بسم الله الرحمن الرحيم
 
 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين، السيد رئيس مجلس الوزراء ،السيد رئيس مجلس القضاء الاعل ، السيدات والسادة الكرام السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته، كلمة شكر وتقدير للأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة الثقافة ولمنظمة اليونسكو على اهتمامهم الكبير وطرح هذا الموضوع الحيوي فيما يخص  النجف الاشرف وماذا نقول في النجف وفيها مزار ومثوى نبي الله ادم (عليه السلام )  ومضجع نبي الله نوح ، أي انطلاقة البشرية بادم   والانطلاقة الثانية في نوح وفيه هو وصالح و العديد من اولياء  الله والمئات من الأولياء والصالحين وفيه مقام الإمام علي ( عليه السلام ) ، حينما نقل مركز الخلافة الإسلامية من المدينة الى الكوفة وحينما انطلق في مشروعه الإنساني الإصلاحي الكبير من الكوفة، وهكذا في تراثنا الإسلامي ان نهاية التاريخ ستتمثل في ظهور المصلح الأكبر واتخاذه من مسجد الكوفة منطلقا لمشروعه الإصلاحي  فبداية التاريخ ونهاية التاريخ والخط  مابين البداية والنهاية كانت النجف دوما مسرحا ومحطة أساسية من محطاته وهذه من الخصائص المهمة للنجف .

 طلب مني ان أتحدث عن المؤسسة الدينية في النجف الاشرف وهذا موضوع واسع لا يمكن ان نستوعبه في دقائق معدودة الا بفهرسة سريعة لهذا الموضوع .

 مانعبر عنه بالحوزة العلمية ، المؤسسة الدينية والتي اعتبرها القران الكريم عدل  الجهاد ، حينما قال في سورة التوبة بسم الله الرحمن الرحيم "وما كان المؤمنون لينفروا كافة" والنفر هنا الجهاد  ، أي ليس على المؤمنون جميعا ان يجاهدوا وكان الجهاد بمعنى القتال،  إحدى اهم المهام التي يعتمدها المسلمون في تلك الحقبة التأسيسية للرسالة الإسلامية   " وما كان المؤمنون لينفروا كافة" أي  لايذهبوا جميعا للجهاد " فلولا نفر من كل فرقة منهم ليتفقهوا في الدين وينذروا قومهم اذا رجعوا" .

وهناك نفرين ، نفر للجهاد لتثبيت الرسالة ، ونفر للتفقه في الدين لترسيخ الرسالة .

البعد التاريخي في هذه المدرسة وضع أسسها وما كان يطلق عليه بمدرسة الكوفة وضع أسسها الإمام علي (ع) وجذر هذه المدرسة الإمامين الباقر والصادق ( صلوات الله وسلامه عليهما) وكان في مسجد الكوفة 900 شيخ أي أستاذ وعالم وشيخ ويقولون حدثنا جعفر بن محمد وكان عدد الدارسين و الطلبة 7000 طالب كما يحدثنا التاريخ . وثم النجف انطلقت بحلتها الجديدة في عهد الشيخ الطوسي( رحمه الله)  في القرن الخامس الهجري حينما كان الصراع الطائفي المذهبي في بغداد على أشده في زمن السلاجقة واستهدفوا مكتبه دار العلم وهي من كبريات المكتبات الإسلامية واحرقوا مايزيد على 10000 مخطوطة من اهم المخطوطات والمؤلفات لكبار العلماء من مختلف علوم المعرفة والفنون والاداب ،من هناك كانت الانطلاقة  واحرقوا بيت الشيخ الطوسي في الكرخ في بغداد فاضطر في عام 1056 م ان ينتقل الى النجف الاشرف أي في سنة 448 هجرية ويؤسس حوزة النجف الاشرف في ذلك التوقيت ومنذ ما يقارب 560 عام إلى اليوم هذه المدرسة المعطاء مستمرة في عطاءها.

 وفي عهد الحجاج بن يوسف الثقفي خرجت احدى العشائر والاسر المضطهدة في الكوفة وهي الاشعريون انتقلوا الى مدينة قم وتأسست المدرسة الإسلامية في قم على يد هذه الأسرة ، وهكذا نجد حالة التكامل بين هالتين المدرسيتين العلميتين .
 

المواصفات العامة

الأمر الأول:

فتح باب الاجتهاد المنضبط في مدرسة أهل البيت فلا انسداد انما هناك تجديد ولكنه اجتهاد منضبط ليس على اساس الاستحسان والقياس والمصالح المثقلة وانما على اساس القواعد الدقيقة في الرجوع الى الكتاب والسنة وانضاج الحكم الشرعي في كل زمان بما ينسجم مع طبيعة التطورات التي تحصل  في المجتمع الانساني .

الامر الثاني : التزام مبدا التقليد لعموم الناس فليس من عشوائيات ومواقف مرتجلة  وليس من مزاجيات في اتخاذ الموقف وفي فهم الشريعة وانما لابد لعموم الناس ان يلجاوا الى المجتهد الفقيه وهذا مايحقق حالة من الانضباط الواقع فليس لكل شخص ان يفتي والافتاء منحصر بالمجتهد  والمحتهد الاعلم الذي نسميه بالمرجع فهناك حاالة من الانضباط الكبير في سلوك واداء اتباع اهل البيت نتيجة هذا الامر . وفي التقليد يجب تقليد الاعلم لايكتفي  بالاعم الاغلب في الفتاوى لايكتفى بان يكون مجتهدا يجب ان يكون اعلما والاعلمية لاتفرض من جهة محددة وانما شخص المقلد عليه ان يطمئن باعلمية الشخص من خلال قنوات واضحة تتمثل بالرجوع الى اهل الخبرة والمجتهدين ، او من يناهز الاجتهاد  وهذا سيعني صعوبة اختراق هذه المؤسسة حينما لايكون هناك شخصيات او فريق محدد هو الذي يعين الاعلم ، فيؤثر عليه او يضغط عليه او ما الى ذلك وتبقى هذه القضية بشكل لامركزي وبعلاقة الإنسان بربه ويجب ان ان الشخص الذي يقلده هو الاعلم ، وهذا مايفرض لنا ظاهرة تعدد المرجعية، لان الاجتهادات تختلف بين احد واخر وبين مجتهدين اختلفوا في من هو الاعلى فنكون امام ظاهرة المراجع المتعددين وهذه بحد ذاتها من صمامات الامان ، تعدد في المرجعية حتى لو وجدنا ظاهرة احيانا في الفترات التاريخية من ادعياء المرجعية أي ادعاء المرجعية شخص لاتتوفر فيه مواصفات مثل هذه السياقات لاتسمح لمثل هؤلاء الادعياء ان ياخذوا مدياتهم الواسعة  وتبقى ظواهر محدودة وشاذة تسير في الهامش والمراجع الذي يحضون بثقة كبار المجتهدين ويثق بهم الناس هم من يرجع اليهم .

 وعندنا ظاهرة المرجع العام ، والذي يفرض نفسه بشكل طبيعي ويحضى بثقة المساحة الساحقة من اتباع اهل البيت في العالم وهي ظواهر محدودة ونادرة في تاريخنا الطويل .
 

الامر الثالث : من سمات هذه المدرسة الاعتدال والوسطية ، ونجد ان هذه سمة واضحة ومستمرة على طول الخط وفي مئات السنين مع تعدد وتنوع المراجع ولكن دوما كان  هذه السمة الواضحة في مدرسة اهل البيت المنطلقة من النجف.

الامر الرابع : هو الجانب الأخلاقي والروحي ، هناك تأكيد كبير على هذا الجانب البناء الأخلاقي ، البناء القيمي مخافة الله،’ التقوى ، ولذلك نجد مايطلق عليه فقهيا بالعدالة في المرجع والاستاذ ومن يتصدى لهذه المدرسة بكل ابعادها .
 

الامر الخامس :
الاستقلالية في القرار والاستقلالية المالية هذه المؤسسة الدينية تعتبر مستقلة عن الحكومة ولاتتاثر بقرارهم ومن بيده المال بيده القرار ، ولكن نظام الخمس لاتباع اهل البيت وهو نظام لاتجبى الحكومة فيه الاموال بالقوة انما هو تطوعا لمن يخاف الله ويريد ان يقدم وهو يعني تقديم 20% من الفائض عن حاجته من ممتلكاته السنوية ومن ايراداته السنوية بمقدار الحاجة التي يحتاجها هو وعائلته في السنة ويستقطع مايزيد عليه بمقدار 20%  من تلك الزيادة تقدم للشؤون العامة والمصالح  فالحوزات والمؤسسات الدينية تدار بمثل هذه الايرادات  المالية التطوعية للمؤمنين ولاتحتاج للحكومات والملفت لاحظنا ان الإمام الخميني الذي اوجد الثورة الإسلامية والحكومة الإسلامية في ايران وكان هو قائدا لها وهو مرجع ولكن اصر على ان تبقى الحوزة العلمية مستقلة عن الحكومة وهذا مانجده في زماننا ، السيد السيستاني افتى بحرمة استلام الاموال والرواتب من الحكومة للعلماء ويجب ان يبقوا خارج هذا الاطار والميزانيات  التي تخصص لديوان الوقف  تصرف على  بناء المؤسسات والمساجد وغيرها ولاتدفع رواتب للعلماء فتبقى المؤسسة الدينية بمعزل عن التاثير المباشر .

الامر السادس : الاهتمام بالجانب الاجتماعي والسياسي وبالهموم العامة للامة  دون الدخول كطرف  منافس وفي صراعات داخلية فالمرجعية ليست كيان سياسي تنافس الآخرين وانما ، لها الابوة والرعاية للمصالح العامة للامة ومتى ماشعرت بالخطر في هذه المصالح في هذ المصالح تتخذ الموقف وبدون ذلك تترك الامور للفعاليات والكيانات السياسية .
 

الأمر السابع : عالمية هذه المؤسسة وتجاوزها للاطر الجغراقية والمناطقية والقومية وماشابه لدينا اليوم في العراق وفي النجف الان مراجع اربعة ، احدهم ذوي اصول عراقية واخر ذوي اصول ايرانية واخر ذوي اصول باكستانية ورابع ذوي اصول افغانية  اذن ليس الانتماء القومي مؤثر في عملية التقليد بقدر ماهو المعايير الموضوعية التي يجب ان تتوفر .
 

اركان هذه المؤسسة :

المرجعية الدينية وهي رأس الهرم وهناك دقة متناهية في عملية الاختيار ومعايير موضوعية لايمتلك قرارها شخص محدد وانما كل من المؤمنين يجب ان يحرز هذه المعايير ويتاكد منها بنفسه مما توفر مستوى عالي من الحرص على عدم اختراق هذه المؤسسة وهذا الموقع السامي .

 الشروط والمواصفات الدقيقة التي وضعت في المرجعية :
الركن الأول : ان يكون اعلم والمجتهدين والفقهاء من العدالة والاستقامة في التعامل باعلى المستويات من القدرة على الفهم والتعاطي مع الواقع المجتمعي والحياتي ومواجهة التحديات وتقديم الحلول القضايا الكبرى للامة والتي يعبر عنها في الرسائل الفقهية في العديد من التعابير والشروط وبشترط ليس توفر هذه الامور عندما يكون المرجع عندا يتم اختيار المرجع انما يجب ان تبقى هذه المواصفات موجودة على طول الخط ففي أي لحظة يفقد المرجع صفة الاعلمية او العدالة او ماشابه ذلك فعلي المقلدين ان يقلدوا سواه.

 

الركن الثاني :  هم الاساتذة والباحثين وكبار العلماء ويشترط بهم نفس هذه المعايير من العلم والعدالة والتصدي وما الى ذلك بمستوى الذي يتصدون فيه.

 

الركن الثالث :  هم طلبة العلوم الدينية ... حيث هناك اهتمام وافر بالبعد الاخلاقي والتربوي والديني والتقوى والورع المطلوبة في هؤلاء وفي الجانب العلمي هناك وسائل وطرق تتميز بها  المدرسة  الدينية في النجف وطلابها من ضرورة التحضير قبل الدرس والتركيز عند الدرس وكتابة الدرس بعد الدرس والمباحثة مع الزملاء في الدرس الذي تعاطوه وتدريس المادة بعد الانتهاء من أي كتاب وتصوروا الطالب الذي عليه ان يدرس مادة يدرسها الان ما ان ينتهي منها حتى يكون استاذا فيها هذا يجعله يركز بشكل كبير فلذلك نجد العمق العلمي سمة واضحة في طلبة العلوم الدينية .

الشعور بالمسؤولية تجاه الامة "ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم " اذن الهدف الاساس هو العودة الى الامة وتقديم الخدمة للامة .

 

الركن الرابع :   هي المناهج الدراسية وهي خاضعة للتطوير لا التجديد بحسب طبيعة الظروف واافة عدد من المعارف عليها .

 

الركن الخامس : المدارس والمعاهد العلمية التي نجدها في النجف او في العراق في مناطق اخرى من العالم وكلها ترتبط بهذه المنهجية وبهذه الثقافة والسياقات التي يتم تداولها في عمل المؤسسة الدينية في النجف .
 

الركن السادس : الوكلاء والمعتمدين وهم اشبه مايكون بالسفارات والقنصليات والوكيل بمثابة السفير حيث انه يمثل المرجع في شؤون دينية واجتماعية وفي استلام الحقوق الشرعية الى ما الى ذلك ، والمعتمد مستوى اقل من ذلك قد يكون اشبه مايكون بالقنصليات في الاداء السياسي .

 

الركن السابع : هم الخطباء والمبلغون وتاثيرهم الكبير في الارشاد وانزال المعلومات العلمية الى مستوى يفهمه عامة الناس وتثقيف الامة بشكل عام .

 

الركن الثامن : هي المساجد والحسينيات والمراكز الإسلامية والهيئات والمواكب والتي تمثل المواقع التي يتم فيها البناء الاخلاقي والروحي للامة .

 

الركن التاسع : هي مؤسسة الشعائر الحسينية ، واعبر انها مؤسسة لان فيها سمات المؤسسة المتكاملة وهي تحتاج الى ندوة مستقلة والى بحث تفصيلي في اهدافها وفي مساراتها وفي اطارها وفي تنوعها ، في طبيعة توزيع الادوار في هذه المؤسسة ، المتكاملة حينما نجد في الاربعين يخرج 20 مليون بجهد طوعي وبامكانات طوعية وتقدم لهم خدمات كبيرة من قبل الناس والمواطنين في هذه الظروف ، عملية الاستنفار والتعبئة والحضور والرعاية والاهتمام لم تات وليدة لحظة او مشاعر عابرة وانما جاءت نتيجة ثقافة وسياقات وتوزيع دقيق في الادوار وتكامل بين منظومة واسعة من الحلقات حتى نجد هذا الاداء يظهر على الارض وبهذه الطريقة لتكون هذه المسيرة اكبر مسيرة يشهدها التاريخ الانساني على الاطلاق ، بما فيها من ابعاد اجتماعية وروحية واخلاقية وسياسية وغير ذلك وهي تحتاج ان نفرد لها بحثا خاصا هذه هي الاركان التسعة في المؤسسة الدينية ولابد من مزيد من البحث والدراسة لهذه الابعاد وتفاصيلها ولم يسع المقام الا ان نفهرس لعناوينها تاركين التفاصيل لمناسبات أخرى .

اعتذر من الاطالة وشكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .