بسم الله الرحمن الرحيم

((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)) الأحزاب: 23 صدق الله العلي العظيم
 

    عندما نستذكر مسيرة شخصية محورية كشخصية عزيز العراق فأننا نستذكر تاريخ تشكيل هذا الوطن في عهده الجديد ... لقد قدر الله لعزيز العراق ان يكون رجلاً يعمل بصمت في الملفات التي يكلف بها وان يكون عضدا وسندا لأخيه واخوته المجاهدين الاخرين .. وكانت شخصيته عملية تميل الى الابتعاد عن الاضواء ، فكونه الاخ الاصغر في عائلة مليئة بالقامات العلمية واخوة اكبر منه يتسابقون على العلم والجهاد جعل من شخصيته الرقيقة الودودة شخصية تحترم وتقدر الاكبر سنا وايضا شخصية تتعلم وتنهل من مختلف المدارس الفكرية والعلمية حتى داخل البيت الواحد ، واتسم بالاخلاص والتوكل على الله تعالى ونكران الذات والزهد في الدنيا وتغليب المصالح العامة ... وقدر الله له ان يكون رفيق شهيد المحراب ... وهي علاقة خاصة جداً عندما يكون الاخ هو القائد والموجّه وان يكون الايمان به نابع من قناعة في المشروع والنهج وليس من باب الطاعة الاخوية والاحترام الاخوي ... لقد كان عزيز العراق هو الجندي المجهول لدى اغلب الناس ولكنه معلوم لدى قيادته واخوته ورفاقه وثلة من المطلعين على مهامه الجسيمة التي كان يضطلع بها ... وفي مرحلة التغيير الصعبة ، والوطن في مفترق طرق والافكار تتصارع والاتجاهات تتضارب ، كان عزيز العراق هو الرجل الذي أُنيطت به مهمة ادارة الكثير من الملفات الشائكة والمعقدة والحساسة ... فتصدى لمسؤوليات خطيرة اغلبها ترتبط بالبعد الجهادي كحركة المجاهدين العراقيين ولجنة عمل الداخل والمكتب الجهادي في المجلس الاعلى وصولاً الى موقعه نائباً لرئيس المجلس الاعلى ... وكان له دور مميز في جماعة علماء العراق وفي تأسيس المجلس الاعلى وتمثيله في مؤتمرات المعارضة العراقية في بيروت وواشنطن ولندن وصلاح الدين وتأسيسه للمركز الوثائقي لحقوق الانسان في العراق المعني بفضح وادانة الممارسات التعسفية للنظام البائد بالوثائق الدامغة امام المنظمات الدولية ... وبدماثة خلقه استطاع ان يبني شبكة علاقات يحترمها الجميع وينفتح على كافة المكونات العراقية .. وبحسمه وشجاعته وصراحته استطاع ان يحفظ الحقوق ويثبت الالتزامات .. وعندما امتدت يد الاثم لتخطف الاخ والقائد والموجه، وسقط شهيد المحراب بجوار جده امير المؤمنين (ع) شهيدا صابرا محتسبا .. فان عزيز العراق كان كما عهده الجميع في قمة الالم والحزن ولكنه في قمة الصبر والصلابة ايضاً .. لأنه يدرك ان هذه النهاية هي تتويج لكل الذين قرروا السير على طريق العزة والحرية والكرامة، طريق سيد الشهداء (ع) ... سقط شهيد المحراب جسدا لترتفع روحه الى سماء الرحمة والمجد .. في وقت كان المجلس الاعلى هو المتصدي بفاعلية للحالة السياسية الشيعية في العراق ... وكان الوضع في الساحة الوطنية مليء بالاتهامات والتداخلات والتدخلات ... وكانت الامة تنتقل من مرحلة عاشتها على مدى قرون الى مرحلة جديدة كليا ... والعراق يعاد تشكيله كوطن ويعاد تركيبه كدولة .. وكانت العلاقات السياسية بين مختلف الاطراف في مرحلة الاستكشاف داخليا وخارجيا .. وطنيا وشيعيا .. لقد كانت الصورة معقدة ومركّبة سياسياً وامنياً ... حيث تواجد القوات الاجنبية والاحتلال المشرعن بقرارات دولية وتحرك العصابات الاجرامية والانهيار الكامل لكل شيء اسمه نظام ، وغياب الدستور والمؤسسات ... في وسط كل هذه الظروف ، قدر الله ان يتقدم عزيز العراق ويتسلم مسؤولية الموقع الاول في الكيان السياسي الشيعي البارز والكبير في ذلك الوقت ... ان استعراضنا لطبيعة تلك المرحلة هو حق ودين في رقابنا لعزيز العراق كي ننصفه وننصف مواقفه التاريخية التي اتخذها هو و اخوانه في خضم تلك التداعيات ... فالقادة ليسوا حالة مجردة عن ظروفهم وزمانهم ..... وشخصياتهم وقراراتهم تقيم من خلال البيئة التي عملوا بها ومن خلال الظروف التي عاشوها والتحديات التي واجهوها ... لقد نهض عزيز العراق بمسؤولياته في المجلس الاعلى وفي الساحة الشيعية والوطنية في الوقت الذي كان الجميع يتوقع حصول انهيارات كبيرة بعد فقد قامة علمية ودينية وجهادية بحجم شهيد المحراب ... واستطاع ان يملئ الفراغ السياسي وبسرعة رغم بقاء الفراغ المعنوي حيث كان من الصعب لاحد ان يعوض رمزية شهيد المحراب ... واستطاع ان يوحد الجبهة الداخلية وان يزرع نواة حركة تيارية نعيشها اليوم ، الا وهي تيار شهيد المحراب ... وانتقل بالمجلس الاعلى الى الصفة التيارية ومد الجسور مع كل شرائح المجتمع والقوى السياسية والدينية والمرجعيات الكريمة شيعيا وعراقيا ... وتوجه للجوار الاقليمي بخطاب واضح وصريح وهو مدرك تماما للتقاطعات وتداخل المساحات، وبعدها بلغ في رؤيته السياسية وخطواته الى اقصى مدى عندما استطاع تحييد الصراع الدولي على الاراضي العراقية ، وذهب يجوب عواصم العالم يشرح ويوضح مناشئ الاختلاف والتقاطع ويحدد ملامح الخصوصية العراقية... في وقت كان العالم كله يتساءل عن مصير ومستقبل العراق، كان عزيز العراق يتمتع برؤية واضحة واستشراف دقيق للمستقبل .... ولهذا فانه كان يتقدم على الاخرين بخطوات كبيرة كان يساء فهمها او يساء الظن بها احياناً ، واليوم وفي خضم هذه التحديات التي نعيشها كوطن ودولة وعقيدة فأننا نستذكر نداء عزيز العراق وهو يسعى لتدعيم نظرية تشكيل اللجان الشعبية !!!... تلك اللجان التي كان يعمل سماحته عليها كي تكون رديفاً وداعماً لمؤسسات الدولة الناشئة .. وكان عزيز العراق يدرك ان معركتنا الوجودية ستكون طويلة وقاسية ومتعددة الجبهات وان المستقبل يحمل في طياته الكثير !!!... وتقدم على الاخرين بخطوات في تصور البناء الهيكلي الصحيح للدولة العراقية فنادى باللامركزية الادارية وهو يدرك انها ستكون غير مفهومة جماهيريا وستخضع للمزايدات سياسيا ، ولكنه تصرف بعقلية القائد وليس بشخصية السياسي ، فالمسؤولية تحتم عليه ان يسجل موقفه وينبه الامة الى اخطارها قبل ان تقع وان لا يتبع الحشود بعقلها الجمعي ... فمهمته ان يجد الطريق الصحيح لجماهير المحرومين والبسطاء ... فقالوا ما قالوا في تحليل حرصة على اللامركزية ودعواته المتكررة لتطبيقها وكان الثمن كبيراً سياسيا ولكن قياديا كان هو الموقف الصحيح واليوم وبعد مرور سنوات على مناشداته نسمع صدى دعوته تتردد في كل مكان ويحملها الجميع شعاراً .. ونفس الحشود التي تم التشويش عليها وتحريضها للاعتقاد بانها دعوات انفصالية ، يستعان بهم اليوم لرفع شعار الاقاليم واعتبارها المخرج لأحقاق الحقوق وبطريقة غير مدروسة وفي ظروف غير ملائمة فما عدى مما بدى ؟! لقد اهتم عزيز العراق بالمرأة و دافع عن كرامتها و دعى لاعتبار الأول من صفر يوماً اسلامياً لمناهضة العنف ضد المرأة كما اهتم بمنظمات المجتمع المدني واولى الرعاية الخاصة للشباب وسنًّ سنة الزفاف الجماعي بتخصيص رواتبه كاملة لتزويج ابناء الشهداء والطبقات الضعيفة في المجتمع وبنى علاقات وثيقة مع العشائر العراقية وامرائها وشيوخها وبذل قصارى جهده لتثبيت الواقع العشائري في الدستور وكان يتفقد ويرى بشكل مستمر عوائل الشهداء والمجاهدين والمضحين ... لقد كان عزيز العراق متفوقاً ومتميزاً في ادائه السياسي والاجتماعي والرقم الصعب في المعادلة العراقية وكان هذا التفوق هو أكبر المشاكل السياسية التي واجهها في حياته ... اننا اليوم نستعرض تاريخ العراق القريب حين نستعرض مسيرة عزيز العراق ونعتقد ان الوقت قد حان لنتكلم عن عزيز العراق بعيداً عن التشفير لأنه كان دائما صريحا وواضحا ولكن حجم الفوضى التي تسبب بها البعض كانت تشوش على مواقفه وتشوهها ... اليوم لا زالت مساحة مهمة من العراق بيد الارهاب، وهو من اسوء انواع الارهاب الذي عرفه العالم ، فداعش هي اسوء من القاعدة على الرغم من ان كلاهما نمى في رحم واحد ..فيا ترى ماذا ستكون مواقف عزيز العراق لو كان بيننا اليوم ؟!!... بدون شك ستكون نفس المواقف التي اتخذها قبل سنوات، فهو كان يستشرف المستقبل بخطوطه العريضة وليس بتفاصيله .. ولكانت اللجان الشعبية هي النواة للحشد الشعبي، ولكانت اللامركزية هي الحل لإعادة تركيب هيكل الدولة العراقية بعيدا عن المركزية الخانقة والمقيتة ... ولكانت تحركاته الاقليمية والدولية هي صمام الامان للعراق لتقليل حساسية التدخلات الخارجية ... اننا في تيار شهيد المحراب نتعلم من قادتنا كيف نعمل من اجل المستقبل ونحن نستوعب الحاضر ونستقي تجارب الماضي ... وان قادتنا هم امواج متواصلة تدفع مياه سفينتنا الى الامام وسط كل هذه العواصف ومن بين كل هذه الصخور ... لقد تعلمنا من عزيز العراق ان لا نخشى الخطوات الكبيرة لأننا تيار كبير ومسؤوليتنا امام الله والامة والوطن كبيرة ... وتعلمنا من عزيز العراق ان نتواضع ونحن في قمة القوة وان نمد يدنا للآخرين حتى وان انكروا علينا حقوقنا واستحقاقاتنا ، فنحن اصحاب مشروع وقضية ... وتعلمنا من عزيز العراق ان نكون واضحين وصريحين لان الايام تمر ولكن المواقف تبقى تشهد على اصحابها ... وتعلمنا من عزيز العراق ان نكون جامعين لا مفرقين وان نكون من يتحمل العبئ الاكبر في المسؤولية لأن قدرنا ذلك وتأريخنا وعطاؤنا وهمتنا تجعل مسؤوليتنا اعظم ... رحم الله عزيز العراق وشهداء الاسلام وشهداء الوطن ... وسيبقى عزيز العراق منارة يهتدي بها ويتعلم منها ابناء شهيد المحراب ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...