بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا  سيد الانبياء والمرسلين  حبيب اله العالمين ابي القاسم المصطفى محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين .

السلام يا ابا عبد الله , السلام عليك يا ابن رسول الله , السلام عليك وعلى  الارواح التي حلت بفنائك واناخت برحلك

, عليك منا جميعا سلام الله ابدا مابقينا وبقي الليل والنهار , ولاجعله الله اخر العهد منا لزيارتكم , السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع) . السلام عليكم ايها المؤمنون الحسينيون اخوة واخوات ورحمة الله وبركاته .

يطل علينا من جديد شهر محرم الحرام وتتجدد الالام والمحن والمصاب باستذكار ذكرى سيد الشهداء وابي الاحرار ابي عبد الله الحسين ( صلوات الله وسلامه عليه ) حتى اقترن اسم محرم الحرام بالحزن والالم والفجيعة , وكلما حل شهر محرم كلما هرع الحسينيون المؤمنون لايقامة هذه المجالس الحسينية والجلوس والتعرف على رؤية الحسين وعلى مدرسة الحسين وهي مدرسة الاسلام الكبرى ومدرسة رسول الله (ص) واهل بيته الكرام , كلما حل محرم الحرام استذكر الحسينيون تلك الصرخة الزينبية المدوية التي وقفت فيها بوجه الطغاة والظالمين قائلة بوجه الحاكم الظالم "يايزيد اسع سعيك وناصب جهدك فوالله لن تمحو ذكرنا ولن تميت وحينا ".

 كلما حل محرم الحرام تذكرنا مقولة رسول الله (ص) " ان لقتل الحسين في قلوب المؤمنين حرارة لن تبرد ابدا " سبحان الله اي نعمة هذه , اي كرامة هذه , في كل سنة وكان الحسين (ع) استشهد في هذا العام , يتجدد المصاب وتتجدد اللوعة ويستذكر الحسينيون واقعة ألطف بتفاصيلها, ويتفاعلون  مع هذه المصيبة بكل مشاعرهم وأحاسيسهم, ويتخذون من واقعة ألطف منطلقا وركيزة, للتعرف على منهج الحسين ( ع) , للتعرف على مشروع الحسين (ع) , وفرق كبير بين من يقف ويؤبن الحسين , وبين ان يكون حسينيا في المنهج والعقيدة والرؤية, ولابد لنا أن نكون حسينيين وسنكون حسينيين ما بقينا بإذن الله تعالى, وفي شهر محرم الحرام , حيث يتجدد الحزن نجلس في مجالس أبي عبد الله الحسين ونذرف الدموع ونبكي على الحسين (ع) , وهذا ما نجده في روايات أهل البيت ( صلوات الله وسلامه عليهم ) عن زيارة ابي عبد الله الحسين وإقامة المجالس على سيد الشهداء والبكاء وإظهار الحزن على الحسين (ع) وهناك اجر عظيم للباكين على الحسين (ع) , وهناك روايات وردت عن رسول الله (ص) وأهل بيته الكرام تذكر هذا الأجر العظيم وهذه المنزلة الرفيعة للباكين على الحسين (ع) نحاول ان نستعرض بعض هذه الروايات ثم نقف ونحلل هذه الظاهرة.

                           التاريخ يتجدد في استهداف إتباع اهل البيت وان اختلفت المسميات

 لاحظوا يستعرض" ابن قولويه"  في كتابه الشريف ( كامل الزيارات ) مجموعة من هذه الروايات منها عن" مسمع بن عبد الملك كرديم البصري" قال ,  قال لي ابو عبد الله (ع) الإمام الصادق ( صلوات الله عليه وسلامه ) يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين ؟ (هل تزور الحسين ؟ ) قلت لا انا رجل مشهور عند أهل البصرة," وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة ( الخليفة الظالم وضع عيون وكانت الزيارة محرمة والولاء للحسين ولأهل البيت يعاقب عليه ويلاحق عليه أولئك الحسينيون) واليوم أبناء أولئك الأعداء يمارسون نفس المنهج, ويستهدفون زوار الحسين ويستهدفون شعائر الحسين , ويستهدفون مجالس الحسين ويستهدفون مواكب الحسين , فما اشبه اليوم بالبارحة, والتاريخ يجدد نفسه تتغير الاسماء ولكن المنهج هو المنهج , منهج الحسين هو ذات المنهج الذي نسير عليه, والمنهج ( الاموي ومنهج يزيد ) هو ذات المنهج الذي يسير عليه الإرهاب الداعشي والتطرف والعنف والتشدد وما إلى ذلك, فالحمد لله الذي جعلنا في صف الحسين وفي جبهة الحسين ومن السائرين على نهج الحسين (ع) وعندنا من يتبع هذا الخليفة وعدونا كثير من اهل القبائل والنصاب وغيرهم( نواصب ) متشددين, متطرفين , نتعرض الى الأذى الشديد اذا زرنا سيد الشهداء وهذا شخص معروف يقول لا استطيع ان اذهب متخفي ويمكن ان يتعرفوا علي فتذهب الاخبار إلى السلطان " ولست امنهم ان يرفعوا حالي إلى ولد سليمان ( سليمان بن عبد الملك " فيمثلون بي " قال لي اذا كنت لاتستطيع ان تزوره لهذه الاسباب " افما تذكر ماصنع به " ( تذكر ماجرى على الحسين ) قلت " نعم اذكر ذلك " قال" افتجزع ؟" ( تصيبك حالة الجزع - اكثر من الحزن) الحزن بكاء والم والجزع تعبير اقسى الانسان احيانا المه يزيد عن حزنه ويكون اكثر من الحزين ويعبر عنه بالجزع, قلت"  أي والله واستعبر لذلك " (هنا الشاهد ) "يا ابا عبد الله اجزع على الحسين وتنزل دمعتي على سيد الشهداء حينما اتذكر مصابه, حتى يرى اهلي اثر ذلك علي " الانسان عندما يكون حزين مالوم يظهر على وجهه ويصفر لونه وليس له مزاج ولايبتسم ولايكلم احد ولاياكل " فامتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي " الكل يلاحظ ذلك , قال " انظر الدمعة كم منزلتها عند الله " الامام الصادق ماذا يقول , قال " رحم الله دمعتك " اما انك من الذين ينزلون (يعدون ) من اهل الجزع لنا " من يبكي على الحسين , من تتحرك مشاعره وأحاسيسه تجاه الحسين يسجل من اهل الجزع , " والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويخافون لخوفنا ويعملون اذا عملنا اما انك سترى عند موتك حضور ابائي لك " اثر البكاء على الحسين والجزع على سيد الشهداء رسول الله (ص) واهل بيته يظهرون ويتواجدون عند المحتضر حينما يفارق الحياة اذا كان ممن يبكي الحسين ويجزع على سيد الشهداء , " ووصيتهم ملك الموت بك " لا تشدد عليه " وتساهل معه , " وما يلقونك به من البشارة أفضل " ( ويبشروك انت في الدار الاخرة اين مكانك ومنزلتك, ويكون بشارة عظيمة , " ولملك الموت ارق عليك واشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها " الام الحريصة على ابنها كيف ترفعه وتكلمة وتتعامل معه , ملك الموت يكون هكذا ويتعامل مع الباكي على الحسين بأرق مما تتعامل به الام , قال " ثم استعبر ( ثم بكى الامام الصادق ) واستعبرت معه , ( صار ذكر الحسين فصار بكاء على سيد الشهداء ) فقال الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمه وخصنا اهل البيت بالرحمة يا مسمع ان الارض والسماء لتبكي منذ قتل امير المؤمنين ( عليه السلام) رحمة لنا ", الارض تبكي والسماء تبكي على اهل البيت , "ومابكى لنا من الملائكة اكثر , ومارقت دموع الملائكة منذ قتلنا " منذ ذلك اليوم والى اليوم الحاضر الملائكة يبكون اهل البيت , "وما بكى احد رحمة لنا لما لقينا الا رحمه الله قبل ان تخرج الدمعة من عينه " قبل ان تبكي وعندما تهم بالبكاء , الله سبحانه وتعالى يقدم هذه الرحمة فإذا سالت دموعه على خده فلو ان قطرة من دموعه سقطت في جهنم لاطفات حرها حتى لا يوجد لها حر ,وان الموجع لنا قلبه ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لاتزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد  علينا الحوض " ( حوض الكوثر ) وان الكوثر ليفرح بمحبنا اذا ورد عليه حتى انه ليذيقه من ضروب الطعام مالا يشتهي ان يصدر عنه", ( حوض الكوثر يفرح بمحبي أهل البيت والناس تتمنى ان تصل الكوثر والكوثر يتمنى ان يلتقي بمحبي اهل البيت فيقدم له الشراب والطعام ما يلذ وما يتمنى ان لا يغادر ولا يترك, " يا مسمع من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ابدا" من يشرب من ماء الكوثر لايشعر بالعطش ابدا, " ولم يستقي بعدها ابدا " ولا يطلب الماء بعد ذلك والسقي " اما انك يا ابن كرديم ممن تروي منه " سترتوي من هذا الماء " شهادة بحق هذا الرجل " وما من عين بكت لنا الا نعمت بالنظر إلى الكوثر وسقيت منه " كل عين تبكي الحسين وتبكي مظلومية أهل البيت ( سلام الله عليهم) سيكون لها نصيب من الكوثر, وان الشارب منه ممن أحبنا ليعطى من اللذة والطعم والشهوة له اكثر مما يعظاه منه ودونه في حبنا" ليس فقط محبي أهل البيت متنعمين في محبة أهل البيت هناك مراتب , الذين يحبهم اكثر ويلتزم بنهجهم أكثر وهو نهج رسول الله (ص) مكانته أعطاهم , المنزلة والمكانة والاستفادة , من الكوثر , بقدر المحبة هل البيت فإذن هناك مراتب وكلما كانت المرتبة أسمى كلما كان العطاء أجزل .

                               هناك فضل كبير للدموع التي تسكب على مصاب سيد الشهداء

 لاحظوا رواية أخرى عن ابي عبد الله (ع) قال " من ذكرنا عنده  ففاضت عيناه ( دمعت عيناه ) وله مثل جناح بعوضه ( صغيرة ) يعني قطرة من الدمع , غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر "

وفي رواية أخرى أبي جعفر الباقر ( سلام الله عليه) قال " أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين دمعة حتى تسيل على خده بواه الله بها غرفا في الجنة يسكنها أحقابا " وعن الصادق (ع) قال " من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرم الله وجهه على النار " انظروا الآثار العظيمة لمن يبكي الحسين ( عليه السلام).

عن أبي هارون المكفوف قال" دخلت على أبي عبد الله الصادق ( سلام الله عليه) فقال أنشدني "( كان منشد او خطيب ) فأنشدته فقال لا  لا تقرا لي بهذه الطريقة كما تنشدون , اقرالي على طريقتكم بالنعي كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره, الصوت الشجي والصوت الحزين هكذا اقر الي , قال " فانشدته امر على جدث الحسين فقل لعظامه الزكية – قال فلما بكى أمسكت انا عن القراءة , فقال مر, (استمر ) فمررت ثم قال زدني زدني , قال فانشدته يامريم قومي فاندبي مولاك وعلى الحسين  فاسعدي ببكاك , قال فبكى وتهايج النساء يعني الامام الصادق كان واضع ستار ومحضر مكان للنساء ان يجلسن ويستمعن لمصيبة سيد الشهداء قال "فلما امسكنا وانتهى البكاء قال لي ( الامام الصادق ) يا ابا هارون من انشد في الحسين فابكى عشرة فله الجنة " (من يبكى عشر أنفار في رثاء الحسين ) له الجنة , ثم جعل ينقص واحدا واحدا, من انشد في الحسين فابكى تسعه فابكي ثمانية فابكي ستة أربعة واثنين وواحد فقط , حتى بلغ الواحد, فقال من انشد في الحسين فابكي واحدا  فله الجنة " ثم قال " من ذكره( ذكر الحسين ) فبكى ولم يجد أحدا فله الجنة " ( حتى لو بكى وحده ) , وفي رواية اخرى لو ذكره فتباكى (لم تأته الدمعة ) واظهر الحزن فله الجنة"

لاحظوا قيمة البكاء على الحسين سيد الشهداء وتأثيره العظيم.

                           البكاء على الحسين ليس انفعالات عاطفية بل مخطط دقيق لتحريك الامة

 عن ابي عبد الله (ع) قال بكى علي بن الحسين ( ع) على ابيه الحسين بن علي ( صلوات الله عليهما) عشرين سنة او أربعين سنة" الترديد من الراوي , شك ان يكون  الإمام الصادق قال , الإمام السجاد بكى عشرين او أربعين سنة , وما وضع بين يديه طعاما الا بكى على الحسين حتى قال له مولى له " جعلت فداك يا ابن رسول الله اني اخاف عليك ان تكون من الهالكين" يا علي بن الحسين بكاء فقط اخشى عليك ان تصاب بشيء لا سمح الله , استشهد الإمام السجاد في جوابه بهذه الاية قال"  انما اشكو بثي وحزني إلى الله واعلم من الله مالا تعلمون " اني لم اذكر مصرع بني فاطمة الا خنقتني العبرة لذلك" كلما ذكرت الحسين (ع) دمعت عيني وهناك الكثير من الروايات الواردة في هذا الشان , ماذا يعني , عشرين سنة امام معصوم يبكي على الحسين, هل يمكن ان نختزل هذه الظاهرة ونقول هذه انفعالات عاطفية , الحسين عظيم ولو بكيناه الدهر كله كان قليلا في حقه, ولكن امام معصوم مسيطر على أعصابه وضابط عواطفه ومشاعره ولا يتحرك الا ضمن إطار المصلحة ماذا يعني عشرين سنة او اربعين سنة يبكي ليل نهار على الحسين (ع) هذا لا يمكن ان يفسر بانفعالات عاطفية بحتة , هذا يفسر على انه مخطط دقيق من اجل جعل الحسين قضية تتحرك في الامة, من اجل تحويل الحسين من مظلوم قتل في يوم عاشوراء وتحويله إلى رمز للحق وللعدالة الإنسانية يتعاطاه الناس ويتعاملون معه ومع قضيته ومع مشروعه في كل زمان ومكان," كل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء " هذا معناه .

                                           لماذا ألتاكيد على البكاء على الحسين (ع)

 إذن قضية الحسين ليست قضية عابرة وليست قضية تاريخية , رسالة الحسين ليست رسالة الموت والانكسار والضعف وإنما هي رسالة الحياة والعنفوان والثورة والحركة والتصدي ومكافحة الفساد ومواجهة الظالمين والإرهاب والطغاة, قضية الحسين قضية بناء الإنسان وبناء المجتمع وتنمية الشعوب والأوطان , فتحولت قضية الحسين (ع) إلى مدخل لبناء تيار حقيقي في الأمة , هو تيار أتباع أهل البيت ( سلام الله عليهم ) ومحبي أهل البيت , هذا التيار الذي حمل على نفسه وعلى أكتافه قضية الحسين وقضية الإسلام والدفاع عن الإسلام وقيمه في كل زمان ومكان , لماذا هذا التأكيد على البكاء , لماذا هذا الحث والإصرار على ان نبكي الحسين وهذا البكاء لو كان قطرة دمعه تنزل وتخرج وتفور من عين الإنسان يضمن بها الإنسان الجنة لماذا هذا الاثر العظيم للبكاء طبعا لابد من التأكيد على انه ليس بكاء الانكسار والضعف وليس بكاء الخنوع وليس بكاء الجبن وليس بكاء انهيار وليس بكاء التراجع, هذا البكاء ليست قطرة خنوع وجبن وإنما قطرة بارود وقطرة زيت نضعها على نار الحماس والمحبة فلتهب مشاعرنا باتجاه القضية المبدئية التي نتبناها ونعمل من اجلها ودمعة قوة ودمعة صلابة, وهذه دمعة صفاء ونقاء وهذه دمعة استنفار للمشاعر والعواطف وتوجيه الطاقات في الاتجاه الصحيح, هذه ليست دمعة انكسار بل دمعة بسالة وقوة ودمعة شوق , دمعة اندفاع باتجاه الحق والمبادئ.

                                        ما هي أبعاد هذه الدمعة وهذا البكاء على الحسين (ع)

   هناك بعد سياسي مهم , البكاء تعبير هادئ وسليم وسلمي , عن سخط وغضب وعن الم وعن استنكار وعن موقف , الإنسان لماذا يبكي ؟  يبكي تعاطفا مع قضية وترى مظلوم تبكي عليه, فهذه الدمعة تعبر عن موقف سياسي بحدوده الدنيا وتعاطف مع المظلوم وهذا موقف سياسي مهم ولاسيما في ظروف الاختناق في ظروف الخفقان وفي ظروف الضغوط الكبيرة التي مرت على أهل البيت ولاحظنا في الرواية التي رويناها آنفا كيف لا يستطيع أن يزور حرم سيد الشهداء خشية ان يراه احد فيشي به إلى السلطان فيتعرض إلى ما يتعرض , من يستطيع أن يمنع الدمعة مهما كانت الظروف صعبة وهذا منهج الإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) وهذا يعني رسالة مهمة في منهج الإسلام وفي منهج أهل البيت (سلام الله عليهم) ان الإنسان عليه ان يتخذ موقف لصالح القضية التي يؤمن بها , عليه ان يسجل موقف ايجابي في القضية التي يتبناها ويؤمن بها, وهذا الموقف يمكن أن يبدأ بدمعة وبتعاطف وبنصرة وبألم وبمشاعر وعواطف تجاه تلك القضية ولكنه لا يقف عند هذا الحد ويمتد إلى ما وراء هذا الحد في التصدي وتحمل المسؤولية تجاه المشروع, وهذا ما نجده في فلسفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ويجب على الإنسان أن  يدعو إلى المعروف وان ينهى عن الأمر والانحراف والفساد فان لم يستطع فليقم بكلمة ان لم يسمح له ان يتحدث فعليه ان يؤشر ويمتعض ان لم يستطع من ذلك ماذا يقول علماؤنا وفقهانا يقولون" ادنى مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الانكار القلبي " يرى المنكر وينزعج قلبا من هذا ويرى فعل جيد قلبا يفرح واذا قال القلب لا يخصني وقلبيا لن تالم للانحراف هنا انت الملام وسلطان جائر لم يدعك وحكومة ظالمة لم تسمح لك في دول دكتاتورية وغيرها, الانكار القلبي بيدك ويجب ان تنكر والمطلوب موقف بأي مستوى من المستويات, هذا بالحقيقة الخلفية السياسية للبكاء , وهناك ايضا البعد الاخلاقي للبكاء والإنسان عندما يبكي بالحقيقة تنشد عواطفه ومشاعره وأحاسيسه تجاه الحق الذي يندبه , وتجاه هذا الحق وتجاه اصحاب الحق وتجاه منهج الحق وتجاه مشروع الحق , وبنفس المستوى ينفر وينزعج من الباطل ومن الظالم , من الجائر, ومن مشروعه, ومن سلوكه, ومن مساراته, ومن الاطار الذي يتحرك فيه, فيتحول قضية البكاء إلى تولي وتبري, إلى انشداد نحو الحق والى انكماش من الباطل , هذه الدمعة تحقق لك اصطفاف مع الحق وتحقق عداء مع الباطل , ونلاحظ ان أئمة أهل البيت ( سلام الله) ومن خلال البكاء استطاعوا ان يحفظوا أتباعهم هذه الجماعة الصالحة التي تعرضت إلى ضغوط هائلة كان ممكن ان تتفكك وتذوب في القراءات والمدارس الاخرى وتضيع ولكن نتيجة منهج البكاء ومنهج الشد نحو المبدئية استطاع أئمة اهل البيت (سلام الله عليهم  ) الجماعة الصالحة   ان يضعوا جدارا صلبا يمنع من تفكك هذه الجماعة وانحلالها وذوبانها في المشاريع الاخرى,’ هذه حالة المبدئية وحالة النخوة وحالة الشيمة , حالة الانتصار للحق , وحالة الوقوف بوجه الظالم , هذه كلها إبعاد اخلاقية نحصل عليها من خلال البكاء ,

 البعد الثالث ///

البعد الروحي في البكاء , البكاء منهج , لتزكية النفس ولتطهير القلب , وليقظة الضمير , لرقة القلب التي تحصل للإنسان عندما يبكي والإنسان عندما يبكي يرق قلبه , هذه رقة القلب وتحسس لمحن والام الاخرين , وهذا منهج , وثقافة فتجد أتباع اهل البيت , وبحكم ثقافة البكاء يتحسسون للام الاخرين وينتفضون لمحنة الاخرين , ويتعاطفون مع كل قضية , أي قضية و بالعالم ترى إتباع أهل البيت اول من يهرول ويسجل موقف ويعترض ويقول ولاسيما في زماننا وشعبنا يواجه تحديات ضخمة وجراح نازفة ومحنة كبيرة لكن عينه على الآخرين في البلد الفلاني صار كذا والحقوا الناس في المكان الفلاني و( كوباني)  كذا و( سوريا ) وهكذا عيننا على الآخرين وهذه ثقافة التحسس لالام الآخرين وتعبر عن منهج ومدرسة وبعد روحي متطور حصلنا عليه نتيجة ثقافة البكاء , القران الكريم  يحدد ماهو مقابل هذه الحالة رقة القلب وهي قسوة القلب ويتحدث عن مضاعفاتها الخطيرة لاحظوا في سورة البقرة " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك " أي بعد ان تليت عليكم المعاجز ورأيتم الحق وبعد ان اكتملت الحجة عليكم , قست قلوبكم " فهي كالحجارة او اشد قسوة " هذا الإنسان لا يبحث عن حقيقة و( مقفل ) على باطل والله انزل اليه معاجز ورأى الحقيقة بعينه ولا يسمع , هؤلاء قاسية قلوبهم , في سورة الحديد " الم يان ( الم يحن ) للذين امنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله " ما رقت قلوبهم لذكر الله ؟ " وما نزل من الحق ( القران الكريم ) ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " الله اكبر , القلب حينما يقسو عن طاعة الله وامتثال امر الله " وكثير منهم فاسقون " , في سورة الزمر " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين " الضلال المبين لمن قسى قلبه, هذا البكاء يولد رقة في القلب وتعاطف ومشاعر وأحاسيس واندفاعات وتحسس للاخر , ولذلك تجد ان العين الباكية نتيجة خشية الله سبحانه وتعالى لانها تحصل على  هذا البعد الروحي تكون في مصاف العين التي تسهر في ساحات الجهاد او العين التي تغض النظر عن محار م الله سبحانه وتعالى كما في هذه الرواية عن رسول الله (ص )يرويها صاحب البحار في الجزء الثالث والتسعين " كل عين باكية يوم القيامة الا ثلاث اعين , عين بكت من خشية الله , ( التي نتكلم عنها ) وعين غضت عن محارم الله ( تنظر إلى الحرام امامك وتغمض عينك ولاتراه وتتجنب النظر إلى الحرام وهذا شيء عظيم )  " وعين باتت ساهرة في سبيل الله " اخوانكم المجاهدين الطيبين من ابناء القوات المسلحة من مجاهدي الحشد الشعبي اليوم في العديد من الساحات والساحات يسطرون الملاحم ويحققون الانتصارات الكبرى بوجه الارهاب الداعشي في جرف الصخر وبيجي وفي صلاح الدين وفي مناطق اخرى واخرى يقفون بحزم وبقوة ويحققون هذه الانتصارات, عين ساهرة , في سبيل الله هنيئا لهم

 البعد الرابع  ///

والاخير هو البعد الثقافي حينما تبكي لمظلومية , انت تحلل ماذا يعني المظلوم ومن هو الظالم ولماذا هذا المنهج منهج الاعتداء والمهتدى عليه ولماذا اصبح هذا مظلوما ولماذا ذاك ظالم ويجب ان اقف بوجه الظالم وهذه ثقافة ثقافة الاصطفاف مع الحق وتشخيصه والدفاع عن الحق والانتصار للحق والقوة والشجاعة والبسالة بوجه الظالم والمعتدي , الأمة التي تتثقف بثقافة الانتصار للحق والأمة التي تعيش منهج الوقوف بقوة بوجه الظالمين هذه الأمة لايمكن ان تهزم ولا يمكن ان تكسر ولا يمكن ان تضعف , وهذا هو منهجنا منهج الحسين عليه السلام ومنهج الثورة , منهج الوقوف بوجه الطغاة والظالمين ومنهج الانتصار للحق الحسيني في الدفاع عن الوطن وتلبية نداء المرجعية العليا والوقوف بوجه الأعداء وهذا المد الكبير وهذا الزخم الإنساني الهائل من شبابنا الابطال الذين يقفون يذبون عن الوطن ويدافعون عن أرضهم وعرضهم وكرامتهم ان هذا المنهج وان هذا السلوك سوف يستمر بإذن الله تعالى حتى نطهر ارض الوطن من أولئك الداعشيين الذين دنسوا وطننا وأرضنا بحضورهم وباعتدائهم وبإساءاتهم وبهتكهم للحرمات وقتلهم للنفس البريئة وسيعود النازحون باذن الله تعالى إلى مدنهم وقراهم وأماكن سكناهم سالمين غانمين وستنتهي هذه الحقبة الكؤود وسنذكرها في التاريخ ونستذكر هذه البطولات والشجاعة ونستذكر كيف ان النهج الحسيني وكيف إننا بالدمعة الحسينية استطعنا ان نقوى ونصمد ونثبت أمام أولئك الأعداء نسال الله ان يوفقنا لنكون حسينيين حقا في المنهج في الرؤية في السلوك والأداء وفي التعاطي وفي التعامل والتصدي وفي التحدي وفي الثبات على المبادئ.

 واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .