بسم الله الرحمن الرحيم

اليوم تمر علينا ذكرى عزيز العراق ونحن في مرحلة استعادة الانتصارات من جديد ، فقد دخلت حربنا الوجودية مع الارهاب مرحلتها الحاسمة واصبحنا على مشارف النصر النهائي ، وهنا يفتقد القادة الكبار الذين يمتلكون الشجاعة الكافية لصناعة سلام دائم بعد انتصار صعب ومؤلم ..

لقد كان عزيز العراق يؤمن بأحقية شعبنا بالعيش المشترك المبني على المساوة في الحقوق والواجبات ، ويؤمن بقدرة هذا الشعب على انتاج صيغ توافقية لبناء وطن يتسع للجميع .. لقد كان ( قدس سره ) يعرف الفرق جيدا بين وطن لشعب !، او شعب لوطن !.. وهو اختار طريق وطن لشعب مظلوم مضطهد عانى كثيرا في تاريخه القديم والحديث .. فعمل منذ اللحظات الاولى لولادة العراق الجديد على تبني مبدأ المساحات في الوطن لكل مكونات الشعب ، ولكن للأسف لم يكن هناك كثيرون يستوعبون مبدأ المساحات التي فكر بها عزيز العراق .. لقد كانت السلطة المركزية مترسخة بالأذهان ومتعمقة بالوجدان الجمعي للمجتمع العراقي سواء كانوا نخباً او جماهيراً ....

لقد عانى العراقيون كثيرا من المركزية الحديدية المقيتة ولكنهم بنفس الوقت كانوا يقدسونها، لانهم لم يفرقوا بين مركزية دولة ومركزية وطن!...

وهنا تميز وانفرد عزيز العراق حيث عمل على ترسيخ مركزية الوطن ،لامركزية الدولة !!...

كان سماحته ذو بصر وبصيرة ويدرك جيدا ان عراق الحرية والديمقراطية لن يكون مشابهاً لا من قريب و لا من بعيد لعراق الديكتاتورية والطغيان ..

لقد فهم البعض ان الديمقراطية هيصناديق اقتراعفحسب بينما عزيز العراق فهم ان الديمقراطية اعادة تشكيل الدولة العراقية اللامركزية في الوطن العراقي المركزي .. لقد كان يقاتل من اجل ترسيخ مفهوم الوطن المركزي بينما البعض الاخر كان يقاتل من اجل تركيز مفهوم الدولة المركزية!

واليوم وبعد تجربة مريرة لعراق التنوع والحرية والديمقراطية فأننا نجد ان الاشكالية الكبرى والتحدي المصيري الذي يواجهنا هو التمييز بين مفهوم الوطن المركزي والدولة اللامركزية .. وان اغلب إخفاقاتنا السياسية والسلطوية والخدمية انما تولدت بسبب عدم معالجة هذه الجزئية المفصلية في عراق ما بعد الديكتاتورية ..

وفي منهج اخر من مناهج عزيز العراق في العمل السياسي لعراق مابعد الديكتاتورية انه عمل وبجد على ابعاد العراق من الدخول في سياسة المحاور الساخنة سياسيا .. لأنه كان يدرك ان امام العراق وقت طويل كي يتعافى من جروحه السياسية والاجتماعية وان دخوله على خط المحاور الساخنة سيؤدي الى زيادة الاستقطاب السياسي والجماهيري في وطن ودولة مازالت تتلمس طريقها نحو الديمقراطية ومناخ الحرية مازال يفتقد للضوابط والحدود ، كما ان الهوية الوطنية الجديدة مازالت غير مكتملة في ذهنية النخب السياسية والجماهير على حد سواء ..

ومن هذا المنطلق فقد عمل سماحته على ايجاد التفاهمات بين القوى الدولية والاقليمية على ارض العراق ولو بالحد الادنى وبما تسمح به الواقعية السياسية .. لقد كانت مهمة شبه مستحيلة في مرحلة مليئة بالشكوك والظنون السيئة من مختلف الاطراف ... وكان التواجد الدولي والاقليمي على اشده وكانت الدولة العراقية الوليدة فاقدة للسيادة الوطنية والاهلية السياسية ، ومع ذلك فقد اتخذ سماحته قرارا مصيريا في ان يكون العراق بعيدا عن الاستقطابات ولو بالحد الادنى ، ولم يتوقف كثيرا امام التصورات المسبقة والخطوط الحمراء واستخدم لغة عراقية صريحة وواثقة وجريئة في الدفاع عن العراق ومصالحه ومستقبله ..

واستطاع ان يوجد قواعد اشتباك سياسي بين مختلف الاطراف تراعي الخصوصية العراقية ..

ان رؤية سماحته لعلاقات العراق الاقليمية والدولية كانت نابعة من طبيعة الاختلافات المذهبية والقومية والسياسية للعراق .. فلم يتعامل مع هذا الملف الشائك من زاوية مايريده هو !، وانما تعامل من زاوية ما يحتاجه العراق في تلك المرحلة ..

كان يدرك ان العراق المتصالح مع نفسه اولا وجيرانه ثانيا والمجتمع الدولي ثالثا ، هو العراق الذي يستطيع ان يبني تجربته الديمقراطية بثقة وتأني وان يستثمر الاهتمام الاقليمي والدولي بالساحة العراقية بطريقة ايجابية وبنائه ، وان يكون ساحة للتفاهمات وليس مساحة للتقاطعات .. لان سماحته كان متأكداً ان اي تقاطعات اقليمية او دولية في الساحة العراقية ستنعكس سلبا على الحالة الوطنية العراقية وعلى الاداء السياسي العراقي ..

ايها السادة المحترمون ..

اننا اذ نستعرض المنهج السياسي الذي امن به عزيز العراق وعمل عليه انما نعيد تذكير انفسنا  بالطرق الصعبة والوعرة التي مر عليها قادتنا واستطاعوا ان يتجاوزوها في ظروف كانت شبه مستحيلة ، وهذا ما يمنحنا الامل ويقوي ارادتنا في مواجهة التحديات المصيرية التي نتعامل معها الان في حاضرنا ، كما ان هذا المنهج في التفكير والعمل السياسي الملتزم يبين لنا ان الاوطان الكبيرة بحاجة الى قادة كبار يفكرون في المستقبل ولا يقفون عند الماضي الا ليستقوا منه العبر والدروس ...

ان عزيز العراق كان يتحرك ضمن رؤية متكاملة تجمع مابين الواقع والطموحات ، وتزاوج بين التحديات والفرص ... وترتكز رؤيته الى فهم عميق لجذور المشكلة العراقية والخلل في اسس بناء الدولة العراقية في تاريخها الحديث ..

ومن المحاور المهمة الاخرى التي عمل عليها سماحته بوعي ومثابرة ، هو محور بناء البيت الشيعي في اطار بناء البيت الوطني ..

في الوقت الذي كان يتصور البعض ان الاهتمام ببناء البيت الشيعي يؤدي الى الانغلاق والانعزال واضعاف الحالة الوطنية !... الا ان سماحته كان يؤمن ان قوة الوطن من قوة مكوناته ، وان قوة القرار الوطني ووحدته تنبع من قوة ووحدة قرار المكونات التي تعيش في هذا الوطن ...

كان يتعامل بوعي وواقعية وكان يدرك ان الضعف والتشظي في القرار الشيعي سينعكس ضعفا وتشظيا في القرار الوطني الاعم ... لقد كان يعرف تماما اين تنتهي حدود الطائفة وتبدأ حدود الوطن .. وقد عمل على تأسيس التحالف الاكبر للقوى الشيعية ومن ثم العمل على نسج تحالفات مركزية في الساحة الوطنية ..

وكان يؤمن بالمرحلية للوصول الى الحالة الوطنية المطلوبة ، انها مجرد وقت لوصل القوى السياسية الى مرحلة الوعي السياسي الكامل ، ووصول الجماهير الى مرحلة الفهم الكامل للديمقراطية واليات عمل ادواتها وضوابط الحرية السياسية ...

ولكن ارادة الله شاءت ان تأخذ روحه الطاهرة الطيبة المسالمة الى جوار رب رحيم ، في وقت كنا نحن والعراق بأمس الحاجة اليه ..

واليوم ونحن نقاتل على جبهات متعددة في معركة وجودية للعراق وشعبه ... فأننا نستذكر منهجية الفكر والعمل السياسي لشخصية كبيرة ومثابرة وواعية كشخصية عزيز العراق ، فان الاحداث الجارية تؤكد ان رؤيته كانت واقعية ومدروسة وانه تعامل مع التحديات بحلول جذرية ومستقبلية .....

اليوم نحن نقاتل عدواً ارهابياً غاشماً يمثل ادنى درجات الانحدار الاخلاقي واعلى درجات الارهاب والعنف والقسوة وابشع امثلة التمييز العرقي والطائفي ..

عدو عقائدي مهووس بتكفير الناس وتعذيبهم وقتلهم ، ويستخدم كل الوسائل الشيطانية لتبرير افعاله باسم الطريق الى الله والجنة وهو طريق الى قعر جهنم ...

لقد اخذنا هذا الارهاب على حين غرة واغتصب ثلث مساحة العراق واحتل محافظات عزيزة علينا وشرد اهلها وسبى نسائها وزرع الفتنة والتفرقة والثأر في المجتمع ..

ولكن وبحمد من الله وتوفيق ، استطاع العراق وشعبه امتصاص الصدمة واستعادة زمام المبادرة .. واليوم يقف العراقيين على الجبهات ليس فقط من اجل تحرير ارضهم وشعبهم وانما دفاعا عن العالم اجمع امام اسوء عصابة اجرامية دينية في العصر الحديث ...

ان ابنائنا في القوات المسلحة والحشد الشعبي وابناء العشائر الغيارى يقاتلون بشراسة وعقيدة وايمان بهذا الوطن وبحقه بالعيش بسلام ..

انها حرب صعبة وخنادقها متداخلة ، وقواعدها متحركة ، ونحن حريصين على ان تكون حرب نظيفة رغم قذارة العدو وعدم التزامه باي قيم انسانية او دينية او اخلاقية .. وانه يستخدم المدنيين كدروع بشرية .. وعلينا ان نكون حذرين بالتعامل مع اي معلومة ومتابعة اي خطأ ، كي تتم معاجلته فورا ، لأنها معركة عسكرية وسياسية ومجتمعية في ان واحد والاخطاء والتجاوزات قد تحدث ولكن يجب ان لا تمر بدون عقاب حازم ورادع ...

ان دماء ابنائنا تروي ارض العراق في الفلوجة وفي كل شبر دنسه الارهاب ولن نسمح لأي نفر ضال ان يصادر انتصار شهدائنا او يشوه تضحياتهم ...

حمى الله العراق ، وشعب العراق ، ونصر جيشنا وحشدنا وابناء عشائرنا وحرر مدننا العزيزة من دنس الارهاب ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..