بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب اله العالمين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين .

السلام عليك يا أبا عبد الله , السلام عليك يا ابن رسول الله , السلام عليك وعلى الأرواح التي حلت بفنائك وأناخت برحلك , عليك منا جميعا سلام الله أبدا ما بقينا وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم , السلام على الحسين , وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (ع) .

السلام عليكم أيها المؤمنون الحسينيون , إخوة وأخوات ورحمة الله وبركاته , تحدثنا في موضوع مهم ووقفة ودرس وعبرة من دروس وعبر سيد الشهداء , وقلنا أن الحسين مدرسة, مدرسة في الفكر والمنهج, وإذا أردنا أن نكون حسينيين, فعلينا أن لا نكتفي بإظهار الحزن والبكاء والعاطفة مهما كانت مهمة, ولكن علينا أن نقف عند مشروع الحسين , عند الصفات والسمات التي جعلت من الحسين نبراسا ومتراسا للإنسانية جمعاء , وفي هذا السياق قلنا نقف عند صفة وسمة من سمات الحسين وأهل بيته وأصحابه ألا وهي سمة (( البصيرة)) .

 اتسم الحسين (ع) بالبصيرة, فكانت له رؤيا ثاقبة وكان على وضوح كامل لما يجب عليه فعله, تحدثنا عن ( تعريف البصيرة)  , وعن ( أهمية البصيرة) , وعن ( أدوات البصيرة)  بحسب القران الكريم, ثم انتقلنا للحديث عن ( العوامل التي تحقق البصيرة ) , فتحدثنا عن القران الكريم والكتب السماوية ( كالتوراة والإنجيل والزبور)  وتأثيرها في تحقيق البصيرة, وتحدثنا عن الآيات وقلنا ان الرؤية الواعية للظواهر الكونية تساعد على تعميق وتحقيق البصيرة وتحدثنا عن التسديد الإلهي وانتهينا بالحديث أمس عن ( التقوى )  كعامل خامس من عوامل البصيرة كل ذلك بآيات من القران الكريم والروايات الواردة عن الرسول الكريم (ص) وأهل بيته الكرام.

 اية أخرى في تثبيت ان (التقوى ) عامل من عوامل البصيرة, قوله تعالى في سورة الأنفال الآية التاسعة والعشرين, " يا ايها الذين امنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا " هذه الآية الشريفة تشير إلى أربع آثار من آثار التقوى, من يكون متقيا , من يتجنب الذنوب والمعاصي , من يحقق لنفسه الطهارة المعنوية, بحسب هذه الآية الشريفة تتحقق له أربع آثار مهمة :

 اولها :"يجعل لكم فرقانا "

ان يصل الإنسان إلى مستوى يميز فيه الحق من الباطل , الفرقان : هو ذلك الهدى والنور الذي يمكن الإنسان من تمييز الحق من الباطل , والإنسان المتقي , يجعل الله له فرقانا : عنده قدرة في تشخيص في التمييز, في تحديد الخطأ من الصواب , في تحديد المضر من النافع, في تحديد الجيد من السيئ والرديء , في تشخيص الصديق عن العدو وتمييزه, وهذه في غاية الأهمية , الإنسان في مسيرته في الحياة, من اجل ان يحقق طموحاته , من اجل ان يصل إلى أهدافه وغاياته, تعتريه وتقف في طريقه مصدات, مطبات, عواصف , منزلقات , تلتبس عليه الأمور , لا يعرف أي طريق يتخذ , أيقدم أو يحجم, يتقدم أو يتأخر , يصادق او يعادي , يحب أو يبغض , ينفعل أو يهدأ ويستقر, يتعامل بقوة او بلين, بحزم او بلين, وهكذا في منعطفات الحياة تلتبس الامور على الانسان ولا يعرف اي موقف عليه ان يتخذ, ( المتقي ) هو الذي تكون له قدرة وتكون له بصيرة و يكون له فرقان فيميز ويختار الطريق الصحيح, وانت اذا اخترت الطريق الصحيح ضمنت الوصول إلى الاهداف والغايات النبيلة والمشروعة .

 مشكلتنا في الحياة مشكلة قرار’ القرار الصحيح ينتج نتائج صحيحه , ( الحر بن يزيد الرياحي )  تاريخه اموي وكان من قادة الجيش في حزب السلطة عند الحاكم الجائر وحينما جاء إلى كربلاء , جاء ليقطع الطريق على الحسين وهذا كان الهدف من العملية العسكرية التي ارسل اليها, هذا الحر في لحظة اصبحت له بصيرة , اصبح قادرا على التمييز , وعلى اتخاذ القرار الصحيح بعد ان شخص الصحيح , قرار صحيح نابع من تشخيص صحيح, قرار صحيح تتبعه إرادة في تطبيق القرار, اتحذ قراره وقال "أخير نفسي بين الجنة والنار " واختار الجنة على النار في ان يكون في صف الحسين (ع) , وفي الجانب الاخر ( الشمر بن ذي الجوشن)  تاريخه مليء بالمواقف والانجازات , قاتل مع علي ( عليه السلام) في (  صفين ) ,  كان يصنف على معسكر اهل البيت في تاريخه, لكن النهاية اين؟  اختار وشخص الموقف الخاطيء واختار القرار غير الصحيح, ( عمر بن سعد )  قائد المعركة , هذا ( عمر بن سعد بن ابي وقاص ) , الحسين في حواراته ذكره بانه ابن سعد ابن ابي وقاص " الا تعرفني انا الحسين انا ابن بنت رسول الله " قال والله اعرف يا ابن رسول الله أعرفك من انت , قال له " اذن لم تقاتلني  ؟"  : ( ملك الري )  عندي مصالح وطموحات , طبعا لم يبدا ببيان الحقيقة اخفي الطموح الحقيقي قال " عندي بيت سيصادر ويهدم ", قال له الحسين (ع) " انا أعوضك "  قال " عندي مزارع "   قال له انا أعطيك , قال عندي عائلة , قال انا آويهم في مكان أخر بعيد عن أعين السلطة , سد عليه الطرق وأراد أن يلقي عليه الحجة ووصل إلى ( ملك الري )  الري , ملك الري , قضية كبيرة في ذلك الوقت , قال له ," يا عمر لن تهنأ بعدي بدنيا ولا آخرة" الآخرة تذهب منك والدنيا لا تحصل عليها , بيدك أنت اختار , وتنبأ الحسين (ع) بنبوءة وصدقت فيما بعد, " قال وكأني براسك يتناوله الصبيان في أزقة الكوفة " يقطع راسك ويرمى والأطفال يأخذوه ككرة القدم يلعبون به وهذا ما حصل, ( التشخيص)  من يستطيع أن يشخص الموقف الصحيح أنجز نصف المهم’ عليه أن يأخذ القرار وتكون له إرادة في حسن التطبيق هذه بيده, هذا التشخيص , والتمييز و هو الفرقان , الله سبحانه وتعالى يمنحه للمتقين, قد يقول قائل ماعلاقة التمييز والتشخيص بالتقوى ؟ هذه قضية ترتبط بتشخيصات في الحياة وفي المواقف وتلك قضية شخصية نفسية تزكية للروح هذه ماعلاقتها , لماذا الانسان المتقي يكون لديه فرقان يكون لديه قدرة على التمييز وذو بصيرة وماعلاقة هذه بتلك, ؟ الجواب : ان الانسان بعقله وبمدركاته قادر على ادراك الحقيقة والله سبحانه وتعالى  جعل في مدركات الانسان في عقل وفكر الانسان مايمكنه من الوصول إلى الحقيقة والله سبحانه وتعالى يفتح الطريق امامه ليصل إلى الحقيقة " فلله الحجة البالغة " الله يقيم الحجة على عباده, فكيف يجازينا ويعاقبنا اذا لم يلقي الحجة علينا ,  لذلك عقل الانسان وفكر الانسان مصمم بطريقة اذا ازيحت العوائق يستطيع ان يكتشف الحقيقة ويصل اليها’ لكن نحن بسوء اختيارنا نضع الحجب  ونضع الستائر امام هذا القلب , ازح الستائر لترى الغرفة مضيئة بالشمس واذا  وضعت الستائر لا تعرف الليل من النهار,  قلبنا كذلك , بالمعصية والذنوب والشهوات والتعلقات الدنيوية غير المشروعة, بالهرولة نحو اللذات غير المنضبطة, نحو المال الحرام , نحو السلطة غير المشروعة , نحو الوجاهات غير المشروعة, هذه الهرولة, هذه الفضاءات توجد دخان يحيط بالإنسان فيعتقد انه يعيش في حالة جيدة وطيبة لكن في واقعه كل هذه التعلقات غير المشروعة الدنيوية أصبحت عائق تعيقه ان ينظر إلى الحقيقة لا ينظر لا يقيم تقييم صحيح, حينما يزاح هذا الدخان وحينما تتكشف هذه الستائر بطهارة القلب وتزكية النفس, وحينما يصبح الإنسان بقلب سليم يكون قادر ان يرى الحقيقة ويشخصها ما يعجز عنه الآخرون , هذا الإنسان يستطيع أن يراه ويقدره, يصبح عنده تقدير صحيح للموقف , تشخيص صحيح, لان أدواته أدوات نظيفة والأداة النظيفة قادرة ان توصل, مثلا عندك ناظور لكن مشوش , ( مغوش) : مضلل  لا ترى به والثاني عنده نفس الناظور لكن نظيف وعندما ينظر يرى والمتقي نتيجة لطهارة قلبه ينظر بعين ونور الله فيرى الحقيقة وغير المتقي لا يرى فتصبح عنده قدرة للتشخيص .

الامر الصحيح في الإجابة عن هذا السؤال لماذا المتقي يتمتع بالفرقان, بقدرة التمييز بين الحق والباطل , الكمال هو ما يجنح إليه الإنسان , يرغب ان يكون عالما, يكون مالكا, لمال لثروة , لوجاهة,  لتاثير,  لحركة, دائما يجنح ويرغب بالمزيد, والكمال الإنساني هو انعكاس للكمال المطلق لكمال الله سبحانه وتعالى, وعلم الانسان ومعرفته هو ليس الا اقتباس من علم الله العالم المطلق والعلم المطلق, فاذا كان العلم لله والكمال لله ونحن في حركتنا نجنح إلى ان نكون  تجسيدا وانعكاسا لكمال الله وعلمه ونقتبس من علم الله ,  فكل شيء من الله , حينذاك الإنسان المتقي هو الأقرب إلى الله وكلما كان الإنسان اقرب كلما كان اقدر على الاقتباس وتنفتح بوجهه أنوار المعارف الإلهية, فينظر بنور الله, ويكتشف ويتعرف على الحقائق , القلب كالمرآة, هذه المرآة قد تتصدع, بالغبار , بأشياء كثيرة فلا تعكس , نفس المرآة, اصقلها , ابعد الغبار والصدأ عنها تصبح مرآة كاشفة معبرة, القلب كذلك أحيانا يتصدع فلا يرى وإذا ما أزيحت عنه هذه التصدعات يصبح يرى بوضوح وتنكشف له الحقائق, لذلك التقوى تؤدي إلى الفرقان والى التمييز بين الحق والباطل , ولذلك نجد على طول الخط التاريخي في تاريخ الإنسانية ما اكثر العظماء الذي تميزوا عن غيرهم بماذا ؟ بموقف صحيح في وقت صحيح, وما الذي يميز الناس بعضهم عن بعض ؟ تشخيص مبكر, قرار صحيح, وخطوات جريئة لتحقيق القرار وتتراكم الانجازات والايجابيات, تشخيص خاطيء ينتج عنه قرار خاطيء تبعد الانسان عن النجاح فياتي فشل في فشل وتتراكم السلبيات, هذه هي القضية, ما اكثر القرارات المفصلية التي اتخذت في وقت صحيح في تاريخ الانسانية والتي غيرت من مسارات شعوب وامم, مايقوله علي ( عليه السلام) "والله لو وليتموها عليا لاكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت ارجلكم " لماذا ؟ لان ( علي )  قادر ان يشخص تشخيص صحيح, وان يتخذ قرار صحيح, وان ينفذ القرار الصحيح, فتحصل السعادة وتتراكم الايجابيات الكبيرة.

لاحظوا في سورة البقرة " واتقوا الله ويعلمكم الله , والله بكل شيء عليم" التقوى تعليم, يعلمكم الله, تنتج بصيرة, تنتج معرفة, تنتج تشخيص صحيح ودقيق للامور , في نهج البلاغة عن امير المؤمنين الامام علي (ع) " اكثر مصارع العقول , تحت بروق المطامع " : مصرع العقل, مقتلة العقل, تحت بريق المطامع, يطمع فيندفع فلايحسب للامور حسابها فلايرى الواقع بتفاصيله, فيخفق فيتلكأ فيفشل فيتراجع فينكسر’ مصرع العقل حينما ياخذه البريق , بريق الدنيا, بريق الطمع, بريق الحرص, بريق الشهوة, يصبح غير قادر على تحليل الامور بشكل صحيح ومنطقي, الجشع, الطمع, الحرص, الاحتكار, الاستحواذ , الانانية, كلها امراض قاتلة, تجعل الانسان يبتعد عن الاخرين وينعزل كدود القز. تشتغل ليل نهار تعتقد انها تعمل شيء مهم ولاتعرف انها تحيط نفسها بهذا الخيط, حتى يكتمل فتموت, ينقطع أي منفذ لدخول الهواء ويستفيد الاخرون من نتاجها لكن هي تموت وتضيع, وهي متصورة انها تعمل شيء مهم لنفسها.

(هذا الأثر الأول)

 وهو الشاهد في هذه الاية الشريفة: يا ايها الذين امنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" الله يعطيكم التمييز بين الحق والباطل ويمنحكم البصيرة, إذا اتقيتم., ان تتقوا يجعل لكم فرقانا.

 الاثر الثاني :ويكفر عنكم سيئاتكم " : الله يخفي سيئاتكم, ويمحو آثار هذه السيئات, اذا اتقيتم الله.

ثالثا/ويغفر لكم "

ليس فقط يخفي سيئاتكم بل يغفر لكم, ويشملكم برحمته, لا يعرضكم لعقوبته, قد يقول قائل ماهو الفرق بين(  يكفر عنكم سيئاتكم وبين يغفر لكم,)  بعض المفسرين ان تكفير السيئات إخفائها في الدنيا والمغفرة في الاخرة, والبعض الاخر قالوا يكفر سيئاتكم : يخفيها يعني يبعد ويلغي اثارها النفسية والاجتماعية والذنب له اثار وضعية, حينما يذنب الإنسان يترتب عليه آثار في هذه الدنيا, لايتصور البعض منا اذا كذب والعياذ بالله وعبر والناس تنسى القضية وتذهب , لايذهب شيء وكلها بها اثار وتبعات في الدار الدنيا قبل الاخرة وعليكم ان تتحمل , والمغفرة هي العفو الالهي وزوال والخلاص من العقوبة في الاخرة هذا الاثر الثالث .

الرابع والله ذو الفضل العظيم "

المتقي يترقب الجزاء العظيم الذي لا يعد ولا يحصى ولا يعرفه الا الله , لا يعرف قيمته ومقداره الا الله سبحانه وتعالى " والله ذو الفضل العظيم " اذن التقوى, تحقق البصيرة.

 لنأخذ رواية أيضا في بحار الأنوار الجزء 70 يرويها عن نهج البلاغة خطوة  81 " فان تقوى الله دواء داء قلوبكم " القلب يمرض , نحن نهتم بالإمراض البدنية, راسي تؤلمني , بطني تؤلمني, الدسم صاعد, الضغط نازل, هذه الأشياء نهتم كثيرا بها , ضربات القلب ماذا, لئلا يكون عجز وتصلب في الشرايين, الكبد والرئة, نهتم ونركض وناخذ تحاليل وأدوية (الله يقيكم شر الأمراض ) لكن هذه الأشياء تهمنا وتعنينا, مرض البدن, لكن الإنسان فيه جانب مادي ومعنوي, مرض الروح كيف هو ؟ هل نهتم به ونقف عنده, نعالجه, او لا نعالجه, التقوى كما يذكر أمير المؤمنين دواء داء قلوبكم" علاج مرض القلوب والنفوس والأرواح, علاجها التقوى, يطهر القلب , وينظف القلب , ويصح القلب , حينما يكون الإنسان متقيا, ماذا تقول الآية الشريفة في سورة(  الحج  ) " فإنها لا تعمي الأبصار " ( هذا الأمر الأخر ) " وبصر عمى أفئدتكم " التقوى تبصركم وتعطيكم البصيرة حتى لا تكون قلوبكم عمياء, "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " : القلب يعمى وليس البصر وقد ترى بعينك, ارى هذا نهار وهذا ليل وذاك قصير وهذا طويل , العين الباصرة ترى لكن عين البصيرة هي العمياء لا ترى والعياذ بالله من يزيل العمى عن القلب ": التقوى "  وشفاء مرض أجسادكم " : حتى أمراضكم الجسدية , التقوى شفاؤها, لماذا  ؟  للآثار الوضعية للذنوب , والآثار الطيبة للطاعة ,  صل الرحم تحصل على طول العمر,  فان طول العمر من الآثار الوضعية للصدقة  " ادفع الصدقة يطيل عمرك , صوموا تصحوا " اتريد صحة في البدن, الطاعة لله لها اثار وانعكاسات في البدن.

الجانب الآخر

 في كل الإمراض البدنية , الجانب الروحي للمريض له اثر كبير في سرعة العلاج وبطئه, مريض في مرض شديد لكن روحيته عالية ومقامته للمرض قوية يصمد ويتغلب على المرض,’ مرض بسيط والمريض ينهار, سأموت , بالله عليك هي حمى فقط, هذا يفقد وينكسر امام المرض, واذا عرفنا ان ذكر الله هو الذي يوجب الثقة والطمأنينة والقوة " الا بذكر الله تطمأن القلوب " سنعرف سر التقوى في شفاء أمراضكم, " وصلاح فساد صدوركم ": الصدر يفسد, والعياذ بالله, القلب والروح حينما يندفع نحو الشهوات والميول حينما لا تكون له كوابح ومصدات, يأخذه الهوى إلى المجهول إلى مالا يحمد عقباه, التقوى هي البريك والمصد, الذي توقف الإنسان على حدود معينة لكيلا يندفع أكثر من ذلك, " وطهور دنس أنفسكم ": التقوى تطهر ادران ودنس القلوب, " ان النفس لامارة بالسوء الا مارحم ربي " التقوى يستطيع ان يسيطر على نفسه, " وجلاء غشاء أبصاركم" : البصر يصبح عليه غشاوة وهذه الغشاوة لا تسمح له بالنظر , والتقوى جلاء تجلي هذه الغشاوة فينظر إلى الواقع كما هو , " وامن فزع جأشكم " : التقوى توجد رباطة الجأش وقوة في القرار, وثقة بالله وبالنفس, هذه القوة تجعل الإنسان يقف بوجه الأعداء وتجعل الإنسان قادرا على المواجهة والتحدي وتجعل الإنسان بمستوى المسؤولية في المنعطفات الخطيرة التي يمر بها في الحياة, التقوى تعطيه رباطة الجأش , وتعطيه الأمن والاستقرار والثقة .

كنا اليوم في جرف النصر :

, وتجولنا في هذه المنطقة وكانت حصنا حصينا للإرهاب على طول السنوات العشر الماضية جاءت القوات الأجنبية وخرجت وجرف الصخر موجودة ولا يتقرب إليها احد وآلاف من أبناءنا قتلوا في جرف الصخر في حمايته او في الطرق التي تمر منه, وأقولها بألم ، الكثير من أعراضنا ونساءنا وبناتنا انتهكت حرماتهن على هذا الطريق أيضا واختطفن واغتصبن وكان اليوم يتحدثون لنا بكثير من الاعترافات من هؤلاء المجرمين في الاعتداء على اعراض الناس , هذه جرف الصخر العصية , الحصن للإرهاب, وبعد انتشار خبر أنها ستكون هدفا للمجاهدين من الحشد الشعبي ولقواتنا المسلحة الباسلة, مما يجعلهم يتهيئون,  ( ليس لدينا سر بالبلد والحمد لله)  مع العلم إن أهم شيء هو عنصر المفاجأة والمباغتة للعدو, إذا كنت تطبل لأسبوعين وتقول للعدو سنأتي إليكم , سيستعد إليك أكثر ولكن هذا هو حال بلدنا , على كل حال, اجتمعت والتقيت اليوم  بقيادتهم, بهؤلاء الأبطال الشجعان الشباب, كم عددهم, كيف هي خططهم, كم المدة التي استغرقت حتى يحققوا هذا النصر العظيم وحتى يطردوا ( داعش ) بسرعة كانت غير متوقعة ومفاجئة لقياداتهم, فضلا عن الآخرين, الخطط كانت موضوعة لحرب اطول مما حصل بكثير, لكن ما الذي يجعل هذه القوة والبسالة والشجاعة التي تدفع العدو ان ينهار وان يفر او يقتل بالطريقة التي رأيناها اليوم في جرف النصر, هذه هي الثقة بالله, وهذه هي رباطة الجأش وقوة الإيمان وقوة العقيدة, الإيمان الحقيقي في الدفاع عن الوطن, الإيمان الحقيقي في التمسك بالعقيدة, الانتصار لنداء المرجعية العليا حينما دعت الشباب الابطال ان يهبوا لنصرة وطنهم ويدافعوا عن أرضهم وعرضهم وكرامتهم, هذه البسالة والقوة التي ترهب الأعداء , انما جاءت من التقوى, من الإيمان, وحقيقة كان يقرا الإنسان في عيون هؤلاء الشجعان الأبطال يقرا مدى عقيدتهم وإيمانهم ومدى تمسكهم بنهجهم ومدى استمدادهم من الحسين (ع) .

 هذه الليلة الشريفة منسوبة ل ( مسلم بن عقيل ) هذا الرجل العظيم العالم الرباني , الإمام الحسين لم يرسل ( مسلم بن عقيل )  لأنه ابن عمه, ليست هناك منسوبيات ومحسوبيات في الحق , أرسله لمؤهلاته , لخصائصه , كان عالما وكان حكيما وكان ذا بصيرة , وكان قادرا على اتخاذ الموقف الصحيح, ( لا أريد ان أطيل ) , حوار قصير جرى بينه وبين ( عبيد الله بن زياد ) والي الكوفة قبل ان ينفذ بحقه حكم الإعدام وان يرمى بجسده الشريف من أعلى قصر ( الإمارة )  إلى الأرض,  انظروا ماذا يقول له عبيد الله بن زياد , يقول " ايه يا ابن عقيل أتيت الناس وهم جمع ": أتيت للكوفة وأهل الكوفة متحابين ملتفين حول قيادتهم( حول عبيد الله بن زياد) كلمتهم واحدة " فشتت بينهم" انظروا القراءة المغلوطة المغرضة للأحداث, التصوير السيئ , واستغلال الظروف , ظروف القوة السلطوية ومسلم بن عقيل أسير بين يديه يريد ان يقرا قراءة ويفرضها على التاريخ انه كنا موحدين وانت شتت الجمع, وهو رسول فالمرسل أي الحسين هو سبب الفرقة, هو الذي فرق الناس, هو الذي خرج عن الطاعة, هو الذي خرج عن الجماعة, فهو باغي لان الباغي من يخرج عن جماعة المسلمين فيستحق قتله, " فشتت بينهم وفرقت كلمتهم وحملت بعضهم على بعض " جعلت فتنة بالكوفة وأناس تقول نعم وأناس تقول لا وأناس مع الحسين وأناس مع يزيد وجئت وعملت الفتنة , ولكن الشجاعة ( كلمة حق عند سلطان جائر ) , ماذا قال مسلم في ذلك الحال  قال " كلا لست كذلك , أتيت ولكن أهل المصر ( أهل الكوفة) زعموا ان أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر " : لم آت لأفرق"  جئت لأعالج محنة هؤلاء الناس , انا جئت أداوي جراح هؤلاء الناس , أنوا من ظلمك وبطشن في شرفائهم وصلحائهم أنت وأبوك  " لنأمر بالمعروف وننهي عن المنكر " لنأخذ الأمة إلى حيث سعادتها وليس إلى حيث تمزيقها وتفكيكها وتفرقتها ونعمل فيهم بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب ": أنت الظالم غير العادل وانت من ابتعد عن حكم كتاب الله وتحكم بشهواتك وميولك, انظروا الشجاعة لا تكون إلا لذوي البصائر حينما يقفوا ويحددوا الموقف الصحيح ويلجموا أهل الباطل بحججهم ودفاعهم وكلامهم الحق .

نسال الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا من أهل البصائر , وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.