ايها الاخوة والاخوات ...

في هذه الايام العصيبة التي يمر بها وطننا فان الطفولة تتحمل الحمل الاكبر ، فهنا يئن يتيم .. وهناك يذهل نازح ومشرد ، واخر يشعر بالخوف من قادم الايام ... ان حق الشعور بالامان هو الحق المقدس الاكبر لاطفالنا ، ومع الاسف هذا الحق لم يعد متاحاً لجميع اطفال الوطن ... فمئات الالاف من الاطفال النازحين مع عوائلهم يفتقدون الى لعبهم الصغيرة وكتبهم المدرسية واسرّتهم التي ينامون عليها .... مئات الالاف من اطفال العراق اليوم بلا مأوى يتخطفهم الخوف وتزيغ اعينهم نحو المجهول..

طاعون الارهاب لم يستثنِ الاطفال من ارهابه وتكفيره وانحرافه .... ولكن وللحقيقة والتاريخ والضمير الحي نقول ؛ ليس الارهاب وحده من صادر حق الطفولة من اطفال العراق !!... فهناك الفساد الاسود المستشري في مؤسسات الدولة وخصوصا التعليمية والصحية ، وهناك سوء الادارة ، وقصور البرامج ، وانعدام الرؤية الواضحة والتخطيط العملي ... كلها اجتمعت على قتل الطفولة في هذا الوطن ومصادرة الحق في العيش الآمن والتعليم الجيد والرعاية الصحية الملائمة !!... والحق في كهرباء مستمر لاتنطفأ على اطفال العراق فتمنعهم من اكمال واجباتهم المدرسية مساء او تجعلهم يشعرون بالخوف من الظلمة ...

ايها الاخوة والاخوات ....

قد نجامل ونجمّل بعض الحقائق والوقائع !!!.... الا اننا في ما يتعلق بالطفولة سنكون في غاية الصراحة ، حتى لو وصلت صراحتنا حد التجريح !.... فلا مجاملة ولا تهاون مع التقصير بحق المستقبل ، واطفالنا هم المستقبل ...

فكم هي اليوم جيوش الايتام من اطفال العراق بسبب الارهاب والقتل العشوائي على الهوية وانعدام الامن والامان؟؟.... وكيف سيتربى هؤلاء الايتام ؟ واي مستقبل ينتظرهم ؟ ومن سيوفر لهم حنان الاب الراحل ؟ ومن سيعالج نفسياتهم المتضررة من الصدمات التي تعرضوا لها ؟؟....

وكم هي اليوم جيوش النازحين الاطفال في وطننا ؟ ومن سيشرح لهم لماذا هم نازحون في وطنهم ؟ ولماذا هم بلا مأوى ولا بيت ولاماء ولاكهرباء ؟؟ ... وهل ستكفي عناوين الاخبار السياسية ان ترد عليهم وتوضح لهم لماذا لم يذهبوا الى المدارس هذا العام ؟؟... هل سيفهم اطفالنا لماذا داعش سلبت بيوتهم ومدنهم وقراهم ؟؟ ولماذا لم تستطع ان تحميهم الشرطة والجيش في وطنهم ؟؟... وكيف سيتعرف هؤلاء الاطفال على هذا الوطن ؟ واي علاقة ستربطهم به ؟!....

ايها الاخوة والاخوات ....

قد يرى بعض البسطاء والسذج ان مهرجانكم هذا ترف فكري و اجتماعي!!.. فانتم تقيمون مهرجاناً للطفولة فيما ان الوطن يحترق وعلى حافة الهاوية !!..... واقول لهم ؛ وهل تكتمل صورة الوطن بغياب الطفولة ؟؟!..... وهل نتصور شعباً يعيش وينمو دون اطفال ؟! وهل هناك مستقبل بدون طفولة ؟!... وهل هناك حاجة لحكومة وبرلمان وجيش من الموظفين اذا لم يكن همهم حماية الاطفال والطفولة !!....

الاوطان لا تحمى بحدودها فحسب وانما تحمى وتبنى عندما ترعى اطفالها وطفولتهم !!...

واسمحوا لي ان اوجه خطابي لوسائل الاعلام التي تحتشد وتتزاحم وتغطي عندما تكون هناك جلسة لمجموعة من السياسيين او اجتماع تتعالى فيه الاصوات  وتختلف فيه التوجهات ولكنها تختفي او تحضر وتغطي بشكل خجول عندما يعقد مهرجان للطفولة !!..... هذا الاعلام الذي من اقدس واجباته بناء المجتمعات وتثقيفها !!وهل هناك بناء اهم وافضل من بناء الطفولة ؟! والتي اذا ما اكتمل بنائها يكتمل بناء المجتمعات وعندها يكتمل بناء الاوطان ....

 

ايها الاخوة والاخوات ....

يقولون بداية الوطن حدود ..... وانا اقول بداية الوطن طفل يشعر بالامان !!... ويقولون بداية الثقافة  القراءة... وانا اقول بداية الثقافة طفل يمسك بيده كتاب !!....

لقد اطلقنا في عام 2012 ومن هذا المهرجان مبادرة تنمية الطفولة العراقية ومن اهم بنودها انشاء مجلس اعلى لرعاية الطفولة في العراق ... ولكن للاسف كان للسياسة رأي آخر فتم حبس المبادرة في الادراج خشية ان تسجل نقطة لصالح من اطلقها , وكأن السياسة تتجاهل الطفولة في اي مدخل تجد لها متنفساً فيه ... فقد تم التغاضي عن المبادرة واهمالها بالرغم من فائدتها الواسعة لملايين الاطفال العراقيين ....

واليوم اعيد التذكير بتلك المبادرة واطالب كتلة المواطن الحكومية والبرلمانية والكتل السياسية الاخرى المتحالفة معها على دعمها واطلاقها من جديد لتتحول من مبادرة الى مشروع قرار ولترى النور باسرع وقت ممكن ، فالخلافات السياسية والحسابات الضيقة بامكانها ان تنتظر ولكن الطفولة لا تنتظر ... ومستقبل الاجيال لا ينتظر وبناء الوطن لا ينتظر ....

ونحن في تيار شهيد المحراب نؤمن ايمانا عميقاً ان الطفولة مشروع مستقبلي وعليه يحتاج الى التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى والموارد المالية اللازمة لدعم الخطط والمشاريع وبناء البنية التحتية الضرورية لخلق مؤسسات متنوعة ومتكاملة تعنى بالطفولة وتنميتها ... كما تضمنت المبادرة انشاء مراكز لعلاج سرطان الاطفال ومرضى التوحد والاعاقة لتأهيل الاطفال من ذوي الاعاقة ، وبناء شبكات الحماية الاجتماعية الخاصة بالاطفال وحماية الاطفال الفاقدين للمعيل والمأوى والتعامل القضائي الملائم مع الاحداث وبرامج التعلّم المبكّر ورعاية الكفاءات المميزة والنوعية للاطفال ... وتوفير شبكة متكاملة من دور الحضانة و رياض الاطفال ومراكز الرعاية الصحية الخاصة بالاطفال ... كما طالبنا في ان يكون حق التعليم مكفولاً لجميع الاطفال وان يكتمل هذا الحق بان يكون للاسرة الحق في اختيار الخدمة التعليمية فلكل طفل مخصصات تعليم مقرة من الدولة ومن حق العائلة ان توجه هذه المخصصات للمؤسسة التعليمية التي ترى انها الافضل لاطفالها حكومية كانت او اهلية ...

وهذا المهرجان فرصة ثمينة للتذكير بدور الاسرة وتماسكها وانسجام الابوين في تنشئة الاطفال بشكل سليم فالمجتمع المستقر والمتماسك نتاج أُسر مستقرة ومتماسكة , والأسرة تتحمل جانباً كبيراً من مسؤولية التربية السليمة والتزام الاطفال بالأعراف والتقاليد الصالحة والآداب العامة والاخلاق الكريمة والسلوك القويم .... مما يجعل الأسر امام واجبات والتزامات جدية في حسن التعامل مع الأطفال ومراقبة سلوكهم وتقديم النصح والمشورة الصحيحة لهم وزرع الثقة بالنفس وبالمجتمع فيهم والاعداد الصحيح لهم ... و وزارة التربية وطواقمها التعليمية والتربوية تتحمل الجزء المهم الآخر من المسؤولية في هذا الجانب والتنسيق المكثف والمستمر بين البيت والمدرسة كفيل ببناء جيل جديد يشعر بالثقة ويلتزم بالقانون ويُحسن السلوك ويُجيد التعامل مع الاخرين مما سيحقق قفزة نوعية في معالجة الكثير من الاشكاليات والازمات المجتمعية التي  نعيشها في الوقت الراهن ... وفي جانب ثالث يجب استذكار دور المجتمع ومؤسساته المختلفة في تنشئة الاطفال وخلق المناخات الملائمة للتربية السليمة في كل التفاصيل وصولاً الى نوعية الالعاب والملصقات والمطبوعات على الملابس والدفاتر والاماكن العامة وعلى شاشات التلفاز وغيرها فتربية الجيل الجديد من اطفالنا تتطلب جهداً تكاملياً وتضامنياً من الجميع ...

ايها الاخوة والاخوات ...

نحن اصحاب مشروع متكامل لبناء  مجتمع ودولة ، ونحن نهتم بقضايا الطفل والتحديات التي تواجهه بنفس اهتمامنا بقضايا السياسة والتحديات المصيرية التي تواجهها ... فمشروعنا متكامل والسياسة بالنسبة لنا هي وسيلة لخدمة المجتمع والطفولة هي اساس بناء المجتمعات السليمة والصحية والواعية ...

وكذلك نؤمن ان احد اهم مقومات رعاية الطفولة تبدأ من رعايتنا للامومة ، فالطفل متى ما شعر بالامان في حضن امه فانه سيشعر بالامان في مجتمعه ...

اتمنى على الجميع ان يتخذ من مبادرة "تنمية الطفل العراقي" بداية للعمل السياسي والمجتمعي المشترك وان نعمل وبقوة على ان تكون هذه المبادرة من اولى المشاريع المقدمة للبرلمان وان نعمل على حسمها وتطبيقها العملي باسرع وقت ممكن ...

اننا ندرك ان التحديات كبيرة وكثيرة ولكن علينا ان لا نفقد الرؤية في تحديد الاولويات  وسط هذا الكم الكبير من التحديات وتبقى رعاية الطفولة من اولى الاولويات ... لاننا برعاية الطفولة نرعى المستقبل المجتمعي لوطننا ونرعى المستقبل الانساني لشعبنا ونرعى سبب وجودنا واستمراريتنا ...

ايها الاخوة والاخوات ....

سوف لا اتكلم عن الوضع السياسي الضاغط في هذا المهرجان ولندع الطفولة العراقية المظلومة تعيش خصوصيتها بعيدة عن السياسة ومخرجاتها وتقاطعاتها ....

اتمنى لمهرجانكم السنوي الاستمرارية والتطور .. وادعو الله ان يحفظ اطفال العراق ويقر بهم عيون الاباء والامهات ... وان تكون بداية بناء الوطن رسم الابتسامة على وجه طفل بريئ وشعوراً بالعطف والامان على وجه طفل يتيم ونظرة امل في عيون طفل نازح ...

فليحفظ الله العراق واطفال العراق ....

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...