بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد (ص) وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين الميامين ...

أصحاب الفخامة والدولة والسيادة والمعالي والسعادة ... أصحاب السماحة والفضيلة والنيافة ... السيدات والسادة .... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .... وأهلا ومرحبا بكم في رحاب شهيد المحراب وفي ذكراه العطرة وذكرى شهداء العراق كافة في (( يوم الشهيد العراقي ))..

إن الشهادة هي من تختار رجالها وتتوجهم في لحظة زمنية خاطفة، كي يبقوا عناوين شامخة في ذاكرة شعوبهم وفي ذكرى أوطانهم ..

هكذا القادة الشهداء يغادروننا ونحن على الضفة، وكأنهم يأبون أن يتركوننا وسط أمواج البحر المتلاطم نصارع المجهول .. يقاتلون من اجل المشروع، فيتحولون هم إلى مشاريع إنسانية كبيرة تهتدي بها شعوبهم وتفتخر بها أوطانهم ..

انهم القادة الذين لا يتوقفون عن تعليمنا حتى اللحظات الاخيرة، فيعلموننا كيف نموت بعظمة، وكيف نجعل لحظات الوداع مدوية في ضمائر الشعوب المتطلعة نحو الحرية والكرامة ..

ان سقوط جسد الشهيد والتحامه بتراب الوطن يواكبه عروج الروح كي تتوج مسيرة العطاء والجهاد والعمل ..

لقد تعلمنا من شهيد المحراب كيف تكون الاستقامة والمثابرة .. فلا مجال لليأس والأحباط ... وكيف نحمل الإيمان في صدورنا ... فلا مكان للتردد والتخبط ... وكيف نكون وطنيين بدون تعصب ومبدئيين بدون اقصاء واصحاب مشروع يجمع كل التلاوين ...

تعلمنا منك سيدي شهيد المحراب كيف يكون الصبر سلاح الاقوياء ..

وكيف يكون الاحتواء علاجا لضيق المساحات .. والتواصل منبعاً للتكامل والتعايش ...

تعلمنا كيف تتحول الرؤية الى منهج ... وكيف يكون التوازن اساس النجاح ..

تعلمنا من قائدنا ان لا نساوم على العقيدة وان ننحني امام قيمة الوطن ..

وان نكون رساليين مرجعيين عاملين مثابرين ..

سيدي الحكيم؛ اليوم يتذكرك العراق .. ويتذكّر شهدائه من خلالك ... ويفتخر بك اتباعك ومحبوك .. ويستقي منك القادة كيف يكون التواضع حتى في الشهادة ..

 فنم قرير العين فقد كرّمك الله بالشهادة .... على يد الحاقدين الذين تصوروا انهم يغيّبوك بالقتل ، ونسوا اننا قوم ننتصر بالشهادة وننطلق من الموت نحو حياة ابدية .. " فالقتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة " ....

ايها السادة والسيدات المحترمون ..

ان اجتماعنا اليوم لهو دليل على حجم التضحيات التي قدمناها في طريقنا الطويل نحو تحرير الوطن من براثن الدكتاتورية المقيتة .. واننا نجتمع كي نكرم شهدائنا ونستلهم منهم الدروس والعبر ... فالأوطان تنمو بدماء الشهداء وتزدهر بأفكار رجالها المخلصين ..

ان شهيد المحراب كان المثال والقدوة للرجال الذين ساروا على طريق الحق الشائك فما استوحشوه لقلة سالكيه وما تراجعوا امام شراسة العدو ودمويته ... ان هؤلاء الافذاذ كان ايمانهم اقوى من معاناتهم، وثقتهم بالله وبشعبهم وبأنفسهم اعظم من سطوة  الطغاة الذين ارادوا استعبادهم ... لانهم آمنوا ان الحرية هي مشروع الانبياء وهي رسالة الله الكبرى على الارض ..

ان شهيدنا الخالد كان يؤمن بهذا الوطن ووحدته وشعبه ... ويؤمن برسالته العقيدية ... وإسلاميته الفكرية والحركية التي تعكس انسانية الاسلام وعظمته ...

لقد قاتل شهيد المحراب الطغاة بالفكر والسلاح والدم ، لأنه ادرك ان معركة الخلاص طويلة وقاسية ومفتوحة ... وان نهوض الامة بإسقاط الدكتاتورية والانتصار لإنسانية هذا الشعب واستعادة كرامته المهدورة ..

فكان اسلاميا لكل الاديان ... ورسالياً لكل الطوائف ووطنيا بسعة مساحة الوطن ... فكان للعراق والعراقيين جميعاً ...

وكان قائدا بعمق التربية الاسلامية والحركية التي تلقاها .. وحركيا بسعة المرجعيات التي ذاب فيها وتفاعل معها ..

فمن مرجعية الامام السيد محسن الحكيم تعلم الانفتاح على المجتمع والوسطية في التفكير والاحتواء في التعامل ... ومن مرجعية الامام الشهيد الصدر تعلم الحركية في المجتمع والتواصل مع الاخر وصهر النخبة في حركة الجماهير المؤمنة .... ومن مرجعية الامام الخميني تعلم كيف تنهض الاوطان من ركام المحن وكيف للقادة ان يحولوا شعاراتهم الى واقع تعيشه شعوبهم وكيف تستعيد الحاكمية الاسلامية مكانتها على صعيد الدولة والمجتمع على حدٍ سواء ... فكان ابن المرجعيات و رائد الحركة الاسلامية الناضجة الواعية وصانع نهج مميز ، اسس له بالعمل والمثابرة والجهاد، وجذره بشهادته في محراب صلاته ، فكان تيار شهيد المحراب هو المعبر عن نهج مرجعي ورؤية قائد وسياسة زعيم ...

ايها السادة والسيدات الكرام ...

بهذه الروحية عمل السيد الحكيم وبهذا العنوان استشهد، فكانت النتيجة الطبيعية ان نواصل المسير على نهجه ونتمسك برؤيته ونرفع رايته عاليا لأنها تمثل الراية الوطنية العراقية الخالصة والايمان الكبير  بهذا الشعب العزيز ..

وبنهج الاباء المؤسسين عمل شهيد المحراب على تنشئة جيل رسالي وطني يؤمن بالمشاركة والتضحية والايثار ... فكان عزيز العراق امتدادا لشهيد المحراب ومنهجه الاحتوائي الوسطي المتصالح مع الاخر والمتسامح مع المختلف من اجل الوصول بالعراق الى بر الامان ... فعمل عزيز العراق مع اخوانه من القيادات العراقية وبرعاية المرجعية الدينية على بناء اساسات الدولة العراقية الجديدة في ظل الظروف الصعبة والتحديات الكبيرة واتخذ القرارات الشجاعة وعبر المنعطفات الخطرة ولم يستمع لأصوات المشككين والمترددين لأنه كان يعرف جيدا حدود الطريق الذي يسلكه وكان يدرك برؤيته الواضحة مديات الاهداف التي يسعى اليها ، ومطمأن لوضوح المنهج الذي يتبعه ... فعمل مع الجميع دون تقاطع وقدم مصلحة الوطن على العناوين الاخرى وكان يعمل للمشروع الرسالي في اطاره الوطني ،مع احترام الخصوصية العراقية وطبيعة التنوع والتكامل في الوطن العراقي الكبير ...

ايها السادة والسيدات المحترمون ...

ان تيار شهيد المحراب يستلهم هذه القيم الكبيرة من منهج قادته المؤسسين فيتبع اثرهم وينشد ابجدياتهم في صناعة وطن حر وكريم يجمع كل العراقيين ، ويُردد خطاباً وطنياً ناضجاً وواعياً وجامعاً يعمل على تجاوز المساحات الضيقة الى مساحة الوطن الاوسع ..

ان العراق اليوم ينزف الما و دماً ، وارضه يدنسها الارهاب الاسود، وحرائره تنتهك باسم الدين المحرف على يد ابناء آكلة الاكباد !!... هذه الفوضى التي بدأت ولم تنتهي بعد وهي تغير من اساليبها واسمائها، ولكن جوهرها ومصدرها واحد ، حيث الاسلام المغتصب على يد عصابة ارهابية تتستر خلف الأسماء الرسالية المقدسة فتعلن عن خلافة الجهل والارهاب والسبايا !!!...

ايها السادة والسيدات .... العراق يناديكم ، وعلينا ان نلبي النداء ونحمي الوطن ونصون العرض ونسحق ادعياء الخلافة المنحرفين ....

فاليوم ليس وقت الاختلاف والانقسام والتشرذم وفتح جروح جديدة في خاصرة الوطن !!...

اليوم نحن جميعا امام مسؤولياتنا التاريخية في ان نكون قادة على قدر اسم العراق ؟!..

وان نتحمل مسؤوليتنا امام الوطن والتاريخ والاجيال القادمة ... فالعراق ينزف دماً ... وكل الدماء غالية ما عدى من خان العراق والاسلام واعلن خلافته المزعومة .....

اليوم علينا ان نعض على الجراح ونحمل السلاح وننظف ارض العراق من شذاذ الآفاق !!..

فليس هذا وقت عتاب الوطن او الانتقام منه !!... وليس هذا وقت الحسابات الضيقة والمشاريع الشخصية ... ووجودنا ووطننا وجذورنا مهددة ....

ان الساكت عن الحق شيطان اخرس ... وعلينا ان نكون واضحين صريحين فلا مجال بعد اليوم للغة التشفير والتلميح امام جراحات هذا الوطن المنتهك ...

لقد تنادى ابناء العراق الغيارى لنداء مرجعيتهم ووقفوا سدا منيعا امام طوفان الغدر والارهاب والفكر المنحرف ... وسقطت القامات العالية على تراب هذا الوطن العزيز وثكلت الامهات بفلذات اكبادهن وهن يزفن الشهداء بعمر الورود ... ولكن العقيدة والوطن يستحقان كل هذه التضحية ...

ايها السادة والسيدات الافاضل ...

ان معركتنا اليوم هي معركة العراق الحاسمة .. فلقد طال المخاض لولادة هذا الوطن من جديد وحانت ساعة الحقيقة ... فإما ان يولد عراق من قلب صرخات الالم كي يعلن ميلاد امل جديد، او نتخلى عن العراق فيتخلى عنا ونكون بلا وطن ولا جذور ولا هوية ...

علينا ان نكون جميعاً بحجم جراحات هذا الوطن ولا نتوقف عند العناوين الصغيرة .. فلنحرر العراق من دنس الظلام والارهاب والانحراف ولنحفظ لرجالنا الاشاوس كرامتهم وهم يدافعون ويسقطون في سبيل استعادة الحق العراقي المغتصب ... ولنتعلم من تجاربنا المريرة الدرس الاصعب وهو ان الاوطان لا تبنى بالتمني ولا تصمد بالادعاءات وان دماء الشهداء هي وحدها الحقيقة الناصعة والصادقة والناطقة بقيمة الوطن ..

ايها السادة الاعزاء ...

ان عراقنا اليوم هو في قلب معادلة جديدة تصاغ لمنطقتنا ... وان قطار التغيير الذي انطلق من بغداد قد عاد اليوم ليستقر فيها ... فرياح التغيير الربيعية انقلبت الى عواصف رملية انعدمت فيها الرؤية السياسية وضاعت فيها الاتجاهات ولم تعد الحدود ثابتة بل تحولت الى رمال متحركة وملتهبة !!...

انه شرق اوسط جديد يراد له ان يتشكل وقلب هذا الشرق الاوسط هو عراقنا الجريح .. انه قدركم ان تكونوا في مواقع المسؤولية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق والمنطقة .... وهو قدر العراق ان تكونوا أنتم قادته في هذه الظروف ... وسيكون التاريخ شاهدا وشهيداً عليكم ... وعلينا ان نعرف قيمة ما نملك قبل ان يضيع من ايدينا والى الابد ...

فمن العراق انطلقت الفوضى الخلاقة ومن العراق يبدأ الاستقرار ... هذا هو قدرنا كوطن الأنبياء والائمة والتاريخ والحضارة .. وعلينا ان ندرك لعبة التوازنات الجديدة ونتقن مبدأ احترام المساحات وطنيا واقليميا.. ونجعل من العراق نقطة للتواصل والالتقاء لا ساحة للتقاطع والصراع ..

انها مسؤولية تاريخية كبيرة يضعها شعبكم امامكم حيث اعادة بناء الدولة العراقية المنهكة وقبلها تحرير التراب العراقي المغتصب ارهابيا ... وحماية هذا الشعب الصابر الذي لم يبخل يوما على وطنه بالتضحية والصبر ...

تحية لشهداء العراق بالأمس واليوم ....تحية لشهداء الانتفاضة الشعبانية المباركة عام 91 ... تحية لجبال كردستان التي تخضبت بدماء مقاتلي الحرية ... وتحية لمياه الاهوار التي اختلطت مع دماء المجاهدين ... تحية لشهداء سبايكر وبادوش والبو نمر المظلومين ... تحية لشهداء الجيش والشرطة والحشد الشعبي وابناء العشائر والبيشمركة من ابناء قواتنا المسلحة المدافعة على الوطن والدين ... تحية للمحراب المخضب بالدماء ... تحية للمرجعية الشهيدة ولا سيما الشهيدين الصدرين وشهيد المحراب وعزيز العراق.. تحية للمراجع العظام والمرجع الاعلى الامام السيد السيستاني (دام ظله) وتحية لكم ايها الاخوة والاخوات وأسال الله ان نلتقيكم وعراقنا منتصر ببركة دماء الشهداء وتضحيات القادة الكبار ...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .