بسم الله الرحمن الرحيم

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد    الحمد لله على ما هدانا وله الشكر على ما أبلانا، والحمد لله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، الله أكبر زينة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته وعدد قطر سماواته ونطف بحوره له الأسماء الحسنى وله الحمد في الآخرة والأولى حتى يرضى وبعد الرضا إنه هو العلي الكبير، الله أكبر كبيراً متكبرا  وإلهً عزيزاً متعززا ورحيماً عطوفاً متحننا, يقبل التوبة, ويقيل العثرة, ويعفو بعد القدرة, ولا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون, الله أكبر كبيرا ولا إله إلا الله مخلصا, وسبحان الله بكرة وأصيلاً, والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله, من يطع الله ورسوله فقد اهتدى, وفاز فوزاً عظيما ً, ومن يعصهِما فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً.

أوصيكم...

أوصيكم عباد الله بتقوى الله, وكثرة ذكر الموت, وأحذركم الدنيا التي لم يمتع بها أحد قبلكم, ولا تبقى لأحد بعدكم, ألا وإن هذا اليوم يومٌ حرمته عظيمة وبركته مأمولة والمغفرة فيه مرجوة فأكثروا ذكر الله, وتعرضوا لثوابه بالتوبة والإنابة,  والخضوع والتضرع, فإنه يقبل التوبة عن عباده, ويعفو عن السيئات, وهو الرحيم الودود, وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر, وأعينوا الضعيف, وانصروا المظلوم, وخذوا فوق يد الظالم أو المريب, وأحسنوا إلى نساءكم, واصدقوا الحديث, وأدوا الأمانة, وأوفوا بالعهد, وكونوا قوامين بالقسط, وأوفوا المكيال والميزان, وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده, ولا تغرنكم الحياة الدنيا, ولا يغرنكم بالله الغرور, إن أبلغ الموعظة وأحسن القصص كلام الله.

غلامٌ حليم...

أيها المؤمنون كلما حل علينا عيد الأضحى المبارك، كلما استذكرنا ذلك الموقف الخالد لنبي الله إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله السلام) ذلك الموقف الرائع الذي يسطره القرآن الكريم ويذكره في مواطن عدة, ومنها ما جاء في سورة الصافات حين قال إبراهيم داعياً ربه: (ربي هب لي من الصالحين) ونعرف أن ابراهيم انتظرَ طويلاً حتى يرزق بإبنٍ ولكن طال الانتظار, وكان يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ولداً (فبشرناه بغلام حليم)  جاءت الاستجابة بعد حين بعد سنوات وطول انتظار, ولكن الاستجابة لم تكن عادية (فبشرناه بغلام حليم) البشارة إن هذا الولد إن هذا الغلام سيكون مميزاً سيكون حليماً, (فلما بلغ معه السعي) حينما كبر هذا الفتى وأصبح قادراً على أن يشارك أباه في العمل في الجهد أن يخرج معه في مهامه, قال: ( يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى)  حلم الأنبياء حجة وليس كأحلامنا, فحينما يرى في المنام إنه يذبح ابنه هذا يعني إنه هناك أمراً إلهياً لإبراهيم بذبح ابنه إسماعيل, جاء ليخبره بهذا الأمر حتى تكون الطاعة طاعة واعية وحتى يكون إسماعيل شريكاً في أجر الطاعة والامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى, فليس من استغفالٍ في أمر الله وفي طاعته, وفي تنفيذ أوامره ونواهيه.

الطاعة الواعية...

هكذا هو الدرس العظيم الذي يقدمه لنا إبراهيم حينما يخبر ابنه وكان بإمكانه أن يفاجئه ويذبحه وينفذ الأمر لكنه صارحه المصارحة حتى يصل إلى الطاعة الواعية حتى يشترك إسماعيل معه في الأجر وفي امتثال هذا الأمر.

إفعل ما تؤمر...

قال يا أبتي حتى إذا كنت تريد أن تذبحني فأنت الأب، المشاعر الإنسانية لا تتغير حينما يكون الأمر الإلهي يتطلب موقفاً، (قال يا أبتي افعل ما تؤمر) لم يقل له اذبحني، لأن فيه إحراج للأب (قال يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) سأكون صابراً إن شاء الله، لا يعتمد على نفسه وإنما يربطها بالمشيئة الإلهية، (فلما أسلما) حينما استسلما لأمر الله ورضخا للأمر الإلهي، (وتله للجبين) ووضع جبينه على مكانٍ مرتفع، لماذا الجبين؟

أمرٌ الهي وابتلاء عظيم...

تقول بعض الروايات: أن إسماعيل عليه السلام طلب من أبيه إبراهيم أن يضع رأسه على مكانٍ ويذبحه من القفا حتى لا تقع عينه بعين أبنه ويضعف أثناء تنفيذ المهمة الإلهية، وهكذا كان فإبراهيم وضع جبين إسماعيل على مكانٍ مرتفع حتى يذبحه من القفا، ووضع السكين على رقبته، كم هو شاق هذا الأمر الإلهي وهذا الابتلاء العظيم.

وفديناه بذبح...

(وناديناه يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين) كفى يا إبراهيم، كان اختباراً وأنت امتثلت لأمر الله سبحانه وتعالى، وأنت صدقت أمر الله، ووضعت السكين على الرقبة، وكنت جاداً في أن تذبح إسماعيل طاعةً لله سبحانه وتعالى، (فقد جعلناك من المحسنين وأعطيناك مقام المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين) الاختبار العظيم (وفديناه بذبحٍ عظيم).

القدوة الحسنى...

هنا يأتي الأضحية، فدينا إسماعيل بذبحٍ عظيم (وتركنا عليه في الآخرين) تركنا له السمعة الطيبة والذكر الحسن ليكون القدوة والأسطورة على مر الأزمنة والدهور، (سلامٌ على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين).

الاستعداد الروحي للتضحية...

 ما أجمل الدروس التي نستقيها من هذا الحدث العظيم، الأمر الإلهي بذبح إسماعيل كان أمراً شاقاً وعظيماً، والأبن هو أعز الأشياء للأب، (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) فكيف يُطلب من الأب أن يذبح أبنه، كان أمراً شاقاً ولكنه يُعبر عن استعداد للتضحية، الأضحية نمطٌ من أنماط الاستعداد للتضحية بكل اللذائذ والشهوات، بكل الميول والتعلقات، بكل ما يربط الإنسان بهذه الدنيا، يرفع الإنسان اليد عنها ليكون لله سبحانه وتعالى، أن يتخلى عن المحبوب المجازي لصالح المحبوب الحقيقي لله سبحانه وتعالى.

الدرس الثاني

لعلنا نعجز أحياناً عن فهم فلسفة التشريع، والأسباب والملاكات الواقعية التي تدعو المشرع الله سبحانه وتعالى في أن يشرع أمراً أو نهياً، ماذا يعني أب يذبح أبنه الصالح أبنه الحليم، من الصعب للعقل البشري أن يفهم وأن يستوعب الفلسفة لهذا التشريع، فإذا أردنا أن نربط الطاعة بفهم فلسفة التشريع. لماذا نصلي؟ ولماذا نصوم؟ ولماذا هذا حرام؟ ولماذا هذا واجب؟ إذا أردنا أن نربطه بقناعاتنا.... هذا سيجرنا إلى التمرد على أمر الله سبحانه وتعالى، لأن بعض التشريعات يعجز عقلنا عن فهما وإدراك أسبابها ومناشئها.

لا مجال للاجتها امام الحكم الإلهي...

إبراهيم وهو نبيٌ عظيم من أنبياء الله لم يكن قادراً على أن يستوعب فلسفة هذا الأمر الإلهي ولكنه رضخ أسلما هو وإسماعيل، استسلم للأمر الإلهي لأنه أمرٌ من الله حتى لو لم يعرف أسبابه ومناشئه.

إذا لا مجال للاجتهاد, ولا مجال للأذواق, ولا مجال للقراءات الشخصية في التعاطي مع الأحكام الإلهية والأوامر والنواهي والتشريعات.

الدرس الثالث

 هذه الأُضحية التي نقدمها في عيد الأضحى لها فوائد جمة, إنها تحقق التقوى للإنسان حينما يضحي طاعة لله سبحانه وتعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم (لن ينال الله لحومها ولا دماءها) في أيام الجاهلية كانوا يذبحون ويأتون باللحم يقطر منه الدم ويضعوه على جدار الكعبة, يقولوا نقدم هذه القرابين لله, وكأن الله تعالى يستفيد من لحومها ودماءها, الآية تقول: (لن ينال الله لحومها ولا دماءها) لحوم الأغنام والأبقار والجمال ودماءها لا يستفيد الله سبحانه وتعالى من ذلك, ولكن يناله التقوى منكم أنتم تحصلون على التقوى من خلال هذا الأمر.

الفائدة الثانية

ذكر الله سبحانه وتعالى وتوحيده, ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلوماتٍ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام, إذن ذكر الله, توحيد الله, من الآثار المترتبة على هذه الأُضحية.

ثالثاً: شكر الله سبحانه وتعالى بتذكر نعمته : (كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون) إن هذه الأُضحية وهذه النعم التي يحققها الله سبحانه وتعالى توفر لنا حالة الشكر.

رابعاً: رعاية الفقراء والمحتاجين الذين يستفيدون من هذه الأضحية ولحومها وتوزع عليهم, : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير), في آية أخرى : (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر), المعتر ذلك الفقير الذي يعرض نفسه حينما يعرف أن هناك أُضحية يظهر نفسه قد يأشر أو لا يأشر, الآية  الشريفة تقول : (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر), القانع الذي لا يقترب أنته تذكره, المعتر الذي يعرض نفسه يتقرب ويذكرك بنفسه, قدموا له, عن رسول الله (ص) : ( إنما جُعل هذا الأضحى لتشبع مساكينكم من اللحم فأطعموهم), المسكين لا يحصل على فرصة اللحم دائماً في عيد الأضحى أطعموهم.

الفائدة الخامسة

 هو إحياءٌ لذكرى ابراهيم واسماعيل هؤلاء الأنبياء العظام, الذين تركوا مثل هذه القدوة الصالحة بطاعتهم لأمر الله سبحانه وتعالى, من الدروس الأخرى للأضحى, إنه خطاب يتوجه لعلية القوم, لكبراء القوم, فإن ابراهيم كان نبياً عظيماً, وكان أمةً كما يحدثنا القرآن الكريم, والمسؤولية في منطق الإسلام, هيَ ليست تشريف ومغنم, إنما هيَ تكليف ومغرم, ويوجه الكلام للمسؤول للكبير عليه أن يكون على قدر المسؤولية وأن يكون ملتزماً بالسياقات وبطاعة الله سبحانه وتعالى, الكبار هم من يتحملون المسؤوليات الجسيمة والعظيمة, والكبار هم من يقعون في الزلات والمطبات الكبيرة, ولذلك رسالة الأضحى رسالة الى المسؤولين, إلى كبار المتنفذين في كل مجتمع من المجتمعات.

الدرس الخامس

 الأضحية سنة إلهية نجدها في الأقوام والأديان المختلفة, كل دين من الأديان له طريقته في التعبير عن هذه الأضحية وتقديم القرابين, لاحظوا القرآن الكريم يحدثنا عن أبنَّي آدم (عليه السلام) كيف إنهما قدما قرباناً كما في سورة المائدة الآية 27 (وتلوا عليهم نبأ بنَّي آدم بالحق), في إشارة الى القصة الحقيقية لهما, وليس بعض الخرافات المذكورة في التوراة عنهما, إذ قرب قرباناً, هابيل كان فلاحاً قدم القربان من الحنطة التي يزرعها, قابيل كان راعياً للغنم قدم كبشاً, كل منهما قدم قرباناً فتُقُبل من أحدهما من هابيل, ولم يتُقُبل من الآخر من قابيل, قال قابيل: (لأقتلنك كيف يقبل الله منك ولم يقبل مني؟ إذن سأقتلك), لاحظوا هذا منهج الانحلال والانحراف, هذا الحسد الغير مبرر, أنا تقتلني لماذا؟! الله سبحانه وتعالى تقبل مني ولم يتقبل منك, المشكلة فيك أنت وليس أنا, قال هابيل: ( إنما يتقبل الله من المتقين), هذه هي مشكلتك لا يوجد عندك تقوى لذلك الله لا يتقبل منك, حلُّها ليس بقتلي, حلَّها أن تعود الى طاعة الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله جلَّ وعلى أن يوفقنا لاستلهام هذه الدروس العظيمة في هذا اليوم الشريف والكريم.

بسم الله الرحمن الرحيم (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعلموا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.