بسم الله الرحمن الرحيم

  

السلام يا ابا عبد الله , السلام عليك يا ابن رسول الله , السلام عليك وعلى  الارواح التي حلت بفنائك واناخت برحلك , عليك منا جميعا سلام الله ابدا مابقينا وبقي الليل والنهار , ولاجعله الله اخر العهد منا لزيارتكم , السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع) . السلام عليكم ايها المؤمنون الحسينيون اخوة واخوات ورحمة الله وبركاته .

 في رحاب الحسين وعلى مائدة سيد الشهداء كنا نتحدث عن سمة مهمة من سمات وصفات الحسين واهل بيته واصحابه (ع) كان لها الدور الكبير في تحقيق هذا الانتصار العظيم وهذه الصفة اذا ما تجسدت في الانسان في كل زمان ومكان تكون عنصرا اساسيا من عناصر النصر والتقدم والثبات والاصرار لتحقيق الاهداف والغايات المشروعة والنبيلة الا وهي سمة البصيرة فقد عرف الحسين (ع) واهل بيته واصحابه انهم من اهل البصائر وتحدثنا عن معنى البصيرة واهمية البصيرة وعن ادوات البصيرة وانتهينا للحديث الى العوامل التي تحقق البصيرة بحسب القرآن الكريم والروايات الواردة عن رسول الله واهل بيته وذكرنا ان العامل الاول لتحقيق البصيرة هو القرآن الكريم والكتب السماوية التوراة والانجيل والزبور واستعرضنا آيات من القرآن الكريم في هذا الشان ، ثم انتقلنا للحديث عن آيات الله والظواهر الكونية وكيف ان النظرة الواعية لهذه الظواهر تحقق البصيرة لدى الانسان ثم تحدثنا عن الامر الثالث وهو التسديد والرعاية الالهية وتاثيرها في تحقيق البصيرة وانتهينا بالامس في الحديث عن العنصر الرابع وهو الايمان وهو من العوامل الاساسية التي تحقق البصيرة واستعرضنا عددا من الآيات القرآنية التي تشير الىدور الايمان في تحقيق البصيرة واليوم نستعرض عددا من الروايات في هذا الشان .. في بحار الانوار ج 24 عن الحسن بن الجهم عن الرضا (ع) يساله ما وجه اخباركم بما في قلوب الناس كيف تخبرهم عما في نفوسهم وقلوبهم قال (ع) أما بلغك قول الرسول (ص) اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، اذاً الايمان يؤدي الى فراسة وهذه الفراسة تجعل المؤمن ينظر بنور الله فيكتشف ويتعرف على ما لا يتعرف عليه الآخرون وتكون له بصيرة ، قال بلا قال (ع) فما من مؤمن الا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر ايمانه ، المؤمن له هذه الفراسة ينظر بعين الله ولكن المؤمنين لهم مراتب ودرجات بقدر ما يشتد الايمان ويزداد بقدر ما تشتد هذه الفراسة والبصيرة وتتعمق اكثر فاكثر ، على قدر ايمانه ومبلغ استبصاره وقد جمع الله للائمة ما فرّقه في جمع المؤمنين ، كل مؤمن له فراسة بقدر ايمانه والفراسة التي منحها الله للمؤمنين جميعا باختلاف مراتبهم جمعها في الامام المعصوم فهو ينظر بنور الله وله بصيرة وفراسة عظيمة فيكتشف ما في قلوب الناس ويتعرف عليها ، وقال عز وجل في كتابه " ان في ذلك لآيات للمتوسمين " والتوسم هو الابصار اتوسم في فلان ان يكون كذا وكذا هذه فراسة وبصيرة ورؤية استشراف للمستقبل هكذا يفسر الامام الرضا هذه الآية الشريفة ، فاول المتوسمين رسول الله (ص) ثم علي بن ابيطالب من بعده ثم الحسن والحسين والائمة من ولد الحسين (ع) الى يوم القيامة ، اذا الايمان ودوره في تحقيق البصيرة .

 في رواية اخرى في البحار ج 10 سؤال بن الكواء من امير المؤمنين علي (ع) عن بصير بالليل بصير بالنهار رواية طويلة يقول من هو البصير بالليل اعمى بالنهار وبالعكس ولكن الوقت لايسمح باستعراض الرواية كلها ولكن استعرض هذا المقطع ، من هو البصير بالليل والنهار ، والبصير لا يعني انه يرى بعينه وانما عنده عمق نظر ورؤية ثاقبة فقال (ع) فهو رجل آمن بالرسل والاوصياء الذين مضوا ، الايمان بالرسالات السماوية بالانبياء هذا الايمان يسهم في تحقيق البصيرة ، وبالكتب وبالنبيين وآمن بالله ونبيه محمد (ص) وأقر لي بالولاية فأبصر في ليله ونهاره ، في هذا التفسير لامير المؤمنين يربط البصيرة الرؤية الثاقبة ان يمضي التانسان على بينة من امره يربطه بالايمان بالعقيدة هي التي تحقق وتوجد هذه البصيرة .

 في الكافي الشريف عن رسول الله (ص) " ما أخلص عبد الايمان بالله اربعين صباحا الا زهّده في الدنيا " يكون عمله خالصا لله لا يشوبه شرك او شائبة هذا الانسان الله يمنحه اولا الزهد في الدنيا وبصّره داءها ودواءها " يعطيه البصيرة في اكتشاف داء هذه الدنيا ، الدنيا فيها منزلقات ومنعطفات يمكن ان تاخذ بالانسان الى الهاوية وعلى الانسان ان يكتشف مكامن الخطر في هذه الدنيا لان الانسان اذا اكتشف الخطر في شيء لا يذهب نحوه والوقاية خير من العلاج ، اذا اكتشفنا داء هذه الدنيا ومضارها واخطارها سوف نتقي ونتورع عن الولوج في هذه الاخطار " ودواءها " اما اذا وقعت الواقعة ارتكب الخطأ وقعنا في المعصية ما هو الدواء كيف نعالج الافضل ان لا يمرض الانسان ولكن اذا مرض عليه ان يعرف كيف يعالج وينقذ نفسه ، هذه من الامور التي يمنحها الله تعالى لمن خلص ايمانه يعطيه البصيرة " واثبت الحكمة في قلبه " من يكون حكيما في فكره ، اطروحته مواقفه سلوكه اداءه يكون على اساس الحكمة يحقق الكثير من الانجازات " وأنطق به لسانه " الله يجري الحكمة من قلبه على لسانه فيتحدث بالحديث الحكيم وهذا كله من نتاج الايمان بالله تعالى .

 كم نحن بحاجة الى التحابب والتعايش في حل مشاكلنا و اذابة الجليد بين ابناء الوطن الواحد

في رواية اخرى عن الامام الصادق (ع) قال ما أنتم والبراءة يبرء بعضكم من بعض " ايها المؤمنون لماذا الخصومة لماذا يتكلم احدكم بسوء على الآخر لماذا لا تتعايشون ولا تتحابون لماذا كل امة تلعن الاخرى لماذا هذه الخصومات والصراعات والشجارات ، " ان المؤمنين بعضهم افضل من بعض " هناك مؤمن بمستوى وهناك مؤمن بمستوى اعلى واعلى ، "وبعضهم اكثر صلاة من بعض " هناك من يكتفي بالفرائض وهناك من يقوم الليل " وبعضهم أنفذ بصيرة من بعض " المؤمن عنده بصيرة ولكن يختلفون في حجم هذه البصيرة ، مراتب ، لكن المؤمن عنده بصيرة وهذه البصيرة تتسع وتتعمق بعمق ايمانه ، " وهي الدرجات " ولكن اذا كنت افضل من غيرك عندك التزام اكثر لا يعني ان تسيء الى الآخر او ان نستهين بالآخر لا يعني ان نقلل من قيمة الآخر ، تعايشوا تحابوا تحملوا بعضكم البعض هكذا يقول الامام الصادق (ع) اختلافكم في المراتب يجب ان لا يؤدي الى ان يتصاغر البعض في عيون الآخر ويتكبر البعض على الآخر ، كم نحن بحاجة الى مثل هذه التوصيات والتعليمات الدينية النابعة من عمق الرؤية الاسلامية المحمدية الصحيحة في حل مشاكلنا في اذابة الجليد بين ابناء الوطن والدين الواحد بين ابناء العقيدة الواحدة في دائرة المؤمنين كيف لنا ان نتعايش ونتحابب ونعمق اواصر العلاقة فيما بيننا هذه مسؤولية كبيرة كما يشير اليها الامام الصادق (ع) ،

 العامل الخامس من عوامل البصيرة .. التقوى

 التقوى تحقق البصيرة عند الانسان ، الانسان الذي يتجنب الوقوع في المعصية والذنب والرذيلة التقوى توفر للانسان الحصانة وتحقق البصيرة وبعد النظر ، في سورة الاعراف آية 199 وما بعدها " واما ينزغنك من الشيطان نزغ " اذا اصابك من الشيطان خطورات وساوس شيطانية اذا حرك فيك الشيطان النفس الامارة بالسوء ودفعك نحو المعصية والاثم والرذيلة ، اذا حرك فيك حب الدنيا والشهوات والنزوات المنفلتة وغير المنضبطة ، اذا دفعك الشيطان نحو المال والسلطة والوجاهات غير المشروعة ، اذا شجعك الشيطان لاعتماد الوسائل غير المشروعة لتحقيق الاهداف والغايات وحاول ان يبرر لك ويقول الغاية تبرر الوسيلة فيما ان المنهج الاسلامي ليس منهج تبرير للوسائل حتى لو كانت الغايات شريفة ونبيلة والوسائل يجب ان تكون من جنس الغايات ، اذا نزغ الشيطان فيك نزغ اذا وسوس فيك الشيطان " فاستعذ بالله " عليك ان تستجير بالله ان تلوذ بالله تعالى ان تسلم امرك الى الله ان تعود الى ربك ان تطلب النجدة من الله تعالى في ان ينقذك من هذه الوساوس ، الخطاب موجه لنبي ، اذاً حتى الانبياء يتعرضون الى الوساوس الشيطانية وعليهم ان يكونوا حذرين وليس احد بمامن حتى النبي المعصوم ليس بمناى عن وساوس الشيطان وهذا لا يتنافى مع العصمة ، النبي ايضا يلوذ بالله تعالى " في قضية يوسف وزليخة " همّت به وهمّ بها لولا ان رأى برهان ربه " يعني لولا ان الله تعالى يعيذه ويجيره ويسعفه في لحظة حرجة لكان يوسف يهم بالمعصية ولكن الله تعالى قدم له البرهان ونبهه فلم يقدم على المعصية ، " انه سميع عليم " الله تعالى سميع وعليم يسمع استجارتنا استنجادنا يسمعها منا وهو عليم باسرارنا وعليم بمكائد الشيطان وطريقة نفوذه واساليبه للنفوذ الى انفسنا ولتحقيق هدفه وغايته في حرفنا عن مسار الطاعة لله تعالى ، هذه الآية بنفس الاتجاه تقريبا في سورة فصلت آية 36 " واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه هو السميع العليم " هنا الشاهد " ان الذين اتقوا " الكلام مع المتقين ولم يندفع نحو المعصية " اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا " المتقي عنده مناعة وحصانة حينما يمسه طائف من الشيطان يتذكر يذكر الله تعالى ويتذكر النعم الالهية التي انعمها عليه ويتذكر العذاب الالهي الذي يتعرض له الانسان اذا ما قصر في اداء الواجب ووقع في المعصية ، هذا التذكر والالتفات بفضل التقوى يجعل للانسان مناعة وحصانة ويحفظه من الوقوع في المعصية والحرام ، لاحظوا التعبير القرآني " اذا مسهم طائف " من الطواف في الطواف نحيط البيت الحرام ونطوف حوله الخطورات الشيطانية يعبر عنها القرآن بالطائف يعني تحيط بالانسان تحيط بفكره تبحث عن منفذ حتى تنفذ اليه وتحرفه عن مساره تحاصر الانسان ولا مجال للتخلص منها والحفاظ على الثبات والاستقامة والطاعة الا بذكر الله ، تذكروا ، اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ، ذكر الله وذكر نعمه واستذكار نقمته وعقابه على المنحرفين ، وساوس الشيطان لا تنحصر بفئة عمرية معينة بل في كل مراحله ، قد يكون عنفوان الشباب والشهوة الهائجة عند الشباب تجعله بمرمى سهام الشيطان بشكل اكبر ولكن التحدي للجميع " ولا تنحصر الوساوس الشيطانية بمستوى ايماني دون آخر فالكل يتعرض لهذه الوساوس حتى الانبياء كما اسلفنا وهذا يعني ان الانسان اذا وصل في كماله فهو يتعرض الى وساوس وكيد الشيطان ، ونسال الله ان يجيرنا جميعا من زيغ الشيطان ، هذا يؤكد اننا يجب ان نتجنب البيئة الملوثة حينما تكون البيئة الملوثة ، الذنب والمعصية مثل الفايروس معدي ، البيئة الملوثة ينتشر فيها المرض بشكل سريع ، اليوم في العالم هناك امراض خطيرة بعضها مؤخرا في افريقيا اي شخص ياتي من هذه البلدان ويدخل الى اي بلد يجب ان يفحص قبل ان يدخل قد يكون حامل الفايروس كذلك في الجانب المعنوي والروحي البيئة الملوثة بيئة المعصية بيئة التحلل بيئة رفاق السوء الذين يدفعون الانسان الى الرذيلة ويشجعوه الى المعصية يجب تجنب البيئة الملوثة وكلما كان ايمان الانسان اكبر كلما كان مقاومته لفايروس المعصية اكبر ،

 كلما ابتعدنا عن البيئة الملوثة كلما حافظنا على انفسنا وديننا

 من تكون بنيته الايمانية قوية يتحمل ومن تكون بنيته ضعيفة ينساق نحو المعصية فلذلك يجب ان نوجد في انفسنا المناعة من الوقوع في الحرام ويجب ان نتجنب هذه البيئة الملوثة يجب تجنب الكتب المثيرة والكتب المضللة وتجنب وحذف الفضائيات غير المنضبطة والتي تبث افلاما لا تنسجم مع قيمنا الاخلاقية  كلما ابتعدنا عن البيئة الملوثة كلما حافظنا على انفسنا وديننا ، اذاً التقوى ثم المراقبة ثم ذكر الله تعالى هذه توجد الحصانة والمناعة والتقوى لها دور كبير في تحقيق البصيرة يكتشف الانسان حقيقة الذنب والمعصية ومآلاتها وما يتعرض له الانسان نتيجة سلوكه طرق الانحراف والضلال هذه البصيرة توجد للانسان مناعة في الوقوع بالانحراف والحرام " فاذا هم مبصرون " التقوى تحقق هذه البصيرة نسال الله تعالى ان يجعلنا من اهل البصائر وان يوفقنا للعمل الصالح وان يرزقنا المزيد من الثبات والاصرار والعزيمة في ان نمضي في طريق الحق وندافع عن الحق ونتمسك به وهذا ما فعله سيد الشهداء الامام الحسين (ع) " ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا مفسدا وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي رسول الله (ص) أريد ان أأمر بالمعروف وانهى عن المنكر " الهدف اصلاحي والهدف البوصلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر المسار تحقيق الانجاز الحقيقي في بناء دولة عادلة وبناء مجتمع على اساس القيم والمباديء في تحقيق الحرية الحقيقية لاولئك الناس والشعوب والامم ، هذا هو المنهج والمشروع الحسيني يجب ان يبقى خالدا ورمزا ويجب ان نسير في طريق تحقيق هذا المشروع ونسال الله ان يجعلنا حسينيين حقا فكرا وقولا وسلوكا واداء وان يحقق العدل الالهي بعودة امامنا المتظر الذي ياخذ بالثار لامامنا الحسين ولكل المظلومين نسال الله ان يحقق ذلك وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين .