء الغيث فروينا منه .

في ج86 ص87 في بحار الانوار في ادعية تعقيب صلاة العصر " اللهم الى رحمتك رفعت بصري " ليس لي حول ولا قوة الا رحمة الله " والى جودك بسطت كفي " ارفع يدي واطلب منك بجودك بكرمك ان تمن علي وتتكرم علي ان تتفضل علينا ، نحن في ظروف صعبة ظروف امنية وسياسية ومعيشية صعبة ، في العراق والمنطقة هناك الكثير من الصعوبات هناك ضيق وشهر رمضان شهر الدعاء والانابة نبسط ايدينا ونرفعا ونبتهل الى الله تعالى ان يتكرم علينا بمنه " فلا تحرمني وانا اسالك ولا تعذبني وانا استغفرك " عبدك يستغفر اليك ويعترف بذنبه حاشى لله ان يعذب المستغفرين ولا سيما في هذا الشهر الفضيل ، االهم اجعلنا في هذا الشهر من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين اللهم فاغفر لي فانك بي عالم الهي انت تعرف الخفايا " ولا تعذبني فانك علي قادر " بيدك كل شيء وانت القادر على كل شيء فلا تعذبني يا الله برحمتك يا ارحم الراحمين ، بسط اليد بالدعاء .

في ج 87 ص 285 بحار الانوار ايضا في الادعية الواردة في صلاة الليل اسال الله ان لايحرمنا من اقامة صلاة الليل والتنفل في الليل هذا الدعاء عن الامام السجاد (ع) " اللهم ان استغفاري اياك وانا مصر على ما نهيت قلة حياء " الهي اقول استغفر الله ولكن ارجع اكتسب المعصية وهكذا مرة ثانية وثالثة ، انظر الى الحرام واقول استغفر الله واتوب اليك وفي اقرب فرصة ايضا انظر الى الحرام وارجع اقول استغفر الله وهكذا ، هذا قلة حياء " اللهم ان استغفاري اياك وانا مصر على مانهيت قلة حياء وترك الاستغفار مع علمي بسعة حلمك تضييع لحق الرجاء " لا استغفر وانت حلمك واسع وانا اعرف ذلك اضيع حق من حقوقي " اللهم ان ذنوبي تؤيسني ان ارجوك وان علمي بسعة رحمتك يؤمنني ان اخشاك " رحمتك واسعة وارى نفسي في مامن " فصل على محمد وآل محمد وحقق رجائي لك " الهي رجاءنا فيك كبير ان تغفر لنا وتصفح عنا ان تنزل رحمتك علينا ان تخفف علينا وطء الزمان ان تمنحنا الامن والامان رجاءنا فيك عظيم يا الله " وحقق رجائي لك وكذب خوفي منك وكن لي عند احسن ظني بك يا اكرم الاكرمين وايدني بالعصمة وانطق لساني بالحكمة واجعلني يندم على ما ضيعه في امسه " هذا ادب الدعاء نتعلمه من ائمتنا الاطهار (ع) في اشارة واضحة لبسط اليد بالدعاء ،

وللحديث بقية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..