بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الاخوة والاخوات ... السيدات والسادة الحضور ..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

احييكم اجمل تحية واشكر لكم حضوركم ومساهمتكم في انجاح هذا المؤتمر ، وابارك لكم ذكرى ولادة سيد الوصيين وامير المؤمنين الامام علي عليه السلام كما وابارك لكم ولجميع عمالنا الكادحين يوم العمال العالمي ....

أتمنى ان يحظى مؤتمركم هذا بمكانة خاصة وأضافة نوعية ... لأنه يعقد في ظروف استثنائية على مستوى الوطن العراقي والمجتمع العراقي ....

لقد عرف عنا كعراقيين اننا اول من أسس المدنية في العالم ... والمدنية هي الأساس لنشوء الحضارات ... فنحن كشعب متجذر في أعماق التاريخ اول من انشأ الحضارات المدنية والمجتمعات المستقرة ... والمائز الكبير والاساس بين المدنية من عدمها هو الاستقرار !!... فبدون استقرار لا يمكن  للحضارة ان تنشأ وللمدنية ان تتكون ...

واليوم العالم الذي يحيط بنا يفتقد للاستقرار .... وعراقنا المنهك من أزمات التاريخ والحاضر يفتقد أيضا للاستقرار .... وعندما يغيب الاستقرار تكون المدنية في خطر وتبدأ الحضارة بالتفكك ...

أيها الاخوة والاخوات ....

انتم اليوم بصفتكم قادة منظمات خدمية إنسانية في المجتمع المدني فانكم اول من يتحسس حالة عدم الاستقرار وتأثيرها على مدنية مجتمعنا ومن ثم حضارتنا ووطننا ووجودنا ... ومن هذا المنطلق أتكلم معكم اليوم بحقيقة المشكلة وجوهرها ... وهو انعدام الاستقرار في وطننا وعلى مدى عقود طويلة من الزمن !!...

ان للاستقرار معان واتجاهات متعددة ولكن جوهره واحد .. فقد يكون استقراراً سياسيا او امنيا او اقتصاديا، ولكنها تبقى عناوين متعددة لمفهوم واحد فاذا ما غاب الاستقرار غابت عنا المدنية ...

ان مجتمعنا العراقي يعاني من ضغوط كبيرة ومتواصلة وان هذه الضغوط الناشئة من أزمات متعددة قد اثرت على كامل مفاصل المجتمع وتوغلت في جذوره العميقة .. ونحن اليوم مازلنا نصارع توابع هذه الضغوط والأزمات ...

فمنذ منتصف الخمسينات ومجتمعنا يعاني من عدم الاستقرار السياسي، وهو بدوره أدى الى نوع من عدم الاستقرار المجتمعي .... فعندما يهاجر جزء من الشعب بحثاً عن الحرية وهربا من الاستبداد فأننا نعود الى مرحلة البداوة المجتمعية ... وهنا اسمحوا لي ان أطلق عليها البداوة السياسية !!... حيث الخوف الدائم والبحث المستمر عن الأمان .... وفي رحلة البحث عن الأمان نفتقد الاستقرار !!....

في علم الاجتماع السياسي يقولون هذا مجتمع مدني مستقر ... وهذا مجتمع غير مدني غير مستقر او بدوي بالمفهوم العام !!..... إذا الاستقرار هو الفاصل ....

منذ 60 عاماً ومجتمعنا يعاني من عدم الاستقرار وان كان بنسب متفاوتة ... وفي ال 25 عام الأخير فان مجتمعنا دخل في مرحلة المعاناة المجتمعية الناتجة من عدم الاستقرار ...

فملايين المغتربين هاجروا الى خارج حدود الوطن بحثا عن الحرية والأمان السياسي والاقتصادي .... وملايين من المحتجزين داخل حدود الوطن سجنوا خلف اسوار الدكتاتورية المقيتة وبعدها أصبحوا محتجزين وسط صراعات الفوضى والإرهاب !!...

مئات الالاف اصيبوا بالاعاقة نتيجة الحروب العبثية والعنف الجسدي في السجون القمعية ونتيجة الاعمال الإرهابية الاجرامية ...

مئات الالاف من الايتام، والارامل، والأسر التي تفككت نتيجة الصراعات والأزمات وتبعاتها المباشرة وغير المباشرة ...

وملايين من المواطنين الذين عانوا من اضطرابات نفسية وسايكولوجية حادة نتيجة العيش تحت الضغوط لفترة طويلة ومستمرة ...

وفق كل هذه التحديات المجتمعية يأتي تحدي الإرهاب المنظم كي يضيف صخرة أخرى الى جبل الازمات!!..

أيها السيدات والسادة ...

انها ليست صورة مأساوية او سوداوية أحاول ان استعرضها لكم .. وانما هو الواقع الفعلي الذي نعيشه جميعا ... وبما اننا تقدمنا الصفوف وتحملنا المسؤولية وقدمنا أنفسنا لشعبنا على اننا أصحاب رؤية ومشروع فعلينا ان نكون مدركين لواقعنا ومتفهمين للمشاكل والتحديات التي تواجهنا، وكيفية معالجة هذه المشاكل وتجاوز التحديات ...

انكم بصفتكم قادة لمنظمات المجتمع المدني عليكم ان تدركوا جميعا ان التحديات التي نواجهها اليوم هي الأخطر والاشد شراسة على مجتمعنا ومدنيتنا وحضارتنا ووطننا منذ 100 عاماً ...

نعم اننا اليوم نقف امام تحدي وجودنا كمجتمع ووطن ودولة ولسنا في مواجهة مشكلة سياسية عابرة او ازمة مجتمعية مؤقته ... اننا امام تحدي وجود وأزمة مصير ومستقبل مجتمع ...

وانتم يامن تمثلون نخبة القوى الخيرة والمؤثرة في المجتمع المدني فأنكم اكثر من غيركم تدركون كم هو صعب ان تعيش دولة بدون مجتمع  ... وكم هو مستحيل ان يعيش مجتمع بدون مدنية ... وكم هو قريب من المستحيل ان تكون هناك مدنية من دون استقرار ...

واليوم نحن العراقيون معركتنا مع الإرهاب ومع ازماتنا وافكارنا وأيديولوجياتنا المختلفة كلها تتمحور حول مدنيتنا المجتمعية وقدرتنا على البقاء ككتلة واحدة قوية تسمى شعب العراق تنتج امة عراقية وتبني دولة عصرية عادلة ....

هذا هو ملخص رؤيتنا السياسية والمجتمعية لما نؤمن به على انه عراق ووطن ومجتمع عراقي ..

أيها الاخوة والاخوات ....

هذه اللحظة في حاضرنا هي فصل طويل سيغطي مساحة واسعة من تاريخنا ونحن جميعاً المسؤولون عن نتائج هذه اللحظة ...

أنتم كقادة منظمات في مجتمع يصارع من اجل الحفاظ على مدنيته ... ونحن كمؤمنين ومتصدين للسياسة نعمل بالتزامنا الشرعي والإنساني والوطني من اجل حماية الوطن وإنقاذ المجتمع وبناء الدولة ...

اذا نحن من يتحمل المسؤولية التاريخية في الحفاظ على هذا الوطن ووحدة شعبه وارضه وهو يتعرض لأشرس هجمة في تاريخه الحديث، تهدد وجوده بالصميم ...

واليوم علينا ان نناقش كيف نعيد تحفيز المجتمع كي يستعيد المبادرة ويمتلك عوامل الدفاع والصمود الذاتية .... علينا حماية المجتمع من نفسه ومن انقساماته وازماته ... وعلينا ان نصارح مجتمعنا بالأمراض التي تعتريه والأخطار التي تهدده والتحديات التي تواجهه ...

علينا ان نشرح لمجتمعنا خطورة الجهل والامية وعدم الاستقرار والانغلاق والتعصب ..... وان الاخطار التي تواجهه يتقدمها الإرهاب والطائفية والمناطقية والعنصرية والمصالح غير المشروعة للآخرين داخل الوطن .. وان نحدد له التحديات التي عليه ان يواجهها كي يكون مجتمعا ناجحا يستطيع ان يبني دولة عصرية عادلة . ومن اهم هذه التحديات هي العدالة والتنمية السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية وتنظيم عملية توزيع الثروة وترميم هياكل الدولة بعيداً عن البيروقراطية ومكافحة الفساد والقضاء عليه...

أيها الاخوة والاخوات ....

عندما نشخص الاعراض فأننا نتمكن من تحديد المرض وعندها نقدم الحلول .. ومسؤوليتنا نحن كقادة مجتمع ان لا نكتفي بشرح المشاكل وانما علينا تقديم الحلول.

انني ومن مؤتمركم الموقر هذا ادعو الى انشاء هيئة مستقلة للتعاطي مع منظمات المجتمع المدني ... لتكون بمثابة " الهيئة الوطنية العليا للمنظمات المجتمعية " ... حيث تنسق الأدوار وتناقش البرامج وتقيم المؤتمرات الدورية وتساعد المنظمات على القيام بدورها المجتمعي كل  في مجال اهتمامه وتقيم العلاقات الدولية بهذا الخصوص وتطلب المساعدات المادية والمعنوية من الدول المتقدمة في هذا الشأن وتنشئ مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة بالدراسات المجتمعية ورصد الظواهر الخاصة والعامة في المجتمع وتقديم الحلول والمقترحات للمؤسسات الحكومية والتشريعية ...

ان التخصص أساس النجاح والاستمرارية ... وعليه فان " الهيئة الوطنية العليا للمنظمات المجتمعية " ستكون متخصصة بهذه المنظمات ومتفهمة لطبيعة عملها وخصوصيتها وهامش الاستقلالية التي تعمل بها، كما تتعرف بشكل اوضح على احتياجاتها وكيفية مساعدتها ...

اننا بحاجة ملحة الى تنشيط المحركات القادرة على التأثير في المجتمع وتحفيزه ومنظمات المجتمع المدني من اهم هذه المحركات وأكثرها فاعلية ...

أيها الاخوة والاخوات ....

ان مجتمعنا اليوم امام مرحلة مصيرية وعراقنا امام تحدٍ مصيري ... ومعركتنا مع الإرهاب معركة وجود وحضارة ومجتمع ...

فالإرهاب لا يؤمن بالمدنية ولا بالعدالة ولا بالمجتمع المتوازن وانما يؤمن بالإقصاء والاستعباد والقهر الفكري والجسدي والإنساني ... هذا الفكر المنحرف المريض الذي يختصر نتائج معاركه بالسبايا والغنائم ويرسل رسائله الى المجتمعات وهي تقطر دما بريئا ويعتمد على ثقافة الخوف والهلع والإرهاب لكي يزعزع الاستقرار النفسي للمجتمع ...

انه إرهاب مدروس ومنظم ويجيد استخدام ادواته الشيطانية وهو ليس نتاج شرذمة من المعتوهين والمنحرفين وانما نتاج مؤسسات امنية محترفة وله استراتيجية مدروسة ...

ومسؤوليتكم كقادة مجتمع مدني هو تفكيك هذه المعادلات الإرهابية للمجتمع فمتى ما عرف المجتمع حقيقة عدوه فانه يصبح أكثر قدرة على الدفاع والصمود ...

أيها الاخوة والاخوات ...

اسمحوا لي ان انتهز هذه الفرصة الكريمة معكم كي اتطرق الى بعض المحاور السياسية الملحة داخليا وخارجيا.

ان أكثر الاخبار المزعجة التي وصلتنا خلال الأيام القليلة الماضية هو خبر مشروع قرار في الكونغرس الأمريكي يطالب بالتعامل مع العراق على اساس محاور ثلاث شيعي وسني وكردي في مسألة المساعدات او الدعم او ما شابه ذلك ..!!! وهنا احدد ثلاث محاور مهمة في هذه المسالة؛

المحور الأول ؛؛... اننا  دولة مستقلة ذات سيادة وتعرضنا لظروف صعبة لا يعني الانتقاص من سيادتنا وعليه فأننا نتعامل مع الولايات المتحدة عبر الادارة الامريكية وليس الكونغرس وغيره من المؤسسات وسنحدد موقفنا الرسمي والنهائي من هذا الموضوع بناء على قرار الحكومة الامريكية ..

المحور الثاني ؛؛ ... ان الكونغرس الأمريكي يعود لاتخاذ القرارات الخاطئة الكبيرة بحق الشعوب عندما يحاول ان يدفعها نحو التقسيم والتناحر مع العلم انه لم يقسم الشعب العراقي عندما فرض عليه حصاراً استمر لمدة 13 عاماً ذهب ضحيته مئات الالاف من الأطفال كضحايا ولم يميز الحصار بين طفل شيعي او سني او كردي ... فهو من اجل ان يعاقب حكومة عراقية مارقة آنذاك ، عاقب الشعب العراقي بأجمعه وبدون استثناء .... واليوم بحجة دعم الحكومة العراقية الشرعية المنتخبة فانهم يقسّمون الشعب من اجل حفنة من الدولارات وبضع رصاصات !!!.... فأي تناقض هذا واي مدنية في التفكير يمتلكها من يحاول ان يمرر مثل هكذا مشروع ...

المحور الثالث ؛؛... نحن ندرك ان البعض في ألولايات المتحدة يعتقد ان تقسيم العراق اسهل بكثير من الحفاظ على وحدته !!.... وانا اذكر هؤلاء الذين يفكرون بهذه العقلية المحدودة بتاريخ أمريكا نفسها ... وان أمريكا عانت كثيرا وقاتلت كثيرا من اجل الحفاظ على وحدتها وأنها بهذه الوحدة نالت احترام العالم واصبحت قوة عظمى ... وأتمنى ان يكون بعض سياسيي ألولايات المتحدة اليوم يتمتعون ولو قليلا بعمق الرؤية التي امتلكها ابائهم المؤسسون ...

في المحور الإقليمي ... فأننا في زمن التحولات الكبيرة والعاصفة و زمن الخرائط الجديدة للمنطقة والقرارات الصعبة على الجميع ، وان الشرق الأوسط هو قلب العالم والعراق هو قلب الشرق الأوسط ولا يمكن لأي معادلة ان تنجح من دون حسم الثابت والمتغيّر العراقي ... فمن بغداد انطلقت عاصفة التغيير ومن بغداد تنطلق نسائم الاستقرار ... وعلى دول المنطقة ان تدرك وقبل فوات الأوان ان مصيرها واحد ومشترك ولا توجد حدود او موانع او كوابح امام الفوضى والإرهاب ... وعلينا ان نحدد المساحات ونحترمها ونلتزم بالحد الأدنى من التوافق والحفاظ على المصالح المشتركة...

أيها السيدات والسادة ...

أتمنى لكم مؤتمرا موفقا وأقدر كثيرا عظيم المسؤولية التي تتحملونها والبعد الوطني والإنساني فيما تقومون به وانني شخصيا أرى انكم خط الدفاع المجتمعي الأول ...

بارك الله بكم وبجهودكم ..... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...