بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة والأخوات المؤمنون، أيها العراقيون الصابرون ...
يمر علينا هذا العيد ونحن نعيش تحديات مفصلية في مسيرة شعبنا ووطننا .. تحديات امنية واقتصادية وسياسية وثقافية ...
ان العراق جزء مهم وحساس من هذه المنطقة الحيوية من العالم .. وكل دول المنطقة تعاني من أزمات كبيرة وصراعات مفتوحة .. وللأسف الشديد أصبح العراق مدخلاً لهذه الصراعات ومحطاً لهذه الازمات !!...
لقد عملنا بقناعة كبيرة على ان يكون وطننا جسراً للتلاقي وممراً للعلاقات الإقليمية والدولية السليمة ولكن صراع الارادات الإقليمية والدولية كان اكبر بكثير من طاقاتنا المحدودة ومن امنيات شعبنا المحروم في العيش بحرية وسلام ..

أيها الأخوة والأخوات ...
اليوم يقاتل بلدكم من اجل تحرير محافظات عزيزة علينا من يد التكفير والإرهاب والتطرف والفكر المنحرف .. ونحن لا نقاتل فصيلاً إرهابياً محدداً او مجموعة ضالة هنا او هناك وانما نقاتل جذور الانحراف التاريخي وإسقاطاته المعاصرة ... 
نحن نقاتل من لا يؤمنون بالحياة الحرة الكريمة التي وهبها الله لنا ويحرفون كلام الله ويشوهون رسالته ويقدمون خدمة عظيمة لأعداء الله والاسلام والإنسانية ...
ونحن نعلم انها معركة طويلة وشرسة ويجب ان نعد لها ما نستطيع من قوة ومن تحالفات رغم ان ما سيحسمها في النهاية هو التوكل على الله والإرادات المؤمنة القوية...
وفي خضم هذه المعركة الوجودية مع الارهاب التكفيري الداعشي فأننانخوض معركة اخرى مؤلمة وخطيرة وهي معركة الإصلاح ضد الانحراف ومعركة النزاهة ضد الفساد ومعركة بناء الدولة والمؤسسات ضد منهج بناء الأشخاص والذوات !!..
اننا اليوم اذا اردنا ان نلتفت الى الوراء لنقيم وبموضوعية مسيرة 12 عاماً بكل حلاوتها ومرارتها وبكل اخفاقاتها وانجازاتها نستطيع ان نحكم وبسهولة بأن هناك الكثير من الفرص الكبيرة الضائعة مع الأسف الشديد كان بالإمكان ان تستثمر لبناء حياة أفضل للمواطن العراقي وبناء مؤسسات اقوى للدولة العراقية ... ولكن انشغال القوى السياسية بالصراعات الفئوية والحزبية الضيقة والسماح بالتدخلات الخارجية وتضييع فرص كبيرة على وطننا وشعبنا من الصعب تعويضها ...

أيها الإخوة والأخوات المؤمنون ...
اليوم لدينا حكومة تسعى لإنتاج رؤية لمشروع دولة .. ولديها الإرادة لبناء دولة ... وتحتاج منا جميعا الدعم والمساندة لان الواقع صعب ومعقد ولا يمكن إصلاحه بيوم وليلة ... ولكن بنفس الوقت على الحكومة ان تساعد نفسها أولا وان تكون واضحة وصريحة وشفافة مع القوى الخيرة في هذا الوطن والتي تؤمن بمساعدتها وتوفير الغطاءات اللازمة لها ...
ان مرجعيتنا العليا وهي ترسم بوصلتنا في خضم هذه العواصف المتتالية والأمواج العاتية وقد قدمت الكثير من الدعم والاسناد وعلى الحكومة ان تستثمر هذا الدعم في خلق شراكات حقيقية من اجل الانطلاق بالإصلاحات الجذرية المهمة ..

أيها الأحبة ...
ان العراق كبير و واقعه متشابك ولا تستطيع أي جهة مهما كانت ان تقوده منفردة .. ولا يستطيع أي شخص أيا كان ان يصل به الى بر الأمان ... وهذه تجارب العالم أمامنا وجميعها تثبت لنا ان المشاركة الحقيقية الفعالة هي أساس النجاح والفردية والاقصائية هي سبب الفشل واساس البلاء ...
سنبقى داعمين وبقوة لهذه الحكومة مادامت مؤمنة بمشروع بناء الدولة والمؤسسات ... وهنا أقول وبكل صراحة اننا امام عملية بناء من الأساس وليس عملية تطوير وإعادة بناء !!... ولذلك يجب ان تكون عملية بناء متكاملة ...
وندعو الأخ رئيس مجلس الوزراء ان يكون اكثر صبرا على اخوته وندعوه ايضاً ان يكون اكثر اقداماً في اجراء الإصلاحات الجذرية الفعالة ... وان يكون اكثر تواصلا كي يشرح سياساته ويوضح خطواته ويفسر رؤيته وبرنامج عمله ... ان التواصل هو الأساس لخلق فهم مشترك،مع تقديرنا للتحديات التي نواجهها جميعا وفي مختلف المجالات ... أمنيا واقتصاديا واداريا وسياسيا ...

أيها المؤمنون ...
لقد شهدت اغلب محافظاتنا تظاهرات احتجاجية شرعية عبرت عن الاحباط من الأوضاع الخدمية في عموم العراق ومن التقاطعات والتجاذبات السياسية التي عطلت الكثير من طاقات هذا البلد ... وكانت مظاهرات عفوية وجماهيرية صادقة، وقد دعمناها وشاركت جماهيرنا في بعضها... ولكن الملفت ان هناك اياد خفية مختلفة ارادت ان تجير هذه الاحتجاجات لمصالحها السياسية الضيقة وان تستخدمها في تصفية خصومها .. والبعض أراد ان يوجه هذه الاحتجاجات ضد التيار الإسلامي خصوصا والنيل منه وتحميله ضريبة كل الإخفاقات والتراجعات والأزمات التي إصابت العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة .. والنيل من رموزه الإسلامية وقد تحملنا الامر في بدايته لأننا ندرك ان شعبنا واعوان هذه الممارسات لن تنطلي عليه وانه سيكتشف عاجلا ام اجلا الجهات التي تقف ورائها ونوايا وخلفيات من يروج لها والاهداف التي تختبئ خلفها ...
واسمحوا لي ان أقول كلمتنا في هذه الجزئية المفصلية ....
لقد تأسست الدولة العراقية الحديثة منذ ما يقارب ال 100 عام ولم يكن التيار الإسلامي في أي مرحلة من مراحلها في السلطة عدا السنوات العشر الأخيرة !!... وقد عانت من الحروب الداخلية والخارجية والانقلابات المتوالية، وفي العقد الأخير كان التيار الإسلامي جزء من عملية سياسية متنوعة ولم يتجاوز وجودهم فيها نصف أعضاء الحكومات المشكلة، ومع ذلك هم يتحملون المسؤولية في عدم تقديمهم نماذج كافية من شخصيات قيادية متمكنة في إدارة الدولة ووضع الخطط الصحيحة ... وأيضا يتحملون المسؤولية في عدم اتفاقهم على مشروع موحد لبناء الدولة .. ويتحملون المسؤولية في عدم انشاء مؤسسات سياسية داخل احزابهم وتياراتهم قادرة على انتاج جيل سياسي متمكن من أدوات السلطة وإدارة الدولة، ولكن مع اقرارنا بكل هذا فانهم لا يتحملون وحدهم اوجه الفشل والاخفاق، فهناك قوى سياسية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار شاركت في الحكومات المتعاقبة وهناك قوى دولية وإقليمية كانت فاعلة وحاضرة على الساحة العراقية وكان لتدخلها واراداتها المتقاطعة حصة كبيرة من الوصول الى حالات من الاخفاق والفشل .. وعلينا ان نضع النقاط على الحروف وان لا نسمح باستغلال احباط الناس من اجل تحميل المسؤولية الكاملة لتيار قدم الكثير من التضحيات ويمتلك تاريخاً ملؤه الشهادة والبذل ... ان شعبنا واعٍ ومدرك وكل محاولات التسقيط الحاقدة لن تثنيه عن الدفاع عن خياراته العقائدية وايمانه بتياراته الصادقة المجاهدة.

أيها الأحبة ...
اتوجه بالخصوص الى شباب هذا الوطن لانهم الرصيد الحقيقي المضمون وأقول لهم انني ادرك جيدا عوامل الاحباط الموجودة لدى بعضكم !!.. وأدرك انكم تشعرون بان مساحات الامل بدأت تضيق امامكم،فكان قرار بعضكم بالهجرة وترك الوطن هو السبيل الوحيد للتعبير عن احباطكم والمكم، وحتى اخوتكم ممن بقي في الوطن فان حماس الكثير منهم قد خفت واندفاعهم قد تراجع ...
اسمحوا لي احبتي ان أقول لكم كلمة موجزة ... هذا العراق عراقكم، وهذه الثروات ثرواتكم، وهذه الأرض ارضكم، والمستقبل لكم مهما كان حاضره صعباً ... فالازمات الحالية هي ازمات انتصارات وتقدم وليس ازمات تراجع وانهيار .. ازمات انتقال من مرحلة تاريخية بكل قواعدها ومبانيها الى مرحلة جديدة تماماً.. مرحلة تمر بها الامم التي تعيش مثل هذه الظروف.. ازمات بكل ابعادها الوطنية والاقليمية والدولية.. فلقد تحققت نجاحات عظيمة لم نستطع ان نتعامل معها ونستثمرها كما يجب فارتدت علينا وعلى البلاد ككل. لذلك من الضروري المضي في الاصلاح والمراجعة وتوحيد الصفوف وزرع الامل .. فتمسكوا بوطنكم واعملوا على مشروعكم وقدموا لأنفسكم، لان الغد لكم شاء من شاء وابى من ابى ... ولا تسمحوا باحباط عزيمتكم ... وتشبثوا بالأمل وبالوطن ... واعلموا انكم على مشارف الانتصار ، فلا تتراجعوا في اللحظات الأخيرة ..
قال تعالى (( فان مع العسر يُسرا، انَّ مع العُسر يُسرا ))

أيها المؤمنون ....
على المستوى الاقتصادي فان بلدنا يمر بأزمة مالية خانقة ويحتاج الى إجراءات واصلاحات جدية وجذرية وشاملة ومتوازنة ودستورية وجماعية ... وأيضا في مثل هكذا أزمات فان الدول تستعين بأفضل رجالها وخبراتها كي يخرجوا البلاد من هذا المنعطف الخطير وهو ما يتطلب التأكيد عليه في الوقت الراهن ...
وعلينا ان نصارح شعبنا وان نخبره ان هذه الازمة ليست طارئة وأنها قد تستمر لعدة سنوات قادمة ... وعلى الحكومة ان تضع برنامجا اقتصاديا مدروسا وان تجد السبل الكفيلة بمعالجة الشلل الاقتصادي الذي يعيشه العراق حاليا ...
لقد فوتنا فرصة عظيمة لأننا لم نستثمر الوفرة المالية في السنوات الماضية وسيكتب التاريخ ان العراق ضيع فرصة من الصعب ان تتكرر ... واليوم امام الحكومة تحدي وضع خطة استراتيجية كبيرة وحقيقية وفعالة من اجل اخراج العراق من عنق الزجاجة ...

أيها الاحبة ...
لقد ذكرت في بداية كلامي ان العراق في قلب منطقة حيوية وفعالة في العالم واننا عملنا بقوة كي نبعد العراق من محاور الصراع وهو في بداية نشأته الجديدة ولكن الارادات الدولية والإقليمية كانت اكبر من طاقاتنا المحدودة ..
واليوم نرى ان الصراعات في المنطقة وصلت الى اعلى درجاتها التصعيدية وان دولاً بأكملها أصبحت دولاً متعثرة ومفككة وهناك احلافٌ عسكرية وسياسية تشكلت ودخلت في صراعات مباشرة وغير مباشرة كما ان أنماط التدخلات الدولية أصبحت مباحة في منطقتنا ... وان ملايين المهجرين والنازحين يهيمون بالعراء بين الدول ...
ان قناعتنا الراسخة هي ان هذه الصراعات لا يخرج منها منتصرٌ لأنها تدمر كل شيء وحتى الذين يتوهمون بأنهم منتصرون فيها هم في الحقيقة يوهمون أنفسهم بهكذا انتصارات..
ان الحل الأساسي لكل مشاكل المنطقة هو بالاتفاق بين القوى الإقليمية الفاعلة من اجل تصفية الملفات الشائكة والمتداخلة ... ان الحوار هو المدخل الرئيس للحل مهما تعنت البعض او أصر على الحلول العسكرية .... لان مشاكل المنطقة سياسية صرفة، والمشاكل السياسية لا يمكن حلها عسكريا وانما تحل بالحوار والمفاوضات وسياسة الربح للجميع ...
ستبقى منطقتنا تنزف موارد وثروات والاهم انها ستبقى تنزف دماء من أبناء شعوبها المظلومة وفي النهاية ستبقى طاولة المفاوضات هي الملاذ الأخير ...
فلماذا لا نختصر معانات شعوبنا ونجلس للحوار من الان ...
انني ادعو وبهذه المناسبة الكريمة والعظيمة عند الله ان يكون هناك لقاء بين دول المنطقة الإقليمية الكبرى واخص بالذكر ايران وتركيا والسعودية ومصر والعراق وان تؤيد هذا اللقاء الدول الكبرى من اعضاء مجلس الامن والاتحاد الأوربي والأمم المتحدة من اجل إيجاد حلول ومقاربات لأكثر الملفات تعقيدا في المنطقة وخصوصا الملف السوري واليمني والبحريني.. وتوفير الدعم المادي والسياسي للعراق في حربه المفتوحة ضد الإرهاب ...
هذه دعوة نطلقها في هذا اليوم المبارك ونتمنى من دول المنطقة الكبرى المؤثرة ان تستجيب لها ... فهناك الملايين من المهجرين والنازحين وهناك دول على حافة الانهيار وهناك إرهاب دولي دموي يعتاش على هذه الصراعات ولا ينجو منه أحد مهما تصور انه بعيد او محمي ...
ان صراعات المنطقة لم تعد مشاكل أحادية او ثنائية وانما اصحبت مشاكل وصراعات إقليمية ولن تجد طريقها للحل الا إذا تظافرت الجهود الإقليمية وساندتها الجهود الدولية ...

حفظ الله العراق وشعبه ومرجعياته الدينية ولا سيما المرجع الاعلى الامام السيد السيستاني ( دام ظله ) ونصر قواتنا المسلحة من الجيش والشرطة والحشد الشعبي وابناء العشائر والبيشمركة ورحم الله شهدائنا الابرار ولا سيما الشهيدين الصدرين وشهيد المحراب وعزيز العراق .... والشفاء العاجل للجرحى والمصابين في جبهات القتال وضحايا العمليات الارهابية ...
اَللّـهُمَّ اِنّا نَرْغَبُ اِلَيْكَ في دَوْلَة كَريمَة تُعِزُّ بِهَا الإسلام وَاَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِهَا النِّفاقَ وَاَهْلَهُ، وَتَجْعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ اِلى طاعَتِكَ، وَالْقادَةِ اِلى سَبيلِكَ، وَتَرْزُقُنا بِها كَرامَةَ الدُّنْيا وَالاْخِرَة.