بسم الله الرحمن الرحيم
 

السيدات والسادة المحترمون ...

احييكم اجمل تحية واشكر لكم حضوركم الى هذا البرنامج الكبير والذي ينعقد في 14 محافظة بشكل متزامن ومركزي عبر دائرة تلفازية مغلقة ...

    في  اليوم الاسلامي  لمناهضة العنف ضد المرأة علينا ان نستذكر السيدة الحوراء زينب ( سلام الله عليها ) ..  تلك المرأة العظيمة التي حولت القيود الى رمز للحرية .. وحولت الاسر والسبي الى منبر للدفاع عن الحقوق ... تلك المرأة الشامخة التي كان دخولها وسائر حُرم رسول الله من النساء وألاطفال اسرى وسبايا الى الشام في يوم الاول من صفر عام 61 للهجرة بعد استشهاد الامام الحسين (ع) واهل بيته واصحابه وقطع رؤوسهم , وهو ما دعا عزيز العراق الراحل سماحة السيد عبد العزيز الحكيم (قده) لأعلان يوم الاول من صفر يوماً أسلاميا لمناهضة العنف ضد المرأة واقر ذلك مجلس الوزراء الموقر في وقت لاحق و ما اشبه اليوم بالبارحة حيث تقطع الرؤوس وتسبى النساء ويعتدى على الاطفال ومن أناس يحملون ذات المنهج ....

يقولون وراء كل رجل عظيم أمرأة عظيمة ... وهذا صحيح في الاغلب ... ولكننا ايضا نجد  وراء كل امراة عظيمة  ارادة عظيمة وقضية كبيرة ... لقد تحولت العقيلة زينب من أمرأة الى نهج انساني تفتخر به كل نساء العالم فكان نهج المرأة الزينبية ... حيث الدفاع عن الحق والعدل ونسف قلاع الظلم والجور ....

فالمرأة الزينبية هي خير مثال على دور النساء ومكانتهن المرموقة في المجتمع والامة والرسالة والمشروع ... هنا تشكل الوعي السياسي في وقت كان الطغاة يخدرون الامة بسيل من الاكاذيب والتضليل ..... ان نموذج المرأة الزينبية الواعية هو نموذج ناضج يمثل عمق الفهم الاسلامي للمرأة وحقوقها ودورها ... ولكننا للاسف ولأسباب سياسية فوتنا فرصة عظيمة في تقديم نموذج عن الدور النسوي في الفكر والمجتمع الاسلامي ... فمن اجل ان نخفف من طغيان يزيد تم قمع النموذج الزينبي الفكري والسياسي والاجتماعي ... ان الغرب يفتخر بحركة الحقوق النسوية التي لا يتجاوز عمرها الزمني ال 60 عاماً ... ويحاول ان يقدم شخصيات نسوية ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة وحقوق المجتمع ككل .... ولكن الفكر الاسلامي المحمدي الاصيل قدم نموذجاً للمرأة السياسية الواعية الناضجة البعيدة عن الجمود والجهل قبل 1400 عام !!.... فالمرأة الزينبية لم تكن أمراة منكسرة او منطوية او جاهلة .... وانما كانت امرأة واعية وقوية ومنفتحة على واقعها وعارفة لحدودها المجتمعية ودورها السياسي .... فكانت تواجه الطغاة وتحاججهم وحولت الاسر والعنف الذي مورس ضدها الى قضية راي عام كان احد اسباب انهيار  منظومة العنف التي حكمت الامة ...

اخواتي الفاضلات ... اخوتي الاعزاء ...

    اننا نؤمن ان تكون المرأة عنصراً منتجاً في شتى المجالات .. وان حالات الجمود التي قد تصيب المرأة لا يتحملها الدين وانما تتحملها الذهنية المتخلفة لدى بعض الاوساط الاجتماعية .. واليوم نقدم خير مثال على التناقض الواضح بين ما يسمح به الدين وما يمنعه المجتمع !!...

فبالامس كانت زينب تناصر أخاها في معركة الوجود وكانت تعرف جيدا ان نهاية المعركة عسكريا ليست في صالحهم ولكنها عن وعي وقصد كانت في المعسكر وتنتظر دورها في المواجهة !!... واليوم نحن كمجتمع يواجه نفس عقلية الانحراف والظلم والارهاب ولكن كم منا يقبل ان ترافقه زوجته او اخته او بنته او امه الى معركة وهو يعرف نتيجتها مسبقا !!... وماذا سيكون ردة فعل المجتمع على عمل كهذا !!......

هذا الدليل القاطع يثبت لنا بما لا يدع مجالاً للشك ان الانطواء والجهل والتخلف هي عوارض مجتمعية وليست حالة دينية ..... ولهذا فان نموذج المرأة الزينبية هو الرد القاطع على كل من يهاجم الدين بحجة الدفاع عن حقوق المرأة ، وادعاء ان الدين يضطهد النساء .....

ان ثنائية الوجود بدأت بخلق حواء ... وقبلها كان ادم مجرد مقدمة للمشروع الانساني .... ومن هنا نجد ان المرأة هي التي جسدت عظمة الانسان وقدرته على المواصلة في مشروعه الالهي على الارض ... وان بيعة النساء للنبي محمد ( ص) هو دليل على مشاركة المرأة في المشروع السياسي منذ البداية ...... وموقف فاطمة عليها السلام من قضية سياسية محورية ومساندتها لعلي (ع) في موضوع الامامة .... وخطبة الحوراء زينب في مجلس يزيد وتقديمها الحجج التي اخرست المنطق اليزيدي الاعوج ..... كل هذه النماذج الرفيعة تقدم لنا خير دليل على دور المرأة الرئيسي والمحوري في حركة المجتمع وسياسته ومشروعه ...

هذا هو الفهم الاسلامي للمرأة وحركتها نحو الحقوق ... فاين نحن اليوم من هذا الفهم ؟.. ومن هو المسؤول عن هذا التشويه الذي حول المرأة الى سلعة تباع وتشترى او تسبى وتساق باسم الجهاد ؟... ان الارهاب الظلامي لا يكتفي بزهق الارواح وسفك الدماء وانما يمارس دوره الحقيقي في الامعان بالتشويه وتحويل الاسلام من موقف الحافظ لحقوق المرأة الى موقف المتهم في اضطهاد المرأة ...

الاخوات الكريمات ..... ألاخوة الافاضل

    اننا اليوم نواجه تحدياً خطيراً وكبيراً يهدد وجودنا كوطن وتلاحمنا كمجتمع .... فاليوم نحن نواجه عنفاً من نوع جديد يحاول ان يضيف على ممارساته الكريهة طابع الشرعية ويربطها بمفاهيم اسلامية كبيرة .... فالمجرمون الارهابيون يسبون النساء الاحرار  ويستعبدون الاطفال ويقتلون الرجال ... انها الهمجية بابشع صورها والانحراف باقصى حالاته والدموية والظلامية  باخطر مراحلها ...

ان المراة العراقية الصابرة  دفعت اثماناً باهضة نتيجة السياسات الدكتاتورية البغيضة وعدم الاستقرار السياسي على مدى الاربعين عام المنصرمة .....وكانت هدفاً غير مباشر للعنف والاضطهاد ... ولكنها اليوم هدف مباشر للارهابيين الظلاميين القتلة الذين يتسترون باسم الدين ويتباهون  بخلافتهم المريضة والتي جعلوا احد اسسها سبي النساء والاعتداء على الاعراض وهتك الحرمات ...

ان الذي يحدث في وطننا حاليا يضاف الى التراكمات التاريخية الكبيرة التي اثقلت الواقع المؤلم للمرأة  وان واجبنا الشرعي  والوطني والانساني يحتم علينا ان ننصف المرأة حقوقا وعدالة ومنهجا وسياسات ... واذا كانت الصراعات السياسية اوقفت عملية الاحصاء العام للسكان .. فاننا ندعو ومن هذا المنبر لأجراء عملية احصاء شاملة وعلمية لواقع المرأة العراقية كي نتعرف عن قرب عن حجم الكارثة الانسانية والمجتمعية التي نواجهها ... فعندما نتعرف على عدد النساء المضطهدات والمعنفات والمرملات والفاقدات للمعيل ، وعدد النساء اللاتي يعانين  الفقر والاهمال الصحي وعدد  الفتيات اللواتي لا يمتلكن فرصة التعليم ، عندها سنتعرف على حجم الكارثة المجتمعية التي لا يجرأ احد على التكلم بها والتصريح عنها ...

اننا ندعو الى حملة وطنية لاجراء احصاء خاص بالمرأة ... فالحقوق تحتاج الى معرفة والمعرفة تحتاج الى احصاء ... واني ادعو منظمات المجتمع المدني  المهتمة بشؤون المرأة الى اخذ زمام المبادرة والقيام بهذه الحملة ومساعدة الاجهزة الحكومية التي تعاني من الاجراءات الروتينية المعرقلة ... وعدم الالتفات الى الحساسيات السياسية التي قد تعرقل اي مشروع يكون الهدف منه معرفة المجتمع بحقيقة الاوضاع التي يعيشها ... وانه لمن المؤسف ان تكون وزارة المرأة وزارة دولة تنقصها الامكانيات والصلاحيات الكافية فيما دعونا كراراً لجعلها وزارة كاملة الصلاحيات لأداء مهامها الجسيمة ...

اننا نعيش في وطن هو بأمس الحاجة الى تنمية انسانه قبل اي تنمية اخرى ... ولا يمكن لمجتمع ان ينمو وفيه المرأة مكبلة ومنكسرة ومصادرة في حقوقها .. وقد يقول قائل ان التحديات كبيرة والاولويات كثيرة وان قضايا المراة ليست اولوية !! ولكننا نقول انها اولى الاولويات لاننا نؤمن ايمانا راسخا  ان بناء المواطن الصالح ينطلق من بناء المرأة الواعية ... وأن ترسيخ مفهوم المواطنة يبدأ من ترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية ..... ولن تتحقق العدالة الاجتماعية الا بأنصاف المرأة .. لانها نصف المجتمع وركيزته الكبرى ...

اليوم العراق يتمتع بحكومة جديدة مبتنية على رؤية توافقية واضحة وروحية العمل المشترك بشكل بارز وعلينا ان نستثمر هذه الفرصة لتشريع عدد اكبر من القوانين التي تصب في صالح المرأة وتنميتها والحفاظ على حقوقها ...

ونحن في تيار شهيد المحراب نعتمد في سياساتنا المجتمعية على ايماننا بقدرة المرأة على المساهمة بتنمية المجتمع والوطن .. وان الاهداف المركزية التي وضعناها نصب اعيننا تتمحور حول تحرير المرأة من الخوف والضعف وازمة الثقة بالنفس والحاجة والعوز .. لان امان المجتمعات يبدأ من شعور المرأة بالأمان ...

اخواتي الفاضلات ... اخوتي الأفاضل

    انتهز هذه الفرصة كي اتطرق لمحاور مهمة وحساسة في واقعنا السياسي الحاضر وفي مستقبلنا المشترك كوطن ومجتمع ... وادعو الاخوة والاخوات من مختلف القوى السياسية الى توحيد فهمهم وتعريفهم للمفاهيم السياسية المختلف عليها واهم هذه المفاهيم هي مفهوم الوطن !!.... فاننا لن نصل الى حالة الاستقرار المجتمعي والسياسي الكامل الا اذا اتفقنا على مفهوم واحد وواضح للوطن والتزمنا جميعا بهذا المفهوم  !!....

كما ادعو القوى السياسية للعمل بروح الفريق والمشاركة والابتعاد عن روحية الانا والاقصاء ... فقد اثبتت التجارب البعيدة والقريبة ان العراق لا يحكم بيد واحدة او فكر واحد او منهج واحد .... وان هذا قدر العراق وعلى الجميع ان يؤمن به ويعمل من خلاله ... علينا ان نوحد المشاريع في مشروع واحد كي نكسب احترام شعبنا اولا ومن ثم نكسب احترام الاخرين ... فليس مهماً ان نختلف في الوسائل ولكن المهم ان نتفق في الاهداف ... وهدفنا الاسمى هو بناء دولة عصرية عادلة قادرة على حماية شعبها وتنمية مواردها والحفاظ على وجودها... ولن نستطيع الوصول الى هذه الدولة الا اذا وحدنا مفهومنا للوطن ووحدنا المشاريع بمشروع واحد وشامل وقادر على ان يستوعب الجميع ...

ان الايمان الحقيقي بالعراق هو السبيل الوحيد للعبور الى الضفة الاخرى .. وبدون هذا الايمان لن يتحقق شيئ مهما كانت الامكانيات والادعائات كبيرة ....

ان الحرية حق مكفول للجميع وتقرير المصير ضمن سياقاته الدستورية جزء من الحرية ... ولكن التفكير بعقلية الوحدة والانصهار يجب ان تطغى على التفكير بعقلية الانفصال والتقوقع ...

ان الاجواء العاشورائية التي نعيشها تدفعنا للتذكير بالمشروع الحسيني الواعي نحو الحرية والكرامة .. فالحسين هو الرمز المشترك للشيعة والسنة والمسلمين والمسيحيين والصابئة والايزديين والعرب والكرد والتركمان والشبك لان الظلم واحد ورمز الحرية واحد .... والتضحية الحسينية هي التي منحت العالم القدرة على البقاء والاستمرار .... اننا دائما نعيش بزخم التضحيات التي يقدمها  القادة العظماء ... وان قدوتنا في الحياة لا تقتصر على الرجل وانما تمتد  لتشمل المرأة المتميزة والتي تجلت بابهى صورها بالنموذج الزينبي المتالق ...

أننا اذا ننصف المرأة فأننا ننصف المجتمع كله . وقبل كل شيئ ننصف انفسنا وانسانيتنا ومشروعنا الالهي على الارض ...

تحية للمرأة المسلمة اينما كانت ... وتحية للمرأة الأنسان على طول مساحة الانسانية ...  وتحية المجد والعز والكرامة للمرأة الزينبية التي واجهت العنف بالارادة ، وكسرت القيود بوعيها ، وتحملت مسؤوليتها وقدمت نموذجاً هو الاروع والاصدق والاكمل ...

وان  اي وطن سيبقى منكسرا مادامت نسائه منكسرات ...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .