بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم

 " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ "

صدق الله العلي العظيم.

السادة الأفاضل، الشيوخ الأكارم، الأخوة الأعزاء السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

مجلس كريم وحضور كريم ومناسبةٌ كريمة، نلاحظ في هذه الآية التي تلوتها على مسامعكم يتحدث القرآن الكريم عن الشهيد والشهادة، ويعتبر الشهيد حياً، ويعتبر الشهادة حياة، وكم هو عميقٌ هذا المعنى حينما نظر إلى الشهيد على أنه حيٌ بيننا، وحينما نظر إلى الشهادة على أنها هي الحياة، واضح الخلفية على هذه الرؤية الطغاة الظالمين المنحرفين المستبدين بمعنى ان هؤلاء يخوفون الناس بالقتل، دوماً الفراعنة وغيرهم في تاريخٍ طويل القرآن الكريم يحدثنا في هذا الأمر، التهديد بالقتل فإذا ارتقت أمة من الأمم لتجد في القتل حياة تكون قد سحبت كل الذرائع التي يمكن أن يتمسك بها الأعداء، فتحصل على الحرية، والارتباط بالله سبحانه وتعالى، الحرية في استقلالية الرأي، الحرية في الانشداد إلى الحق حينما قال، أبالقتل تهددني، هذا السؤال الذي كان يسأله الصالحون والأولياء على طول الخط ، القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة، إذا كان القتل لا يُخيفنا بأي ثمنٍ وبأي سلاحٍ يُقاتلنا الأعداء ويتغلب علينا ،  نصبح أمة لا تهزم ، أمة حية ، بضميرها بمنهجها بمشروعها بقيمها بمُثلها بثوابتها، لذلك علينا أن نُشيع ثوابت الحياة في الشهادة، وأن نقف ونتصدى ونتحدى ونتحمل المسؤولية الكبرى في الدفاع عن أرضنا وعرضنا ومقدساتنا.

العراق بتضحياته اصبح محط اعجاب العالم

هذا ما وجدناه على إثر الإرهاب الداعشي، رب ضارةٍ نافعة، كُتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيءً وهو خيرٌ لكم، الله جعل الخير في هذا العدو حينما توحدنا وحينما تعرفنا على القوة العظيمة المستمدة من ارتباطنا بالله سبحانه وتعالى المتوفرة فينا، وحينما عرفنا قيمة مرجعيتنا العليا ، فتواها تتحرك في النفوس وتتعبأ في معركة المصير وحينما نُظهر لعدونا بأنه عدو للعالم كله ، والذي يُعادينا سنقف بقوة وننتصر ونتغلب عليه وننقذ أنفسنا ووطنا وننقذ العالم من ورائنا، فنصبح مصدر الاعتزاز والفخار لشعبنا ، لأجيالنا القادمة وللعالم كله.

اليوم العالم يصطف وينحني احتراماً وتقديراً للعراق لأنه ما لم يعينوا العراق على أن يقضي على داعش وما لم نخنق الإرهاب الداعشي على الأرض العراقية... عليهم أن يقاتلوه في كل قرية وفي كل مكان ، من مدينة نيس إلى غيرها من المدن وتجدون كل يوم أصبح هناك مشكلة وهناك عملية إرهابية إلى غير ذلك.

ضرورة تعريف الأجيال تضحيات الشهداء وتخليدهم

لذلك الشهادة حياة، والشهيد هو الحي، وعلينا أن نكرس هذه الثقافة، الأمة التي تنظر إلى الشهادة على أنها حياة أمة منتصرة، أمة مرفوعة الرأس، أمة عزيزة، أمة قادرة على مواجهة كل التحديات، أمة تحول التحدي إلى فرصة، والمحنة إلى منحة، هكذا هو شأن الأمم التي تنظر إلى الشهادة على أنها حياة، هذا المفتاح مهم من مفاتيح النصر.

القائد الشهيد السيد صالح البخاتي كان مصداقاً لهذا الأمر ، تحدث عنه أخي المجاهد الحاج حسن الساري ومن قبله الفلم الوثائقي الذي عُرض وبيّن الكثير من كمالاته التي كنت أود أن أُبينها، لذا سأقتصر على بيان نقاط محدودة في شخصية الشهيد البخاتي.

البخاتي بحث عن المهمة بدون النظر لموقعه فيها

كان يتصدى لكل مهمة دون أن يهتم بموقعه، بعنوانه، بورقة تصدر بتكليفه بهذه المهمة، لم يكن يبحث عن أوراق، لم يكن يبحث عن قصاصات تحدد موقعه، كان يبحث عن المسؤولية، ولم يكن يهتم أين دوره؟ أين موقعه؟ ما هي طبيعة هذه المهمة؟

هذه سمة مهمة جداً في الإنسان، وفي حياتنا اليومية نرى الكثير من الصالحين والمخلصين، لكن يهتم كثيراً بهذه الشكليات أيضاً، يُريد أن يُقنن يُريد أن يُقطر عمله ويبحث عن تكليف رسمي وإلى آخره.

الشهيد لم يكن من هذا النوع يتصدى لكل شيء ولكل مهمة كُلف بها أو لم يُكلف، إن كُلف بها هو يتصدى ويدير، إن لم يُكلف يعين من تصدى وتُسجل باسمه ولا تشعر في تقاسيم وجهه في نبرة صوته في إشاراته في لمزاته وهمزاته أي إحراج في أنها سُجلت باسم غيره وهو كان له الدور الأساسي فيها لم يكن يهتم بهذه الشكليات، المهم العمل اُنجز والله يعلم وهو حصل على الأجر والثواب، الناس تعلم لا تعلم، من الذي أخذ الوهج بهذه القضية ، باسم من سُجلت؟ لم يكن يهتم بهذه التفاصيل .

قضية ثانية ومهمة كان يُحسن إدارة الاختلاف، يختلف بشرف، وقد اختلف مع أُناس مخلصين مؤمنين في العمل، كنت أراقب كيف يتعامل معهم .

ما أتمناه، اخذ كل الاحتياطات المطلوبة لرعاية المواطنين إذا ما نزحوا أثناء العمليات لكي لا نواجه التحديات التي واجهناها على أعتاب عملية تحرير الفلوجة ، مع ان الفلوجة قريبة من بغداد وفيها عدد بحدود التسعين ألف من المواطنين ومع ذلك واجهنا مشاكل كبيرة وهي محاطة بمدن، فكيف بالموصل وهي محاطة بصحاري وبراري وهي بعيدة عن بغداد والقدرة على الدعم والإسناد أقل والأعداد عشرة أضعاف، وليس من المنطقي أن نكلف المقاتلين أن يقاتلوا بيد ويقدموا الخدمات الإنسانية باليد الأخرى كما فعلوها في الفلوجة.

علينا أن نُعد جيشاً مدنياً لدعم النازحين ومعالجة شؤونهم لتبقى القوات العسكرية في المهمة المناطة بها، هذه بالحقيقة أسس مهمة علينا أن نعالجها ونراعيها، ويجب التفكير لما بعد تحرير الموصل ولا نقل دعنا نحرر الموصل ومن ثم نرى ماذا نفعل، ان هذا التفكير خطأ كبير، حينما نخطط لشعب ووطن علينا أن نستشرف المستقبل سيما أنه أصبح على الأبواب.

من اليوم يجب أن نخطط ماذا بعد الموصل؟ ما هي أولوياتنا؟ ماذا علينا أن نقوم به .

 أولويات خمسة في شأننا الوطني ما بعد الموصل:

الأولوية الأولى: الإستراتيجية الأمنية الوطنية الجديدة.

 حينما تحتل داعش الأرض فإن إستراتيجيتنا تكون عسكرية، وحينما ننتهي من الاحتلال الداعشي وننتقل إلى تحديات أمنية ، يجب علينا عندئذ أن ننظم إستراتجية وطنية أمنية، والأموال والمليارات التي ننفقها اليوم على الطائرات والدبابات علينا أن ننفقها على الجهد الاستخباري والأمني وتدعيم هذه المنظومات الأمنية لتكون قادرة على اكتشاف الخلايا والمجموعات الإرهابية في كل مكان.

الكثير من المجموعات الإرهابية، لا نستطيع أن نكتشفها و نبحث عنها بعد حدوث العمل الإرهابي ، فيما أن الجهد يجب أن يسبق ذلك ويفكك هذه الشبكات قبل أن تُسيء إلى شعبنا، هذا ما يحتاج إلى إستراتيجية جديدة.

الأولوية الثانية: المشروع السياسي .

 نحن بحاجة إلى وحدة ، إلى تماسك ، إلى تلاحم على مستوى المكونات والساحات وعلى المستوى الوطني، ونحتاج إلى مشروع سياسي جامع وكتلة وطنية من القوى الأساسية في الساحة من مختلف المكونات لتضع يداً بيد وتدعم المشروع السياسي ، وتدعم الحكومة في أداء واجباتها الخطيرة فيما بعد التحرير، مالم نتنبه لهذا الأمر سنكون أمام إشكاليات وتحديات خطيرة اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد .

الأولوية الثالثة : إعادة الأعمار، وتوفير الخدمات، إعادة النازحين.

 الحد من ظواهر الفقر لدى شعبنا، معالجة التحديات الكبيرة في المناطق المنكوبة ليعود ملايين النازحين إليها وتستقر أوضاع البلد، هذه أيضاً أولوية كبيرة وتحتاج إلى الكثير من الخطط لتوفير الإيرادات المطلوبة والموارد المالية لها ،  وفي كيفية تنفيذ هذه الأمور والوقوف بحزم أمام أي محاولات لمد اليد على هذا المال واقتناصه ودخول شبهات الفساد إلى هذه الأموال.

الأولوية الرابعة : التعايش المجتمعي السلمي الأهلي.

 في كل محافظة هناك مكونات وقبائل وعشائر في المكون الواحد بعضها يتهم الآخر، فإذا انتهينا من داعش ودخلنا في دوامة الثأر والثأر المتبادل واستمرار نزيف الدم، هذا يعني ان العراق سيغرق في حالة من الثأر والانتقام والتشفي من قبائل وعشائر وهذا ما يعرض اللحمة الوطنية والاستقرار الأمني في البلد إلى مخاطر كبيرة، فنحتاج أن نضع رؤية كبيرة في كيفية التصدي ومعالجة هذه الأمور.

الألوية الخامسة : مكافحة الفساد.

 نحتاج إلى وقفة حقيقية، وكما ذكرت المرجعية العليا أن نضرب المفسدين بيدٍ من حديد، من تتوفر عليه أدلة الإدانة الواضحة علينا أن نواجهه بقوة دون ملاحظات.

واسمحوا لي أن أقول عدم النظر في الإجراءات والتعليمات والضوابط وإبقاء منافذ يستغلها المفسدون للتغطية على فسادهم هو الآخر فسادٌ بعينه، اليوم الكثير ممن يُعتقد أنهم فاسدون فعندما تأتي لمسكه بالقانون تراه مغطى الرأس بغطاءات قانونية كاملة وقد بادر بتشكيل لجنة وقد قام بترتيب كل الشكليات للالتفاف على القانون ولا تستطيع المسك به او إلزامه حينها سيكون قد وجد طريقه للبراءة ، وأنت ترى في وضح النهار أنه يسرق ولكن لا دليل على جريمته.

هكذا فساد كل هذه السنين وكلما جئنا قيل لا دليل على الجريمة ، والمسؤولين المختصين في هذه المؤسسات يقولون ذلك، ونحن نلمس ونشم رائحة الفساد لكن عندما نأتي بالإجراءات والملفات والوثائق لا نستطيع أن نضع اليد على الفاسد، إذن هذه الإجراءات تحتاج إلى تطوير وتعديل، يجب أن نخرج العقود والأمور ذات الصلة المالية من الدهاليز المظلمة ونكشفها على الفضاء العام ونوجد حالة كبيرة من الشفافية فيها، حتى نمنع من أن يدب الفساد في هذه المعاملات ونبقى نجد من يحتمل تورطهم في الفساد دون أن تكون قدرة على مسكهم أو وضع اليد عليهم.

هذه أيضاً مشكلة لذلك أنا دعوت في مناسبات سابقة إلى الثورة ألإدارية ، قلنا إصلاح إداري غير كاف المسألة تحتاج إلى ثورة إدارية كثورتنا ضد داعش، لأن داعش والفساد وجهان لعملة واحدة، وكما نُوفق الآن بالقضاء على داعش بإذن الله علينا أن نضع الخطط الصحيحة ونستنفر كل إمكاناتنا المادية والمعنوية لمكافحة الفساد ووضع منظومة إدارية واضحة وقادرة على أن تحافظ على الثروة الوطنية وعلى الإمكانات العامة.

وفي الوقت الذي نُدين فيه كل ظواهر الفساد وندعو إلى مواجهة هذه الظواهر بقوة ولكنا في نفس الوقت أيضاً نحذر من حالات التعميم واعتبار الكل فاسدين ولصوص وسيئين وهذه ليست حقيقة، ما أكثر النزيهين في مؤسسات الدولة ولكن يؤخذون بجريمة غيرهم.

الإنسان الذي يعمل بنحو صحيح لا تخرج في فضائية تتكلم عليه وتتهمه، الأخطاء عندما تحصل تُضخم وأحيانا تُستحدث لأسباب سياسية ويُتهم بما ليس فيهم، هذه أجواء ملبدة يجب أن نعمل جاهدين على التخلص منها وأن نضعها خلف صدورنا وأن نتقدم إلى الأمام وأن نكون أكثر إيجابية في بناء تجربتنا .

نحن بحاجة للانفتاح على المستوى الإقليمي والدولي

نحن بحاجة إلى انفتاح إقليمي بالخصوص ودولي أيضاً لشرح ما يجري من تجربتنا ،  نقاط القوة الكبيرة فيها ، والسياسة فيها غضب ولكن ليس فيها زعل، لنغضب ولا نستاء،ما معنى ان نستاء؟ دولة عراقية بهذا الحجم لا نذهب لفلان بلد ولا نرى فلان بلد ولا نتواصل، إذن من يشرح وجهة نظرنا الصحيحة لهؤلاء، علينا أن نقتحم ونذهب ونوضح وندافع عن مشروعنا وتجربتنا ونقنع الآخرين.

لاحظوا كيف كان يتعامل رسول الله(صلى الله عليه وآله ) في أول ملامح الاقتدار بدأ يرسل رسائل إلى الإمبراطورية البيزنطية والفارسية ويدعوهم إلى مشروعه إلى الإسلام إلى عقيدته، علينا أن لا نقلق ولا نخشى ونقتحم ونشرح ونوضح وندافع عن مشروعنا وتجربتنا، وبما أننا على حق سنكون قادرين بإذن الله على إقناع الآخرين بحقنا.

رحم الله شهيدنا القائد (السيد صالح البخاتي) والشهداء الأبرار الذين سقطوا في طريق الحرية وطريق الدفاع عن هذا الوطن والعقيدة، نسأل الله أن يُرينا فيهم عزاً كبيراً لشعبنا لأمتنا ولمستقبل مساراتنا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.